وقال ابن عاشور في هذه الآية: «أي: ولكن شاء مشيئة أخرى جرت على وفق حكمته، وهي أن خلقهم قابلين للهدى والضلال بتصاريف عقولهم وأميالهم، ومكنهم من كسب أفعالهم وأوضح لهم طريق الخير وطريق الشر بالتكليف، فكان منهم المهتدون وهم الذين شاء الله إدخالهم في رحمته، ومنهم الظالمون الذين {مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} ...
وهذا مسوق؛ لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على تمنيهم أن يكون الناس كلهم مهتدين، ويكون جميعهم في الجنة» 47.
وقد جاء في الحديث ما يؤكد على هذا الاختلاف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) 48.
قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213]
قال الرازي في قوله تعالى: « {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ} أي: وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب.
وقال أكثر المفسرين: المراد بهؤلاء: اليهود والنصارى، والله تعالى كثيرًا ما يذكرهم في القرآن» 49.
والمراد بالاختلاف الذي بعث الله النبيين؛ ليحكموا فيه بين الناس: هو الاختلاف في الآراء والنحل والأديان والمعتقدات المتعلقة بما يسعد الإنسان به أو يشقى في الآخرة والدنيا، والاختلاف الواقع بينهم على أوجه منها:
الاختلاف في أصل النحلة، وهو قول جماعة من المفسرين 50.
قال عطاء في قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 118] ، «اليهود والنصارى والمجوس، والحنيفية، وهم الذين رحم ربك» 51.
وأصل هذا الاختلاف هو في التوحيد والتوجه للواحد الحق سبحانه، فإن الناس في عامة الأمر لم يختلفوا في أن لهم مدبرًا يدبرهم وخالقًا أوجدهم، إلا أنهم اختلفوا في تعيينه على آراء مختلفة، من قائل بالاثنين وبالخمسة، وبالطبيعة أو الدهر، أو بالكواكب، إلى أن قالوا: بالآدميين والشجر والحجارة وما ينحتون بأيديهم، ومنهم من أقر بواجب الوجود الحق لكن على آراء مختلفة أيضًا، إلى أن بعث الله الأنبياء مبينين لأممهم حق ما اختلفوا فيه من باطله، فعرفوا بالحق على ما ينبغي، ونزهوا رب الأرباب عما لا يليق بجلاله من نسبة الشركاء والأنداد، وإضافة الصاحبة والأولاد، فأقر بذلك من أقر به، وهم الداخلون تحت مقتضى قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [هود: 119] 52.
وفي وقوله تعالى: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 213] .
قال زيد بن أسلم: «اختلفوا في يوم الجمعة؛ فاتخذ اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى الشرق واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام فمنهم من يصوم النهار، ومنهم من يصوم من بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًا.
وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد، للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك» 53.