وقال في سورة الأحزاب: (? ? ? ?) [الأحزاب: 41] يعني: باللسان.
وقال: (? ? ? ?) [الأحزاب: 35] . كذلك 34.
ومنه قوله: (ھ ھ ے ے) [المائدة: 4] . أي: الذكر باللسان.
والذكر اللساني هو المأمور به في القرآن والسنة، والمترتب عليه الأجور المحددة، قال الفقهاء: وذلك معلوم من أقواله صلى الله عليه وسلم أن من قال كذا فله من الأجر كذا، فلا يحصل ذلك إلا بما يصدق عليه القول، لكن إذا صحب الذكر باللسان حضور القلب والتدبر والعمل بما تقتضيه هذه الأذكار فهذا قدر زائد لا يعرف قدره إلا الله جل وعلا؛ ولذا جاء في الحديث أنه -أي: الذكر-: (أفضل من أن تلقوا عدوكم) 35.
والذكر اللساني مشروع في جميع الأوقات، ويتأكد في بعضها، فمما يتأكد فيه الذكر عقيب الصلوات المفروضات، قال تعالى: (ژ ژڑ ڑ ک) [ق: 40] .
ويستحب أيضًا الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما، وهما: الفجر والعصر، وهذان الوقتان -أعني: وقت الفجر ووقت العصر- هما أفضل أوقات النهار للذكر؛ ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن 36. كما سيأتي.
لكن الذكر باللسان فقط دون معرفة القلب ودون العمل فائدته قليلة وقد لا يفيد، فينبغي للإنسان أن يتعرف على معاني ما يقوله، ويعمل به، ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال: بعت واشتريت، مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ، ولا يفهم منها شيئًا فإنه لا ينعقد البيع والشراء، فكذا ها هنا 37.
2.الذكر القلبي.
ومن أنواع الذكر: الذكر القلبي، وهو بمعنى تذكر عظمة الله عند أوامره ونواهيه، وإرادة الفعل الذي فيه رضاه فيفعله، أو الذي فيه سخطه فيتركه، والتفكير في عظمة الله وجبروته وآياته في أرضه وسماواته ومصنوعاته 38.
قال ابن عاشور: «الذكر القلبي وهو ذكر الله عند أمره ونهيه، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه، وهو الذي في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 135] .
فدخل فيه التوبة، ودخل فيها الارتداع عن المظالم كلها من القتل، وأخذ أموال الناس والحرابة، والإضرار بالناس في المعاملات، ومما يوضح شموله لهذه الشرائع كلها تقييده بـ (كثيرًا) ؛ لأن المرء إذا ذكر الله كثيرًا فقد استغرق ذكره على المحملين جميع ما يذكر الله عنده» 39.
وقال الشنقيطي: (? ?) ذكرين، أما الذكر النفساني فهذا الذي يكون في نفسك لا يعلمه منك إلا ربك، من أن تتفكر في عظمته وسلطانه وجبروته وصفاته وعقابه وثوابه متضرعًا خائفًا منه جل وعلا، وهذا النوع من الذكر القلبي عظيم جدًا، الثاني: ذكر لساني، وقد علمهم جل وعلا آداب الذكر اللساني، وأنهم لا يرفعوا صوته جدًا ولا يخافتوا به جدًا 40.
وقد استنبط المفسرون إشارات في القرآن يفهم منها الدلالة على هذا النوع من الذكر، وهو الذكر القلبي، قال في اللباب: «ثم قال تعالى: (? ? ? ?) والمراد منه: أن العبد يجب أن يكون ذاكرًا لله تعالى في كل الأوقات؛ لأنه حثه على الذكر الغدوات وبالعشيات، ثم عمم بقوله: (? ? ? ?) يعني: أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائمًا، وأن لا يغفل الإنسان عنه لحظةً واحدةً بحسب الإمكان» 41.
وقال ابن جزي: « (? ? ? ?) يحتمل أن يريد الذكر بالقلب دون اللسان، أو الذكر باللسان سرًا، فعلى الأول يكون قوله: (? ? ? ?) عطف متغاير، أي: حالة أخرى، وعلى الثاني: يكون بيانًا وتفسيرًا للأول» 42.
وقال الثعالبي: «قوله تعالى: (? ? ? ?) يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائمًا، وألا يغفل الإنسان لحظةً عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية، وتحقيق القول في هذا أن بين الروح والبدن علاقةً عجيبةً لأن كل أثر يحصل في البدن يصعد منه نتائج إلى الروح، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض ضرس منه، وإذا تخيل حالةً مكروهةً أو غضب سخن بدنه» 43.
ويدخل في الذكر القلبي: الوقوف عند الحدود: إن رأى واجبًا ذكر الله بقلبه ففعله، وإن رأى محظورًا ذكر الله بقلبه فاجتنبه؛ ولهذا كان من دعاء العظماء: «اللهم إني أسألك أن لا ترانا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا من حيث أمرتنا» 44.
ويدخل في الذكر القلبي التفكر في مخلوقات الله وآياته، فالتفكر في الكون أرضه وسمائه، حيوانه وجماده، أخضره ويابسه، ليله ونهاره، نجومه وكواكبه لمن أجل الأعمال، وأعظم الطاعات، وأفضل العبادات التي ترفع الإنسان في مدارج السمو الروحي، وتنقل الإيمان من التقليد إلى الأصالة، ومن الشك إلى اليقين.
قال الزمخشري: «الفكرة -أي: التفكر- تذهب الغفلة، وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة» 45.
والتفكر المقصود هو التفكر في خلق الله، وما حواه كونه من آيات باهرات، وشواهد ناطقات بوجوده ووحدانيته، لا التفكر في ذاته العلية، فإن ذلك مظنة الزيغ والهلاك؛ لهذا نهي عنه.
ويدخل في الذكر القلبي: أن تذكر نعم الله وأفضاله وآلاءه، في قلبك، فيحملك ذلك على شكره والثناء عليه باللسان، قال تعالى: (? ? ? ?) [البقرة: 231] .
وقال عز وجل: (? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 103] .
وذكر القلب نوعان:
أحدهما: وهو أرفع الأذكار وأجلها: الفكر في عظمة الله تعالى، وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في سماواته وأرضه.
والثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي، فيمتثل ما أمر به، ويترك ما نهي عنه، ويقف عما أشكل عليه، فإذا اجتمع هذا مع ذكر اللسان كان أعظم، وأما ذكر اللسان مجردًا فهو أضعف الأذكار، ولكن فيه فضل.
فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر فذكره أفضل الذكر، وأجله وأعظمه 46.
وقال شيخ الإسلام -وهو يتحدث عن مراتب الناس في الذكر-: «فإن الناس في الذكر أربع طبقات ... وذكر منها: الذكر بالقلب فقط، فإن كان مع عجز اللسان فحسن، وإن كان مع قدرته فتركٌ للأفضل» 47.
«وقال القاضي 48: واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب؟ فقيل: تكتبه، ويجعل الله تعالى لهم علامة يعرفونه بها، وقيل: لا يكتبونه؛ لأنه لا يطلع عليه غير الله، قال النووي: قلت: الصحيح أنهم يكتبونه، وأن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده» 49.
ونفهم من قول ابن تيمية السابق، وما نقله النووي عن القاضي عياض رحمهم الله، أنهما يذهبان إلى جواز الذكر بالقلب تهليلًا وتسبيحًا وقراءة للقرآن وغير ذلك، وهذا كله في الذكر القلبي بالمعنى المبين الخاص، أما الذكر القلبي بمعنى تذكر عظمة الله عند أوامره ونواهيه، وإرادة الفعل الذي فيه رضاه فيفعله، أو الذي فيه سخطه فيتركه، والتفكر في عظمة الله وجبروته وآياته في أرضه وسماواته ومصنوعاته، فقال عياض: «هذا النوع لا يقاربه ذكر اللسان فكيف يفضله؟!» 50.
وقال في البحر: «ولا شك أن الذكر الذي يصرف الشيطان عن القلب إنما هو الذكر القلبي لا اللساني، فكم من ذاكر بلسانه وقلبه مشغول بهواه» 51.
وعليه فإن الذكر بالقلب جائز بجميع اعتباراته التي ذكرت من العلماء، ولكن اشتراط أهل العلم في الأذكار التعبدية أن ينطق بها مثل الفاتحة، وتكبيرة الاحرام، وأذكار الصلاة، فلا يكفي فيها الذكر القلبي، بل لا بد من حركة اللسان بها، كما قال خليل في مختصره في الفقه المالكي: «وفاتحة بحركة لسان» 52. بل يشترط أن يسمع القارئ نفسه.
والمقصود أن الذكر نوعان: قلبي ولساني، ولكل منهما شواهد من الكتاب والسنة، فالذكر اللساني باللفظ المركب من الأصوات والحروف، لا يتيسر للذاكر في جميع الأوقات؛ فإن البيع والشراء ونحوهما يلهي الذاكر عنه ألبتة، بخلاف الذكر القلبي فإنه بملاحظة مسمى ذلك اللفظ المجرد عن الحروف والأصوات لا شيء يلهي الذاكر عنه.
الذكر عبادة من العبادات، بل هو من أعظم العبادات، والعبادات مبناها على النص والاتباع، لا على الإحداث والاختراع؛ إذ هي توقيفية، لا مجال للابتداع فيها، أو الاستحسان.
1.الذكر المنفرد.
الأصل في الذكر أن يقوم به كل إنسان بمفرده، ولعل هذا يفهم من قوله تعالى: (? ? ? ?) [الأعراف: 205] .
فيحمل قوله: (? ?) معنى: الانفراد. قال السعدي: «فأمر الله عبده ورسوله محمدًا أصلًا، وغيره تبعًا بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصًا خاليًا» 53. فخاليًا أي: منفردًا.
ومدح زكريا عليه السلام بقوله: (پ ? ? ? ?) [مريم: 3] .
ولا يكون نداء خفيًا إلا إذا كان منفردًا، خاليًا لوحده. قال أبو جعفر: «أي: سرًا» 54. وقال الواحدي: «أي: خافيًا، يخفي ذلك في نفسه، لا يريد رياء، وهذا يدل على أن المستحب في الدعاء الإخفاء» 55.
فهذا الأصل في الذكر أن يؤديه كل إنسان بمفرده إلا ما استثناه الشارع، كالدعاء من الإمام في الصلاة، والتأمين عليه، سواءً بعد الفاتحة، أو في القنوت ونحو ذلك.
2.الذكر الجماعي.
الذكر الجماعي: هو ما ينطق به المجتمعون للذكر بصوت واحد، يوافق فيه بعضهم بعضًا، كما يفعله بعض الناس من الاجتماع أدبار الصلوات المكتوبة، أو في غيرها من الأوقات والأحوال ليرددوا بصوت جماعي أذكارًا وأدعية وأورادًا وراء شخص معين، أو دون قائد، لكنهم يأتون بهذه الأذكار في صيغة جماعية، ومن صوت واحد.
ولم نجد في القرآن ما يدل على الذكر الجماعي، أو يشير إليه.
وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسألة، بين مجوز لها ومانع منها، وألفت فيها المؤلفات الكثيرة، ولا نستطيع بسط المسألة ومناقشة أدلتها، وأقوال العلماء هنا؛ لأن البحث في الذكر في القرآن.
فبالرجوع إلى القرآن الكريم وآيات الذكر فيه -كما قلنا- لا نجد نصًا يدل عليها، وإنما الموجود الأمر بالذكر، والحث عليه، وطلب الإكثار منه، ومدح أهله، ولم توجد إشارة إلى الذكر الجماعي نفيًا أو إثباتًا، إلا ما كان من استدلال بعضهم-وهو استدلال ضعيف- بقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [طه: 29 - 34] .
فموسى عليه السلام طلب من الله أن يرسل معه أخاه هارون؛ وعلل ذلك بقوله: (? ? ? ? ? ?) فقيل: يستفاد من ذلك أن التسبيح والذكر الجماعي أكثر تأثيرًا ونفعًا من التسبيح والذكر الفردي، مثله كمثل الصلاة، فهي في الجماعة أفضل، ومثله مثل الصيام عندما يصوم الناس مجتمعين في شهر رمضان، يخفف على الصائم مشاق الصوم عندما يشعر أنه ليس صائمًا بمفرده، والتعاون -كما يقال- يهيج الرغبات، ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده.
أما بالنظر إلى السنة النبوية فإنه قد وردت أحاديث كثيرة يفاد منها الذكر الجماعي والذكر الفردي، والاحتمالان قائمان من ذات الدليل، كحديث: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا) ، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟! قال: (حلق الذكر) 56.
وهذا يحتمل أن يكون التسبيح والذكر جماعيًا، كما يحتمل أن يكون فرديًا، ولا حجة لأي الفريقين على الآخر؛ كما يحتمل أن يكون المراد بحلق الذكر هنا سماع الوعظ والقرآن.
ومن الأدلة المحتملة قوله صلى الله عليه وسلم: (ما جلس قوم مجلسًا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده) 57.
وفي تعليق الصنعاني على الحديث يقول: «وهذا من فضائل مجالس الذكر، تحضرها الملائكة بعد التماسهم لها، والمراد بالذكر هو التسبيح والتحميد وتلاوة القرآن، ونحو ذلك» 58.
وقال النووي في كتابه الأذكار: «اعلم أنه كما يستحب الذكر يستحب الجلوس في حلق أهله، وقد تظاهرت الأدلة على ذلك» 59. إلا أن الصواب: أن المراد بحلق الذكر في هذه الأحاديث: تعلم العلم، وقراءة القرآن، لا الذكر الجماعي من تسبيح وتحميد وغيره.
لكن بالرجوع إلى سيرته وسنته الفعلية عليه الصلاة والسلام يجد الحق من طلبه وتحراه؛ إذ إننا نجد من هديه عليه الصلاة والسلام في الذكر أنه لم يثبت أنه دعا إلى الذكر الجماعي أو فعله مع أصحابه، وكذلك أصحابه من بعده، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان خيرًا لفعله صلى الله عليه وسلم، واتبعه صحابته رضي الله عنهم، فكيف يمكن الزعم بعد هذا أن الدعاء الجماعي خير، والرسول لم يعمل به على الرغم من استطاعته على ذلك، وقد سبق القول: إن الذكر من العبادات التي يجب أخذها عن النبي صلى الله عليه وسلم، أضف إلى ذلك أن الذكر الجماعي فيه مفاسد، منها:
-الخروج عن السمت والوقار، فإن الذكر الجماعي قد يتسبب في التمايل والرقص.
-التشويش على المصلين والذاكرين الآخرين.
-تشبه بالنصارى الذين يجتمعون في كنائسهم لترتيل الأناشيد الدينية جماعة بصوت واحد.
-يؤدي ضعف الذكر المنفرد، حيث يكتفي بذكر الجماعة.
-تتبع طرق معينة، حيث نجد أن كل واحد يتبع شيخه بطريقة معينة 60.
وقد أنكر كثير من العلماء هذه البدعة، فممن أنكرها الإمام الشافعي 61، وشيخ الإسلام ابن تيمية 62، والشاطبي 63، وابن الحاج 64، وابن باز 65، وابن العثيمين 66 والفوزان 67 وغيرهم من العلماء قديمًا وحديثًا.
قال الإمام الشاطبي في بيان البدع: «كالجهر والاجتماع في الذكر المشهور بين متصوفة الزمان، فإن بينه وبين الذكر المشروع بونًا بعيدًا؛ إذ هما كالمتضادين عادة» 68.
وقال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: «في الذكر الجماعي قاعدة هذه الهيئة التي يرد إليها حكمها هي: أن الذكر الجماعي بصوت واحدٍ سرًا أو جهرًا لترديد ذكر معين، وارد أو غير وارد، سواءً كان من الكل أو يتلقونه من أحدهم، مع رفع الأيدي أو بلا رفع لها؛ كل هذا وصف يحتاج إلى أصل شرعي يدل عليه من الكتاب والسنة؛ لأنه داخل في عبادة، والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، لا على الإحداث والاختراع؛ ولهذا نظرنا في الأدلة في الكتاب والسنة فلم نجد دليلًا يدل على هذه الهيئة المضافة، فتحقق أنه لا أصل له في الشرع المطهر، وما لا أصل له في الشرع فهو بدعة؛ إذًا فيكون الذكر والدعاء الجماعي بدعة يجب على كل مسلم مقتدٍ برسول الله صلى الله عليه وسلم تركها، والحذر منها، وأن يلتزم بالمشروع» 69.
إلا أن ثمة فرقًا بين الجهر بالأذكار في أدبار الصلوات وبين الذكر الجماعي، فالأول يقول به عامة علمائنا المعاصرين، وله أصل في السنة، ولا ينبغي أن يكون رفعًا يشوش على المصلين المسبوقين في صلاتهم، والثاني -أي: الذكر الجماعي- مبتدع لا أصل له في السنة النبوية.
وقد جاء عن جمع من السلف من الصحابة فمن بعدهم الإنكار على الذين يجتمعون فيدعون بصوت واحد، أو يذكرون الله بتهليل أو تكبير أو تسبيح بصوت واحد، فعن أبي عثمان النهدي قال: «كتب عامل لعمر بن الخطاب إليه: إن ههنا قومًا يجتمعون فيدعون للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر: أقبل بهم معك، فأقبل، وقال عمر للبواب: أعد سوطًا، فلما دخلوا على عمر علا أميرهم ضربًا» 70.
وفي قصة أبي موسى أنه قال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: «يا أبا عبد الرحمن: إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته، ولم أر -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، إلى أن قال ابن مسعود رضي الله عنه لما وقف عليهم: ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه» 71.
فهذا أبو موسى الأشعري وابن مسعود رضي الله عنهما أنكرا على أولئك النفر تلك الكيفية والهيئة الجماعية للذكر مع أن الذكر مستحب ومرغب فيه، ولكن ليس على الطرق المبتدعة المخترعة، وكيفيته وهيئته يجب أن تكون على الطريقة المتلقاة عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه البررة رضي الله عنهم.
من صور الذكر:
ذكر الله تعالى في القرآن أنواعًا من الذكر، كالتسبيح والتحميد والتكبير وغيرها، وفيما يلي ذكر بعض صور الذكر الواردة في القرآن.
أولًا: الاستغفار:
من صور الذكر وأعظمها الاستغفار، والاستغفار وإن كان يتنزل منزلة الدعاء إلا أن الدعاء يتضمن الذكر.
والغفر والمغفرة: التغطية على الذنوب، والعفو عنها 72.
والاستغفار: طلب ذلك من الله، فـ (استغفر) تزيد على (غفر) معنى الطلب.
وعرفه الراغب بقوله: «الاستغفار: طلب المغفرة بالمقال والفعال» 73.
قال ابن تيمية: «الاستغفار هو طلب المغفرة، وهو من جنس الدعاء والسؤال، وهو مقرون بالتوبة في الغالب» 74.
فقول العبد: «أستغفر الله» وإن كان لفظه خبرًا، إلا أن معناه دعاءٌ وطلب، كما في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .
والمقصود أن القرآن الكريم قد ورد فيه آيات كثيرة، تحث على الاستغفار، وتأمر به، وتبين فضله، وفي ذلك دلالة واضحة على أهمية طلب العبد المغفرة من ربه ليستر عيوبه، ويعفو عن سيئاته، ويجنبه عقوبته؛ ولأهمية الاستغفار وفضله تجد أن دعوة جميع الأنبياء جاءت بالاستغفار، كما في قصة نوح وهود وصالح وشعيب ومحمد -عليهم الصلاة والسلام-، بل إن سيرة رسولنا محمد عابقة بكثرة استغفاره، وهو الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال ابن رجب في تفسيره: «كثر في القرآن ذكر الاستغفار، فتارة يؤمر به، كقوله: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] .
وقوله: {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 90] .
وتارة يمدح أهله، كقوله: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] .
وقوله: {فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 135] .
وتارة يذكر أن الله يغفر لمن استغفره، كقوله: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110] .
وكثيرًا ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة، فيكون الاستغفار حينئذٍ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح، وتارة يفرد الاستغفار، ويرتب عليه المغفرة» 75.
ونهى الله تعالى عن الاستغفار للمشركين، ولو كانوا أولي قربى، فقال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} [التوبة: 113 - 114] .
وقال في حق المنافقين: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ} [المنافقون: 6] .
فالاستغفار لا ينفعهم شيئًا وذلك لفداحة ما هم عليه من الاعتقاد الفاسد المبطن، ولإيغالهم في الكفر وانهماكهم في الفسق والقبائح، فاستحقوا هذا الجزاء الخطير، قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] .
والقرآن أطلق الأمر بالاستغفار ولم يذكر صيغته، ولمعرفة ذلك يرجع إلى السنة، فكان عليه الصلاة والسلام ينوع في طلب المغفرة، ويعدد الذنوب بأنواعها.
والاستغفار على هذا لا يكون باللسان فقط، بل باللسان وبالفعال، فقد قيل: الاستغفار باللسان من دون فعال فعل الكذابين، والله سبحانه وتعالى لما أثنى على عباده بالاستغفار قيده بعدم الإصرار؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135] .