{وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} يعني: عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه أما قوله تعالى: {إِلَّا امْرَأَتَكَ} فيحتمل أن يكون مستثنى من قوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} ، كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها. ويحتمل أن يكون من قوله: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} 125. فلما خرج لوط عليه السلام وخلصوا من بلادهم مع شروق الشمس {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} [هود:82] .
وهكذا كتب الله تعالى لنبيه لوط عليه السلام وأهله الخلاص وطهرهم منهم قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} [النمل:57] .
فأخرجهم منها أحسن إخراج وتركهم في محلتهم خالدين وخصهم في القرآن الكريم بتكرار ذكر نجاتهم سبع مرات ليؤكد خلاصهم من تلك القرية وفواحشها وما ترتب عليها من عقوبة وهلاك خارق ليس له نظير منذ بدء الخليقة.
أرسل شعيب بن ميكيل في قبيلة مدين التي استوطنت مدينة مدين وهي قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبًا من بحيرة قوم لوط عليه السلام، كان أهلها قومًا عربًا سكنوا بعد قوم لوط عليه السلام بمدة قريبة. وعن وهب ابن منبه أنه قال: شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما بنتي لوط عليه السلام، وكان بعض السلف يسمي شعيبًا خطيب الأنبياء يعني: لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته.
وكان أهل مدين كفارًا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الأيكة، وكانوا من أسوء الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيها، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص، فبعث الله فيهم رجلًا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن إتيان كل ما هو قبيح من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم.
قال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} [الأعراف:85] .
أي: دلالة وحجة واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلًا وان كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالًا {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف:85] .
فأمرهم بالعدل ونهاهم عن التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وتوعدهم بالعذاب على خلاف ذلك فما كان جوابهم إلا أنهم استهزؤوا بصلاته فرد عنادهم ذاك بالدعوة إلى الإصلاح مرة وبالترهيب مرة أخرى والتذكير بمصير أسلافهم من الأقوام التي هلكت بصدها عن سبيل الله، فتجاهلوا دعوته واستضعفوه {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود:91] .
وهذا من بليغ كفرهم أنهم لا يخافون الله بقدر ما يخافون قبيلته، فتوعدهم بعذاب الله وتوعدوه بأن يخرجوه والذين آمنوا معه أو يعودون في ملتهم، فأجابهم شعيب عليه السلام بلسان حاله ومن آمن به: {قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا} [الأعراف:88 - 89] .
يذكر لهم فضل الله عليه في الإيمان والنجاة من فسادهم ونهجهم الظالم، والنجاة هنا كانت من الله لأنه هو من يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ثم استفتح على قومه واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89] .
فاستجاب له ربه وأنزل فيهم ألوان العذاب فقال تعالى في عذاب الرجفة: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف:91] .
أي: رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالًا شديدًا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها، وقال في عذاب الصيحة: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود:94] .
وقال في عذاب يوم الظلة: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:189] .
ردًا على طلبهم أن يسقط شعيب عليهم كسفًا من السماء. فقد أصابهم حر شديد فهربوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بها فلما تكاملوا أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود:94] .
والنجاة هنا كانت بفعل رحمة الله تعالى التي حلت بهم في مقابل نقمته على القوم الظالمين.
وهكذا كانت سير الصالحين من عباد الله من أنبيائه ومن آمن معهم من أهلهم وأقوامهم الذين آلوا على أنفسهم أن لا يغادروا طاعة الله ولا يركنوا إلى الذين كفروا وصدوا عن سبيله مهما أوذوا في جنب الله ومهما استضعفتهم قوى الظلم والضلالة، فما كان الله تعالى ليضيع إيمانهم وهم يرجون رحمته ويرقبون نصره، بل خصهم بعنايته فكف أيديهم عنهم ووقاهم برحمته عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ذلك بأنهم آمنوا بربهم وصدقوه عهدهم واتقوه حق تقاته فلم يهنوا ولم يرتابوا فاستحقوا النجاة في الدنيا والآخرة.
لقد ساقت لنا آيات الله البينات تلك المواقف الخالدة في تاريخ البشرية لنتعرف على منهاج الصالحين الذين اختاروا طريق الله تعالى واستمسكوا بهديه فلم يرعبهم ظلم العباد ولم تضلهم فتنة الظالمين، ولتقتدي سيرنا بسيرهم فينقطع رجاؤنا إلى الله وحده فنصدقه العهد ونرخص له الأرواح والمهج في سبيل إعلاء كلمته ونصرة دينه، فلعلنا نبلغ رضاه ونفوز برحمته التي نجى بها عباده الصالحين.
موضوعات ذات صلة:
الحذر، الخسران، العذاب، الفلاح، الهداية، النار، النصر
1 العين، الفراهيدي 6/ 186.
2 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 51، الجواهر الحسان، الثعالبي 3/ 265.
3 جمهرة اللغة، ابن دريد 1/ 497.
4 مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 397.
5 الكليات، الكفوي ص 201.
6 زاد المسير 5/ 179.
7 نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 582.
8 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص 1307 - 1309.
9 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 438.
10 لسان العرب، 5/ 3454.
11 معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي ص 81.
12 تاج العروس، الزبيدي 9/ 490.
13 لسان العرب 6/ 4518.
14 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 503.
15 تاج العروس 17/ 563.
16 الفروق اللغوية، العسكري ص 532.
17 لسان العرب 3/ 2077.
18 نزهة الأعين النواظر ص 582.
19 المفردات ص 239.
20 السلام مع الأعداء في ضوء الشريعة الإسلامية، خالد الشراري، مجلة البحوث الإسلامية: ع 89، 1434 هـ، ص 314.
21 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 459.
22 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 647.
23 الفروق اللغوية ص 532.
24 انظر: المصدر السابق.
25 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/ 384.
26 فتح القدير، الشوكاني 2/ 477.
27 التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم ص 47.
28 فتح القدير 4/ 511.
29 انظر: برنامج لمسات بيانية، الحلقة 227، د. فاضل السامرائي.
30 التحرير والتنوير 24/ 263.
وانظر: الكشاف، الزمخشري 1/ 179.
31 التحرير والتنوير 24/ 264.
32 المصدر السابق 19/ 287.
33 انظر: جامع البيان 22/ 66.
34 جامع البيان 12/ 180 - 181.
35 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 114.
36 التحرير والتنوير 9/ 152.
37 تفسير مجاهد 2/ 671.
38 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 18/ 77.
39 المصدر السابق.
40 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/ 370.
41 المصدر السابق.
42 فتح القدير 2/ 466.
43 انظر: جامع البيان 28/ 218.
44 انظر: فتح القدير 5/ 256.
45 فتح القدير 5/ 256.
46 انظر: المصدر السابق.
47 المفردات 292.
48 انظر: جامع البيان 17/ 100 - 107، زاد المسير 5/ 265، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 333، الدر المنثور 4/ 334، فتح القدير 3/ 421.
49 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 333.
50 انظر: زاد المسير 5/ 265.
51 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 334.
52 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 202.
53 الجواهر الحسان، الثعالبي 4/ 99.
54 انظر: جامع البيان 16/ 205، فتح القدير 3/ 365.
55 تفسير مجاهد 1/ 396.
56 زاد المسير 5/ 198.
57 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 198.
58 فتح القدير 3/ 365.
59 مقاييس اللغة 5/ 164.
60 المفردات ص 553.
61 فتح الباري، ابن حجر 11/ 122.
62 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 194.
63 ينظر جامع البيان 17/ 66، 23/ 79.
64 انظر: جامع البيان 23/ 107، زاد المسير 6/ 307، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 15/ 114.
65 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 21.
66 انظر: جامع البيان 7/ 294.
67 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 8.
68 انظر: مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام يوسف القرضاوي ص 14.
69 المصدر السابق ص 19.
70 زاد المسير 8/ 40.
71 الكشاف 3/ 241.
72 تهذيب الكمال، المزي 29/ 291، والقول للإمام ميمون بن مهران.
73 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/ 259 - 260.
74 مفاتيح الغيب، الرازي 24/ 237.
75 إصلاح الوجوه والنظائر ص 292 - 293.
وانظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي 407 - 409.
76 مفاتيح الغيب، الرازي 17/ 70.
77 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 13/ 363.
78 مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 163.
79 انظر: المصدر السابق 13/ 23.
80 انظر: إصلاح الوجوه والنظائر ص 319.
81 الروح، ابن قيم الجوزية ص 80.
82 المصدر السابق ص 81.
83 التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، ص 413.
84 الروح ص 110.
85 المصدر السابق 107 - 108.
86 جامع البيان 27/ 49.
87 المصدر السابق 16/ 282.
88 انظر: الروح، ابن القيم ص 111.
89 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 362.
90 التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص 424.
91 جامع البيان 17/ 130 - 131.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 208، الدر المنثور 4/ 339.
92 زاد المسير 5/ 272.
93 انظر: تحفة الأحوذي، المباركفوري 5/ 247.
94 الجواهر الحسان، الثعالبي 4/ 103.
95 انظر: فتح القدير 3/ 429.
96 جامع البيان 16/ 74.
97 الدر المنثور 5/ 308.
98 تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص 513.
وانظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص 250.
99 لوامع الأنوار البهية 2/ 171.
100 فتح القدير 4/ 438.
101 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، 4/ 198، رقم 6536.
102 انظر: لوامع الأنوار البهية 2/ 172.
103 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 310.
104 لوامع الأنوار البهية 2/ 189.
105 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة) ، 4/ 392، رقم 7439.
106 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤيا، رقم 299.
107 كيف تنجو من كرب الصراط، محمد النعيم ص 4.
108 انظر: المصدر السابق.
109 يوم القيامة ومشاهده في الكتاب والسنة، دوخي الحارثي، ص 311.
110 المصدر السابق ص 219.
111 التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، ابن رجب الحنبلي ص 7 - 8.
112 انظر: التذكرة بأحوال الموتى والأمم الغابرة، ص 760.
113 جامع البيان 16/ 141.
114 انظر: انظر: جامع البيان، الطبري 20/ 171، البداية والنهاية، ابن كثير 1/ 161.
115 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 152.
وانظر: البداية والنهاية، ابن كثير 1/ 232.
116 انظر: زاد المسير 4/ 159.
117 انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير 1/ 320.
118 انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 1/ 232.
119 انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 2/ 108، قصص الأنبياء، ابن كثير 2/ 367.
120 انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 1/ 302 - 305، الدر المنثور، السيوطي 5/ 123.
121 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 193.
122 انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 1/ 138 - 149، قصص الأنبياء، ابن كثير 1/ 120.
123 انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 1/ 150 - 160، زاد المسير، ابن الجوزي 4/ 100.
124 جامع البيان، الطبري 12/ 84.
125 انظر: البداية والنهاية، ابن كثير 1/ 203 - 210.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 9/ 62.