فهرس الكتاب

الصفحة 1924 من 2431

«يعني: بريء من معبودكم، إلا الذي خلقني، فإني لا أتبرأ منه، {فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} يعني: يثبتني على دين الإسلام» 141.

«قال ذلك ثقة بالله وتنبيهًا لقومه أن الهداية من ربه» 142.

«لكن الذي فطرني هو معبودي الهادي المنجي من العذاب، وفي هذا استدعاءٌ لهم، وترغيبٌ في طاعة الله، وتطميع في رحمته» 143.

فصاحب العقل السليم والفطرة السليمة، يمنع نفسه من ارتكاب المعاصي والوقوع في المحرمات، وذلك لأن العقل معناه: الكف والحبس، فهو يحبس صاحبه ويكفه عن كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى.

رابعًا: البعد عن التقليد المذموم:

أرسل الله تعالى الرسل لهداية الناس والأخذ بأيديهم من الظلمات إلى النور وهداية قلوبهم بنور الإيمان، بعد ما كانت مظلمة بظلمة الكفر، واتباعهم لتقاليد الآباء الكفرية والشركية التي هي بعيدة كل البعد عن شريعة الإسلام، ولكن بعضهم رفضوا الانقياد لمنهج الله القويم، فكان عقابهم جهنم وبئس المصير، فخسروا الدنيا والآخرة، وشبههم الله تعالى بالأنعام بل هم أضل سبيلًا؛ لتعطيلهم عقولهم عن الفهم والإدراك، وصمهم لآذانهم، وطمس أبصارهم عن نور الهداية والإيمان.

إن البشرية قد بلغت رشدها فأصبحت تقاد بالعقل وحده، ولم يعد ينفع معها مجرد الخوارق والقوارع الملجئة أو شبه الملجئة، فجاء الإسلام دينًا منطقيًّا، رفع من قيمة العقل،، ثم هو بعد ذلك يذم التقليد وينعي على المقلدين لآبائهم وأحبارهم ورهبانهم 144.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) } [البقرة: 170 - 171] .

« {لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} يعني لا يعلمون شيئا من أمر الدين، لفظه عام ومعناه خاص، وذلك أنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا {وَلَا يَهْتَدُونَ} أي: إلى الصواب» 145.

فقال الضحاك عن ابن عباس: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} يعني: كفار قريش من بني عبد الدار، قالوا: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} من عبادة الأصنام. فقال الله: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا} من التوحيد ومعرفه الرحمن {وَلَا يَهْتَدُونَ} للحجة البالغة لا يعقلون شيئًا من أمر الدين ولا يهتدون، معنى الآية في أحد الأقوال: ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله عز وجل وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم، التي لا تفقه من الأمر والنهي غير الصوت، فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكره، الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء فهم لا يعقلون 146.

«يقول تعالى ذكره لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمركم به ربكم، وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون حقًّا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما يتبع المتبع ذا المعرفة بالشيء المستعمل له في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه -فيما هو به جاهل- إلا من لا عقل له ولا تمييز» 147.

«معناه أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالًا فيتابعوهم بغير حجة؟ فكأنه نهاهم عن التقليد وأمرهم بالتمسك بالحجة» 148.

«وفي هذا دلالة على ذم التقليد، وهو قبول الشيء بلا دليل ولا حجة. وحكى ابن عطية أن الإجماع منعقد على إبطاله في العقائد. وفي الآية دليل على أن ما كان عليه آباؤهم هو مخالف لما أنزل الله، فاتباع أبنائهم لآبائهم تقليد في ضلال. وفي هذا دليل على أن دين الله هو اتباع ما أنزل الله، لأنهم لم يؤمروا إلا به» 149.

وهكذا نجد كيف أن الله تعالى ذم المقلدين للآباء أو الرؤساء الجهال، والمعرضين عن اتباع منهج الله تعالى وتعاليمه.

قال تعالى: {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) } [الزخرف: 21 - 23] .

«وفي هذا دليل على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم» 150.

«أي: لم يأتوا بحجة عقلية أو نقلية بل اعترفوا بأن لا سند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم» 151.

«وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة، أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نَيِّر، ولا حجة واضحة، بل بمجرد قال وقيل لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة، قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل: إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون» 152.

«أي: لم يأتوا بحجة عقلية، أو نقلية، بل اعترفوا بتقليد آبائهم الجهلة، وقالوا: إنا وجدنا آباءنا على حالة عظيمة تقصد، وإنا مهتدون على أعمالهم، وكذلك، أي: والأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة وتمسكهم بالتقليد» 153.

«وهذا الاحتجاج من هؤلاء المشركين الضالين، بتقليدهم لآبائهم الضالين، ليس المقصود به اتباع الحق والهدى، وإنما هو تعصب محض، يراد به نصرة ما معهم من الباطل» 154.

«هذا الكلام مسوقًا مساق الذم لهم إذ لم يقارنوا بين ما جاءهم به الرسول وبين ما تلقوه من آبائهم، فإن شأن العاقل أن يميز ما يلقى إليه من الاختلاف ويعرضه على معيار الحق» 155.

«ليست لهم حجة عقلية ولا حجة نقلية تبرر لهم أفعالهم، وإنما السبب الحقيقي أنهم يقلدون آباءهم تقليد الأعمى مع التعصب الشديد ولو كانوا على باطل» 156.

«وهذا دليل على إبطال التقليد في العقائد والأصول، لأن الله ذمهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم» 157.

«قال سبحانه عن أهل النار: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) } [الملك: 10] .

فقد كانت لديهم عقول وأسماع لزمتهم بها الحجة عند الله تعالى» 158.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) } [لقمان: 21] .

«بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعوهم إلى كلام الله، وهم يأخذون بكلام آبائهم، وبين كلام الله وكلام العلماء بون عظيم، فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهال؟!» 159.

« {قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الشرائع المطهرة، لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين فيما اعتقدوه من دين. وهذا في غاية القبح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى كلام الله الهادي إلى الحق والخير، وهم يأخذون بكلام آبائهم. وهذا منع صريح من التقليد في أصول العقيدة، لذا وبخهم الله على سوء مقالتهم» 160.

«فهذا هو سندهم الوحيد، وهذا هو دليلهم العجيب! التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير. التقليد الذي يريد الإسلام أن يحررهم منه، وأن يطلق عقولهم لتتدبر ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور، فيأبوا هم الانطلاق من إسار الماضي المنحرف، ويتمسكوا بالأغلال والقيود.

إن الإسلام حرية في الضمير، وحركة في الشعور، وتَطَلُّعٌ إلى النور، ومنهج جديد للحياة، طليق من إسار التقليد والجمود. ومع ذلك كان يأباه ذلك الفريق من الناس، ويدفعون عن أرواحهم هداه، ويجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير» 161.

وإذا دعوا إلى اتباع وحي الله رجعوا إلى التقليد المحض بغير حجة فسلكوا طريق الآباء، فكان القائل منهم يقول: هم يتبعون دين آبائهم ولو كان مصيرهم إلى السعير 162.

خامسًا: إدراك الحكمة من الأحكام الشرعية:

لقد مَنَّ الله علينا بنعمة العقل، لنهتدي به خلال رحلة الحياة، فعن طريقه نعبد الله تعالى على بصيرة، حيث نتدبر الأحكام الشرعية، نتعلمها ونفهمها ونتفقه ما بها من أوامر ونواهٍ، فبإدراكنا الحكمة يزداد اليقين، ويقوى الإيمان، وتتسع مدارك العقول كلما استنار الإنسان بعلم الله تعالى وهدايته لنا.

«إن الآيات التشريعية التي تبين فضل الله على الناس في تشريع الأحكام لهم كثيرة تكفل القسم المدني من القرآن بها، وجاءت وفق مبادئ الإسلام العظيم في التيسير ورفع الحرج وغيرها، مما ميز طبيعة التشريع الإسلامي عن غيره، وهنا فنحن أمام مجموعة من الآيات المتحدثة عن حكمة تحريم الخمر والميسر، وعن مشروعية النفقة والصدقة، وعن أهمية سنة الزواج، وهي أمور قليلة إن قورنت بمجموع ما تحدث عنه القرآن في مسائل التشريع، لكن طلب التفكير فيها ربما لأمور خفية قد لا تدرك بمجرد العقل أو السمع، فلا بد من إعمال الفكر فيها» 163.

«القرآن العظيم جاء بهدايات كاملة تامة، تفي بحاجات جميع البشر في كل زمان ومكان؛ لأن الذي أنزله هو العليم بكل شيءٍ، خالق البشرية والخبير بما يصلحها ويفسدها، وما ينفعها ويضرها، فإذا شرع أمرًا جاء في أعلى درجات الحكمة والخبرة، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) } [الملك: 14] .

ويزداد الوضوح عند التأمل في أحوال الأنظمة والقوانين البشرية التي يظهر عجزها عن معالجة المشكلات البشرية، ومسايرة الأوضاع والأزمنة والأحوال، مما يضطر أصحابها إلى الاستمرار في التعديل والزيادة والنقص، فيلغون غدًا ما وضعوه اليوم؛ لأن الإنسان محل النقص والخطأ، والجهل لأعماق النفس البشرية، والجهل بما يحدث غدًا في أوضاع الإنسان وأحواله وفيما يصلح البشرية في كل عصر ومصر» 164.

قال تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) } [البقرة: 242] .

«أي: لكي تعقلوا ما بينت لكم من الفرائض والأحكام وما فيه صلاحكم وصلاح دينكم» 165.

«ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة المشتملة على الحكمة والرحمة امتن بها على عباده فقال: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) } ، أي: حدوده، وحلاله وحرامه والأحكام النافعة لكم، لعلكم تعقلونها فتعرفونها وتعرفون المقصود منها، فإن من عرف ذلك أوجب له العمل بها» 166.

«فكذلك أبين لكم سائر الأحكام في آياتي التي أنزلتها على نبيي محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب، لتعقلوا- أيها المؤمنون بي وبرسولي- حدودي، فتفهموا اللازم لكم من فرائضي، وتعرفوا بذلك ما فيه صلاح دينكم ودنياكم، وعاجلكم وآجلكم، فتعملوا به ليصلح ذات بينكم، وتنالوا به الجزيل من ثوابي في معادكم» 167.

«وعد بأنه سيبين لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون إليه معاشًا ومعادًا. لعلكم تفهمونها فتستعملون العقل فيها» 168.

«أي: مثل هذا التبيين الذي سبق من الأحكام، يبين لكم في المستقبل ما بقي من الأحكام التي يكلفها العباد. لعلكم تعقلون ما يراد منكم من التزام الشرائع والوقوف عندها، لأن التبيين للأشياء مما يتضح للعقل بأول إدراك، بخلاف الأشياء المغيبات والمجملات، فإن العقل يرتبك فيها، ولا يكاد يحصل منها على طائل» 169.

قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) } [الأنعام: 151] .

«أي: لكي تعقلوا فوائد هذه التكاليف في الدين والدنيا» 170.

«أي: ليعدكم لأن تعقلوا الخير والمصلحة في فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه» 171.

«أي: وصاكم الله بذلك لما فيه من إعدادكم، وباعث الرجاء في أنفسكم لأن تعقلوا ما فيه الخير والمنفعة في ترك ما نهى عنه وفعل ما أمر به، فإن ذلك مما تدركه العقول الصحيحة بأدنى تأمل، وفيه دليل على الحسن الذاتي وإدراك العقول له بنظرها، وإذا هي عقلت ذلك كان عاقلا لها ومانعا من المخالفة. وفيه تعريض بأن ما هم عليه من الشرك وتحريم السوائب وغيرها، مما لا تعقل له فائدة، ولا تظهر للأنظار الصحيحة فيه مصلحة» 172.

قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) } [النور: 61] .

«فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعًا يليق بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام، جعل ذلك الشرع يطابق العقل السوي، والنور الضوي، والمنهل الروي، والسبب القوي، من تمسك به هدي ولم يزغ، حد فيه سبحانه حدودًا، وأقام فيه زواجر، لتظهر حكمته، ويتضح علمه وقدرته، فصارت شرائع متفقة الأصول، مختلفة الفروع، بحسب الأزمنة، إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار، وامتحانًا للعباد، تمييزًا لأهل الصلاح منهم من أهل الفساد» 173.

«أي: ما في تضاعيفها من الشرائع والأحكام، وتعملون بموجبها، وتحوزون بذلك سعادة الدارين» 174.

«تعليل لذلك التبيين برجاء تعقل آيات الله سبحانه وفهم معانيها» 175.

« {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ} الدالات على أحكامه الشرعية وحكمها، {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} عنه فتفهمونها، وتعقلونها بقلوبكم، ولتكونوا من أهل العقول والألباب الرزينة، فإن معرفة أحكامه الشرعية على وجهها، يزيد في العقل، وينمو به اللب، لكون معانيها أجل المعاني، وآدابها أجل الآداب، ولأن الجزاء من جنس العمل، فكما استعمل عقله للعقل عن ربه، وللتفكر في آياته التي دعاه إليها، زاده من ذلك» 176.

«وكذلك يبين الله للناس آياته وحكمه لعلهم يدركون المنهج الإلهي، ولعلهم يعقلون ما في هذه الآيات والحجج» 177.

نجد أنه من الحكمة التدبر في الآيات والأحكام الشرعية، ونوقن بأن الله تعالى حد الحدود ووضع القيود، والفرائض والسنن لحكمة، بعضها أعلمنا بها، وبعضها أخفى سرها ولا يعلمها إلا هو سبحانه لغاية يريدها هو.

سادسًا: عدم اتباع الشيطان:

العاقل من ائتمر بأوامر الله عز وجل، حيث نهانا عن اتباع الشيطان؛ لأنه عدو لنا، ولا يريد لنا إلا الغواية والضلالة، لذا علينا أن نكون دائمًا يقظين، وعقولنا وقلوبنا متنبهة؛ لئلا يوقعنا في شركه، ونحن في غفلة فنخسر دنيانا وأخرانا، نسأل الله السلامة.

قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) } [يس: 60 - 62] .

«أي: لا تطيعوا الشيطان في معصية الله» 178.

«قد رأيتم آثار الهالكين قبلكم بطاعة الشيطان، أفلم تعقلوا ذلك؟!» 179.

«قوله عز وجل: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ} أي: ألم آمركم وأوصيكم يا بني آدم {أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} يعني: لا تطيعوه فيما يوسوس ويزين لكم من معصية الله {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} أي: ظاهر العداوة، {وَأَنِ اعْبُدُونِي} أي: أطيعوني ووحدوني {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} أي: لا صراط أقوم منه قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا} أي: خلقًا كثيرًا {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} يعني: ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس» 180.

هذا تقريع من الله للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم؛ واتبعتم الشيطان فيما أمركم به، أفما كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عبادته وحده لا شريك له، وعدولكم إلى اتباع الشيطان؟! 181.

ألم أوصكم يا بني آدم أن لا تطيعوا الشيطان فيما يوسوس به إليكم من المعاصي، لأنه لكم عدو مبين واضح العداوة، ولقد أضل الشيطان منكم يا بني آدم أممًا كثيرة، أكنتم تشاهدون آثار عقوباتهم {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} أنها لضلالهم، أو أفلم تكونوا تعقلون شيئًا أصلًا، فلذلك كفرتم ككفرهم واستحققتم العذاب مثلهم 182.

«رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته ووضوح إضلاله لمن له أدنى عقل ورأي» 183.

«فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو تولية، فإن لم يقدر يأمره بعبادة الله لأمر غير الله من رئاسة وجاه وغيرهما فهو صد، وهو يفضي إلى التولية؛ لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل التولية» 184.

« {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} عداوة الشيطان لكم» 185.

« {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} أيها المشركون، إذ أطعتم الشيطان في عبادة غير الله، أنه لا ينبغي لكم أن تطيعوا عدوكم وعدو الله، وتعبدوا غير الله» 186.

« {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} استفهام تقريع على تركهم الانتفاع بالعقل» 187.

« {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} عداوته وتعلموا أن الواجب طاعة الله» 188.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) } [البقرة: 168 - 169] .

فهذا نهي عن اتباع وحي الباطل والشر، لأنه من إغواء الشيطان، ثم بين كيفية عداوته وفنون شره وإفساده فقال: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ} أي: إنما يوسوس الشيطان ويتسلط عليكم، كأنه آمر مطاع بأن تفعلوا ما يسوؤكم في دنياكم وآخرتكم، وأن تجترحوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب قد ضلوا ضلالًا بعيدًا واتبعوا أمر الشيطان، ومثلهم من اتخذ رأي الرؤساء حجة في الدين من غير أن يكون بيانًا أو تبليغًا لما جاء عن الله، فهؤلاء قد أعرضوا عن سنن الله، وأهملوا نعمة العقل، واتخذوا من دون الله الأنداد، قال تعالى: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت