فهرس الكتاب

الصفحة 1202 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

إن المتتبع للمعاجم اللغوية يجد أن مادة (س ر ف) تدور في اللغة على معانٍ متعددة، تقارب السبعة معانٍ مذمومة، منها: تجاوز الحد والقصد، ووضع الشيء في غير موضوعه، والخطأ، والولوع بالشيء والجهل، والغفلة، والقلة، والإفساد.

السرف والإسراف مجاوزة القصد، أسرف في ماله عجل من غير قصد، والسرف: الخطأ، وأخطأ الشيء وضعه في غير حقه، والإسراف الإكثار من الذنوب، ورجل سرف العقل: أي قليله، وقيل: فاسده والمسرف الكافر، وسرف الماء ما ذهب منه في غير سقيٍ ولا نفعٍ، والسرف: الإغفال، وسرف القوم جاوزهم، والسرف الجاهل، وأسرف الرجل إذا جاز الحد، وأسرف إذا أخطأ أو غفل أو جهل 1.

وقال ابن فارس: «السين والراء والفاء أصل واحد يدل على تعدي الحد، والإغفال أيضًا للشيء، تقول: في الأمر سرف، أي: مجاوزة القدر» 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب الأصفهاني: «السرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان» 3.

وعرفه الطاهر ابن عاشور بقوله: «الإسراف: الإفراط والإكثار في شيءٍ غير محمودٍ» 4.

وعرفه الجرجاني فقال: «الإسراف هو إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس» 5.

أما الإمام الطبري فقد عرفه بقوله: «أصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط وربما كان في التقصير» 6.

وردت مادة (سرف) في القرآن (23) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر:53]

الفعل المضارع ... 4 ... {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) } [الفرقان:67]

المصدر ... 2 ... {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} [النساء:6]

اسم الفاعل ... 15 ... {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر:28]

وجاء الإسراف في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: تجاوز الحد في سائر الأفعال 8، ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) } [الفرقان: 67] . يعني: لم يجاوزوا الحد في الإنفاق بالإنفاق في الحرام أو في ما لا ينبغي.

التبذير:

التبذير لغة:

بذر: أي أفسد وأنفق في السرف، وكل ما فرقته وأفسدته، فقد بذرته، والتبذير: إفساد المال وإنفاقه في السرف 9.

التبذير اصطلاحًا:

حكى الإمام القرطبي عن الإمام الشافعي بأن التبذير هو: «إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير» .

قال القرطبي تعليقًا على قول الإمام الشافعي: «وهذا قول الجمهور» ، وحكى القرطبي أيضًا عن أشهب، عن الإمام مالكٍ: «أن التبذير هو أخذ المال من حقه، ووضعه في غير حقه» 10.

الصلة بين الإسراف والتبذير:

أن التبذير أخص من الإسراف؛ لأن التبذير يستعمل في إنفاق المال في المعاصي أو في غير حق، وأما الإسراف فهو أعم من ذلك؛ لأنه مجاوزة الحد، سواء أكان في أمر محمود أو مذموم، ولا يختص بالأموال، فهو في الأموال وغيرها، وقد فرق ابن عابدين بين الإسراف والتبذير من جهة أخرى، فقال: «التبذير يستعمل في المشهور بمعنى الإسراف، والتحقيق أن بينهما فرقًا، وهو أن الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، والتبذير: صرف الشيء فيما لا ينبغي» 11.

السفه:

السفه لغة:

أصله الخفة والحركة، فقد ذكر أهل اللغة أن الأصل في السفه هو خفة في البدن ثم استعمل في خفة النفس لنقصان العقل 12، ويكون السفه في أمور الدين والدنيا.

السفه اصطلاحًا:

هو عبارة عن التصرف في المال بخلاف مقتضى الشرع والعقل بالتبذير فيه والإسراف- مع قيام خفة العقل، والسفيه: هو من ينفق ماله فيما لا ينبغي من وجوه التبذير، ولا يمكنه إصلاحه بالتمييز والتصرف فيه بالتدبير 13.

الصلة بين الإسراف والسفه:

هناك فرق بينهما، فالإسراف في النفقة سببه هو السفه والخفة الموجودة عند الشخص، فالسفه سبب للإسراف.

التقتير:

التقتير لغة:

قَتَرَ فلان: ضاق عيشه، وضيق على عياله في النفقة 14.

التقتير اصطلاحًا:

عرفه المناوي بقوله: هو «تقليل النفقة، ويقابله الإسراف، وهما مذمومان» 15.

الصلة بين الإسراف والتقتير:

هما ضدان، ومذمومان.

القصد:

القصد لغة:

استقامة الطريق، والقصد في المعيشة: أن لا يسرف ولا يقتر، وقصد في الأمر لم: يتجاوز فيه الحد، ورضي بالتوسط، يقال: فلانٌ مقتصدٌ في المعيشة وفي النفقة، وقد اقتصد 16.

القصد اصطلاحًا:

«استقامة الطريق، ومنه الاقتصاد وهو فيما له طرفان: إفراط وتفريط» 17.

الصلة بين الإسراف والقصد:

الإسراف: مجاوزة الحد في الشيء، والقصد: الاعتدال، فهو ترك الإسراف والتقتير جميعًا؛ وذلك أن نقيض الاقتصاد الإسراف، فالقصد فيما له طرفان إفراط وتفريط محمود على الإطلاق 18.

للإسراف مجالات تتناولها المطالب الآتية:

أولًا: الإسراف في الكفر والتكذيب:

لقد كثر في القرآن الكريم إطلاق المسرفين على الكفار في أكثر من موضع، وفي موضع واحد أطلق سبحانه على المسرف بأنه «كذاب» ، وفي موضع آخر أطلق عليه اسم «مرتاب» .

«وفُسِرَ المسرفون بالكافرين والكافر مسرفٌ؛ لتضييعه السعادة الأبدية بالشهوة الخسيسة المنقضية، كما يضيع المنفق ماله متجاوزًا فيه الحد ما كانوا يعملون من الإعراض عن جناب الله، وعن اتباع الشهوات» 19.

وهما قوله تعالى: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} [غافر: 34] .

أي: مشرك مرتاب في وحدانية الله تعالى يجادل في آيات الله بغير علم متكبر جبار، ونحوه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .

أي: مسرف في عناده، كذاب في ادعائه، وهاتان الآيتان تتحدثان عن فرعون وجبروته وطغيانه 20.

وأما إطلاق الكفر على المسرف فلقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه أصنافًا شتى من المسرفين من الأمم الكافرة؛ ولذلك قال أهل العلم: سمي الكافر مسرفًا؛ لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام؛ فالأصل أن كل كافر مسرف؛ لأنه تجاوز حدود الله تعالى 21.

ولو تأملنا الآيات التي ذكر فيها وصف الكفر والكذب والارتياب على المسرفين نجدها تتحدث عن أصناف مختلفة من المسرفين من الكفار عمومًا، أو من أقوام معينة.

فالآيات التي وصف فيها الله تعالى فيها أهل الكفر عمومًا بالإسراف كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 127] .

فهذا إسراف في الكفر والطغيان والتكذيب بآيات الله تعالى، لقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه، وقال سفيان: أسرف هنا بمعنى: أشرك، فالإسراف هنا هو: الاعتقاد الضال وعدم الإيمان بالآيات ومكابرتها وتكذيبها، وأسرف بالانهماك في الشهوات والإعراض عن الآيات، وإنما سمي الكافر مسرفًا؛ لأنه أتلف نفسه وضيعها في عبادة الأصنام، وأتلف ماله وضيعه في البحائر والسوائب، وما كانوا ينفقون على الأصنام وخدامها 22.

وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .

وقال: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ} [غافر: 34] .

أي: مشرك شاك في التوحيد وصدق الرسل، واستمرار العناد في مواجهة الرسل، والكفر برسالاتهم.

فمن كان في مثل هذه الحال من الإسراف في الكفر والشرك، فإن الله يضله؛ ويزيده إسرافًا في المعاصي والاستكثار منها، وارتيابًا في دين الله، ووحدانيته ووعده ووعيده 23.

فهذه الآيات تبين أن الكافر والمشرك كلاهما مسرفٌ؛ لتجاوزهما حدود الله تعالى، وكل من لم يؤمن بالله ويتبع رسله فهو مسرفٌ، فهم المسرفون بتجاوزهم الحق وعدولهم عنه إلى الضلال، وهم الكذبة، حيث نسبوا ذلك إلى الله، وكذبوا رسوله.

فالذي وصفه السرف والكذب، لا ينفك عنهما، لا يهديه الله، ولا يوفقه للخير؛ لأنه رد الحق بعد أن وصل إليه وعرفه، فجزاؤه أن يعاقبه الله، بأن يمنعه الهدى، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5] .

{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110] .

وقال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] 24.

وقال تعالى: {كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] .

فالمجاوزون الحد في الكفر والمعصية زين لهم ما كانوا يعملون من الانهماك في الشهوات والإعراض عن العبادات، وإسرافهم لما أن الله تعالى إنما أعطاهم القوى والمشاعر؛ من أجل أن يصرفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خلقت له من الأعمال الصالحة؛ فلما صرفوها إلى ما لا ينبغي وهي رأس مالهم فقد أتلفوها وأسرفوا إسرافًا ظاهرًا، والتزيين إما من جهة الله سبحانه على طريقه التخلية والخذلان أو من الشيطان بالوسوسة والتسويل، {مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من الإعراض عن الذكر والدعاء والانهماك في الشهوات 25.

أحد النماذج التي ذكرها القرآن في الإسراف في الكفر والتكذيب:

كفار قريش:

وقد نص القرآن على إسرافهم في قوله تعالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} [الزخرف: 5] .

«أي: لأن كنتم منهمكين في الإسراف مصرين عليه، على معنى إن حالكم وإن اقتضى تخليتكم وشأنكم حتى تموتوا على الكفر والضلالة وتبقوا في العذاب الخالد، لكنا لسعة رحمتنا لا نفعل ذلك، بل نهديكم إلى الحق بإرسال الرسول الأمين وإنزال الكتاب، فالاستفهام في الآية إنكاري، أي: لا يجوز أن نضرب عنكم الذكر صفحًا من جراء إسرافكم، والذكر: التذكير، والمراد به القرآن. والصفح: الإعراض بصفح الوجه وهو جانبه وهو أشد الإعراض عن الكلام؛ لأنه يجمع ترك استماعه وترك النظر إلى المتكلم» ، وعن قتادة قال: «والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه» . والمقام دال على أنهم أسرفوا في الإعراض عن القرآن، وقرأ نافعٌ وحمزة والكسائي وأبو جعفرٍ وخلفٌ {أَنْ كُنْتُمْ} بكسر همزة إن فتكون «إن شرطيةً» ، ولما كان الغالب في استعمال إن الشرطية أن تقع في الشرط الذي ليس متوقعًا وقوعه بخلاف (إذا) التي هي للشرط المتيقن وقوعه، فالإتيان بإن في قوله: {أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} لقصد تنزيل المخاطبين المعلوم إسرافهم منزلة من يشك في إسرافه؛ لأن توفر الأدلة على صدق القرآن من شأنه أن يزيل إسرافهم، وفي هذا ثقةٌ بحقية القرآن وضربٌ من التوبيخ على إمعانهم في الإعراض عنه، وقرأه ابن كثيرٍ وابن عامرٍ وعاصمٌ وأبو عمرٍو ويعقوب بفتح الهمزة على جعل إن مصدريةً وتقدير لام التعليل محذوفًا، أي: لأجل إسرافكم، أي: لا نترك تذكيركم بسبب كونكم مسرفين، بل لا نزال نعيد التذكير رحمةً بكم.

وإقحام {قَوْمًا} قبل {مُسْرِفِينَ} للدلالة على أن هذا الإسراف صار طبعًا لهم، وبه قوام قوميتهم 26.

وتقرير هذه الحقيقة كفيل بأن يشعر القوم الذين جعل القرآن بلسانهم بقيمة الهبة الضخمة التي وهبها الله إياهم، وقيمة النعمة التي أنعم الله ٍعليهم، ويكشف لهم عن مدى الإسراف القبيح في إعراضهم عنها واستخفافهم بها، ومدى استحقاقهم هم للإهمال والإعراض ومن ثم يعرض بهم وبإسرافهم، ويهددهم بالترك والإهمال جزاء هذا الإسراف 27.

ثانيًا: الإسراف في الفواحش:

ومن النماذج الذين أسرفوا على أنفسهم بفعل الفاحشة:

قوم لوط عليه السلام:

إن قوم نبي الله لوط عليه السلام «كانوا مصابين بفساد العقل والنفس، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه على لسان رسوله لوط عليه السلام، هذا وقد وصفهم الله تعالى بالإسراف بطريق الجملة الاسمية الدالة على الثبات قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [الأعراف: 80 - 81] .

أي: أنتم قومٌ تمكن منهم الإسراف في الشهوات؛ فلذلك اشتهوا شهوةً غريبةً لما سئموا الشهوات المعتادة.

وهذه شنشنة الاسترسال في الشهوات حتى يصبح المرء لا يشفي شهوته شيءٌ، ونحوه قوله عنهم في آيةٍ أخرى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 166] .

ووجه تسمية هذا الفعل الشنيع فاحشةً وإسرافًا أنه يشتمل على مفاسد كثيرةٍ: منها استعمال الشهوة الحيوانية المغروزة في غير ما غرزت عليه؛ لأن الله خلق في الإنسان الشهوة الحيوانية لإرادة بقاء النوع بقانون التناسل، حتى يكون الداعي إليه قهري ينساق إليه الإنسان بطبعه، فقضاء تلك الشهوة في غير الغرض الذي وضعها الله لأجله اعتداءٌ على الفطرة وعلى النوع 28.

وقال تعالى في وصفهم أيضًا: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55] .

وفي آية أخرى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} [الشعراء: 166] .

وهذه الألفاظ من معاني الإسراف، ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل والنفس، بجمعهم بين الإسراف، والعدوان والجهل، فلا هم يعقلون ضرر هذه الفاحشة في الجناية على النسل وعلى الصحة وعلى الفضيلة والآداب العامة، ولا غيرها من منكراتهم فيجتنبونها ويجتنبون الإسراف فيها، ولا هم على شيء من الحياء وحسن الخلق يصرفهم عن ذلك 29.

ثم كانت نهاية القوم الذين أسرفوا في الكفر والكذب واتباع الشهوات المحرمة المخالفة للفطرة أن قال تعالى فيهم: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} [النمل: 58] .

أي: ثم أهلكنا القوم الذين انغمسوا في المنكرات، وكفروا بالله الذي خلقهم، ولم يؤمنوا برسله، وأنزلنا عليهم العذاب الذي عم جميعهم.

قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 84] .

وبين الله تعالى في مواضع أخر أنه مطر حجارةٍ أهلكهم الله بها، كقوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: 74] .

وأشار إلى أن السجيل الطين بقوله تعالى: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ} [الذاريات: 33] .

وبين أن هذا المطر مطر سوءٍ لا رحمةٍ بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ} [الفرقان: 40] .

فهذه العقوبة من الله تعالى لهؤلاء القوم الذين أسرفوا على أنفسهم بفعل الفاحشة؛ يبين خطورة هذه الفاحشة الشاذة التي قد أسرف فيها قوم لوط عليه السلام.

ثالثًا: الإسراف في الأموال:

1.المسرفون في أموال اليتامى.

فالإسراف في أموال اليتامى من أقبح صور الإسراف؛ لأنها من خيانة الأمانة، التي أذن الله لهم في الأكل والأخذ منها.

قال الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا} [النساء: 6] .

فالمسرفون في أموال اليتامى هم الذين يأكلون أموال اليتامى متجاوزين الحد الذي أحله الله لهم يقول الله: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6] .

وظاهر هذه الآية يدل على أنه تقسيمٌ لحال الوصي على اليتيم، فأمره تعالى بالاستعفاف عن ماله إن كان غنيًا، واقتناعه بما رزقه الله تعالى من الغنى، وأباح له الأكل بالمعروف من مال اليتيم إن كان فقيرًا، بحيث يأخذ قوتًا محتاطًا في تقديره.

فقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} ، أي: مسرفين ومبادرين كبرهم، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها، وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا. والجملة تأكيدٌ للأمر بالدفع وتقريرٌ لها، وتمهيدٌ لما بعدها من قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} فمن كان من الأولياء والأوصياء غنيًا فليتنزه عن أكلها، وليقنع بما آتاه الله تعالى من الغنى والرزق إشفاقًا على اليتيم، وإبقاءً على ماله، {وَمَنْ كَانَ} من الأولياء والأوصياء {فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} بقدر حاجته الضرورية، وأجرة سعيه وخدمته. وقد نص الفقهاء على أن من ولي مال اليتيم واستحق أجرًا، فله الأقل من أحد أمرين: إما نفقته في نفسه، وإما أجرته على عمله، أي: إن كان العمل يستحق أجرة ألف ريالٍ، ونفقته يكفي لها خمسمائةٍ أخذ نفقته فقط، وإن كان العمل يكفيه أجرة مائة ريالٍ، ونفقته خمسمائةٍ أخذ أجرته مائةً فقط؛ حفظًا لماله» 30.

فإذا أكل الغني و تجاوز الحد فهو مسرف في فعله هذا، إذا أكل الفقير بغير المعروف فقد تجاوز الحد فهو مسرف أيضًا.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن الإسراف في الأمانات لا يختص بأموال اليتامى، بل من باب أولى أن يدخل فيه القائمون على أموال المسلمين؛ فإنهم بمثابة الأولياء على اليتامى في حفظ الأموال العامة، لكننا نجد اليوم أن أكثرهم مسرفون إلا من رحم الله.

وفي هذا التنبيه يقول العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله: «فإذا جرى لنا نحن المسلمين بعد هذه الوصايا، والحكم حتى صرنا أشد الأمم إسرافًا، وتبذيرًا، وإضاعةً للأموال، وجهلًا بطرق الاقتصاد فيها، وتثميرها، وإقامة مصالح الأمة بها في هذا الزمن الذي لم يسبق له نظيرٌ في أزمنة التاريخ من حيث توقف قيام مصالح الأمم، ومرافقها، وعظمة شأنها على المال، حتى إن الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد، التي ليس في أيديها مالٌ كثيرٌ قد صارت مستذلةً، ومستعبدةً للأمم الغنية بالبراعة في الكسب، والإحسان في الاقتصاد» 31.

2.المسرفون في النفقات.

الإسراف من أهم عوامل الفساد في الأرض، فبه يقع التبديد والتبذير للأموال في غير محلها، وفي غير حقها، وهو يعد من أحد صور عدم شكر نعمة الله تعالى على العباد، وأضف إلى ذلك ما يتسببه الإسراف من قسوة وفساد للقلب؛ فمن أجل ذلك قد نهى القرآن عن الإسراف، وقد ورد النهى في القرآن عن الإسراف عمومًا، وعن الإسراف في النفقة خصوصًا.

ومع أن الله تعالى قد أخرج الله لعباده الطيبات من الرزق وأباح لهم سبحانه أن يتمتعوا بها، وقد أنكر القرآن الكريم على من يحرم الانتفاع بالمباحات زهدًا وترفعًا، فهذا خطأ، فإن الطيبات من الرزق حلال للناس جميعًا في الدنيا، وخالصة خاصة للمؤمنين يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة على الكافرين، ولكن أمرهم سبحانه وتعالى أن يأكلوا منها غير مسرفين، وبين سبحانه وتعالى أنه لا يحب المسرفين.

قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] .

ففي هذه الآيه قد وجه القرآن الكريم إلى قاعدة أساسية في الطب وتناول المباحات النافعة، وهي: الأكل والشرب من غير إسراف ولا تقتير.

قال ابن عباسٍ: «أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفًا أو مخيلةً» 32. فالإسراف مذموم لتجاوزه حدود الحاجة والاعتدال، والتقتير مذموم؛ لأنه بخل وشح، وكفى بالبخل داء، والمطلوب هو الاعتدال في المأكل والمشرب من غير تجاوز الحلال إلى الحرام، ولا الحاجة إلى التخمة، ولا التقصير في الإنفاق لأنه مضرة وبخل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت