فهرس الكتاب

الصفحة 1462 من 2431

ولا شك، فإن تكرار شرب الدماء لمن اعتاد عليها، وهي مشبعة بهذا الغاز القاتل، مؤدٍ إلى أضرار صحية بالغة الخطورة قد تودي بحياة الإنسان.

وتتميمًا للفائدة أقول: من رحمة الله بعباده أن الله أحل تناول الأطعمة والأشربة المحرمة عند الضرورة؛ لأن التحريم كان بسبب المفاسد الناتجة من ذلك، والمعارضة لحفظ الضروريات الخمس، فالخمر يحل شربها دفعًا لهلاك النفس؛ لأن حفظ النفس ضروري، فكان لابد من تحصيله بإباحة المحرم، وإذا أباحه الله للضرورة فذلك بشرطين: غير باغ، أي: غير طالب للمحرم، مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، ولا عادٍ، أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له، اضطرارًا، وذلك ما ورد في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ) [البقرة: 173] .

والآيات السابقة تتضح فيها رحمة الله بعباده؛ حيث نهاهم عما فيه مضرتهم في أبدانهم وعقولهم، حيث لم يحرم عليهم الخمر والدم إلا وفي هذا التحريم مصلحة لهم، وحفظ لأبدانهم وعقولهم.

فائدة مهمة:

كما ورد تقييد الدم بالمسفوح في القرآن، فقد ورد تقييده في السنة أيضًا، فأحل النبي صلى الله عليه وسلم من الدم الكبد والطحال، كما ورد في حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) 82.

أقام الله الدنيا على الابتلاء، كما قال: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الملك: 2] .

والله له أن يبتلي عباده بما يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك، والابتلاء يكون بالخير والشر كما قال: (? ? ? ? ?) [الأنبياء: 35] .

فالابتلاء يكون بالنعم أيضًا، وقد ابتلى الله بعض عباده ببعض النعم، ومن هذه النعم التي ابتلى الله بها بعض عباده نعمة الماء وشربه، وقد قص القرآن ذلك علينا من قصة بني إسرائيل، وقصة ثمود.

أولًا: بنو إسرائيل:

ورد ابتلاء بني إسرائيل بنعمة الماء وشربه في قوله: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ? ? ? ?) [البقرة: 249] .

والآيات قبل ذلك تحكي قصة الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام إذ طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكًا يقاتلون معه في سبيل الله، فأخبرهم نبيهم أنه قد يفرض عليهم القتال ولا يمتثلون، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلًا منهم، وأخبرهم نبيهم أن الله قد اختار طالوت ملكًا عليهم، وأقام لهم الأدلة -بعد جدالهم- العقلية والمادية على أحقية طالوت في الملك عليهم، وبعد أن قامت الأدلة أيقنوا بذلك، فخرج طالوت بجنوده لملاقاة العدو ويتجلى لنا مصداق حكمة الله في اصطفاء هذا الرجل، إنه مقدم على معركة ومعه جيش من أمة مغلوبة، عرفت الهزيمة والذل في تاريخها مرة بعد مرة، وهو يواجه جيش أمة غالبة فلابد إذن من قوة كامنة في ضمير الجيش تقف به أمام القوة الظاهرة الغالبة، هذه القوة الكامنة لا تكون إلا في الإرادة. الإرادة التي تضبط الشهوات والنزوات، وتصمد للحرمان والمشاق، فتجتاز الابتلاء بعد الابتلاء، فلابد للقائد المختار إذن أن يبلو إرادة جيشه، وصموده وصبره.

واختار هذه التجربة وهم كما تقول الروايات عطاش؛ ليعلم من يصبر معه ممن ينقلب على عقبيه، ويؤثر العافية وصحت فراسته (پ پ پ پ ? ? ? ? ?) فهو عاص ولا يتبعنا لعدم صبره وثباته ولمعصيته (? ? ? ? ?) أي: لم يشرب منه فإنه مني (? ? ٹ ٹ ٹ) فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفي هذا الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان، فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه، (? ? ? ? ?) ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم، وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول وتحصل فيه المشقة الكبيرة، وكان من الخير ومن الحزم أن ينفصلوا عن الجيش الزاحف؛ لأنهم بذرة ضعف وخذلان وهزيمة 83.

وظاهر قول طالوت: (پ پ پ) أن ذلك بوحي إلى النبي وإخبار من النبي لطالوت، ويحتمل أن يكون هذا مما ألهم الله طالوت إليه، فجرب به جنده، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم، وهذه النزعة واجب أن تقع من كل متولي حرب، فليس يحارب إلا بالجند المطيع 84.

وحكمة هذا الابتلاء وجهان:

الأول: كان مشهورًا من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو، يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر؛ لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال: (پ پ پ پ) 85.

الثاني: أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد.

وقوله: (? ? ?) فيه سد للذرائع؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم. ولهذه المبالغات لم يأت الكلام «ومن لم يشرب منه» 86.

وقوله: (? ? ? ? ?) مفهومه أن من طعمه ليس منه؛ ليعلم السامعون أن المغترف غرفة بيده هو كمن لم يشرب منه شيئًا، وأنه ليس دون من لم يشرب في الولاء والقرب 87.

روي عن ابن عباس وقتادة وغيرهما أن القوم شربوا على قدر يقينهم. فشرب الكفار شرب الهيم، وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفًا، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئًا، وأخذ بعضهم الغرفة، فأما من شرب فلم يرو، بل برح به العطش، وأما من ترك الماء فحسنت حاله، وكان أجلد ممن أخذ الغرفة 88.

ثانيًا: قوم ثمود:

أرسل الله صالحًا عليه السلام إلى قومه ثمود، فدعاهم صالح إلى عبادة الله وحده، وأن يطيعوه فيما بلغهم من رسالة ربهم فأبوا وكذبوا، وكانت البشرية جيلًا بعد جيل تطلب خارقة معجزة من الرسول تدل على أنه حقًا مرسل من الله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشعراء: 154] .

وهكذا طلبت ثمود تلك الخارقة، اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم، وهو أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة ناقة عشراء صفتها كذا وكذا، فما كان منه إلا أن أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق: لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح عليه السلام، فصلى، ثم دعا الله عز وجل أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء، على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم، وكفر أكثرهم 89، ووصاهم صالح عليه السلام بأمرين:

الأول: قوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الشعراء: 155] .

أي: لها حظ ونصيب من الماء، ولكم نصيب من الماء، فاقتنعوا بشربكم ولا تزاحموا على شربها 90.

والثاني: قوله: (? ? ? ? ? ? ?) [الشعراء: 156] .

فابتلاهم الله بهذا الابتلاء، وأخبر في سورة القمر عن كيفية ذلك الابتلاء فقال: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?پ پ پ پ) [القمر: 27 - 28] .

وقوله: (? ? ?) التعريف في الماء للعهد، أي ماء: القرية الذي يستقون منه، فإن لكل محلة ينزلها قوم ماء لسقياهم 91.

وأخبر عن الماء بأنه قسمة، والمراد مقسوم، فهو من الإخبار بالمصدر للتأكيد والمبالغة 92.

وضمير (?پ) عائد إلى معلوم من المقام بعد ذكر الماء؛ إذ من المتعارف أن الماء يستقي منه أهل القرية لأنفسهم وماشيتهم، ولما ذكرت الناقة علم أنها لا تستغني عن الشرب، فغلب ضمير العقلاء على ضمير الناقة الواحدة، وإذ لم يكن للناقة مالك خاص أمر الله لها بنوبة في الماء 93.

قال قتادة: إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، وشربهم في اليوم الذي لا تشرب 94.

وقال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم فيشربون، ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون 95. فكانت إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله أول النهار وتسقيهم اللبن آخر النهار، وإذا كان يوم شربهم كان لأنفسهم ومواشيهم وأرضهم، ليس لهم في يوم ورودها أن يشربوا من شربها شيئًا، ولا لها أن تشرب في يومهم من مائهم شيئًا 96. وهذا مبدأ الفتنة، فإن الناقة كانت في يوم شربها تشرب ماء البئر كله، فشحوا بذلك وأضمروا منعها عن الماء، فأبلغهم صالح أن الله ينهاهم عن أن يمسوها بسوء 97.

وقد جعلت القسمة على هذا الوجه لمنع الضرر؛ لأن حيوانات القوم كانت تنفر منها، ولا ترد الماء وهي عليه، فصعب ذلك عليهم 98.

والمحتضر بفتح الضاد، اسم مفعول من الحضور وهو ضد الغيبة. والمعنى: محتضر عنده، فحذف المتعلق لظهوره. وهذا من جملة ما أمر رسولهم بأن ينبئهم به، أي: لا يحضر القوم في يوم شرب الناقة، وهي بإلهام الله لا تحضر في أيام شرب القوم 99.

فمكثت الناقة بين أظهرهم حينًا من الدهر ترد الماء، وتأكل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها، يحتلبون منها ما يكفيهم شربًا وريًا، ولكن ثمود لم يصبروا على الابتلاء، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها، وأهلكهم الله بسبب عنادهم وكفرهم وعصيانهم، كما أخبر القرآن.

بعد تأمل لما ورد في حديث القرآن عن الشرب، نتلمس بعض الأحكام المتعلقة بالشرب، ومنها:

1.عدم التحليل والتحريم بالأهواء.

قال تعالى: (گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 115 - 117] .

فالآية الأولى نصت على بعض المحرمات، ومنها تناول الدم، ثم تبين الآيات أن ذلك حد الحلال والحرام الذي شرعه الله في المطعومات، فلا تخالفوه اتباعًا لأوهام الوثنية، ولا تقولوا للكذب الذي تصفه ألسنتكم وتحكيه: هذا حلال وهذا حرام. فهذا حلال وهذا حرام حين تقولونها بلا نص هي الكذب عينه، الذي تفترونه على الله. فالتحريم والتحليل لا يكونان إلا بأمر من الله، فهما تشريع. والتشريع لله وحده لا لأحد من البشر، وما يدعي أحد لنفسه حق التشريع بدون أمر من الله إلا مفتر، والمفترون على الله لا يفلحون، وليس لهم إلا المتاع القليل في الدنيا، ومن ورائه العذاب الأليم، والخيبة والخسران 100.

وفي وصف ألسنتهم الكذب، مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، حتى لكأن ماهية الكذب كانت مجهولة، فكشفت عنها ألسنتهم ووضحتها، ووصفتها، ونعتتها بالنعوت التي جلتها 101.

والآية وإن كانت واردة في سياق تحريم بعض المطعومات والأشربة، إلا أنها عامة، كما قال ابن كثير: «ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه» 102.

فالآيات فيها بيان أن التحليل والتحريم حق لله، وليس لغيره، والذي يشرع بتحليل أو تحريم من نفسه مدع، ومفتر، وكذاب، وليس له إلا العذاب الأليم؛ جزاء تعديه على حق الله.

2.الشكر.

نعم الله تعالى تترادف على عباده، وقيدها الشكر، وقد أمر الله عباده بالشكر وحضهم عليه في كثير من آيات القرآن، والمراد بالشكر: أن يواظب العبد على شكر ربه، وعلى المداومة على ما يرضيه، وعلى استعمال النعم فيما خلقت له.

ومن النعم التي يجب شكر الله عليها نعمة الشرب والأشربة التي أباحها الله لعباده، وقد ورد الحث على الشكر في غير آية من الآيات التي تحدثت عن نعمة الشرب.

قال تعالى: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الواقعة: 68 - 70] .

وهذه الآيات فيها عدد من النعم، فيها نعمة الماء وإنزاله من السحاب، ونعمة شربه، ونعمه كونه عذبًا فراتًا، لم يجعله الله ملحًا، فبعد أن عدد الله على عباده النعم في هذه الآيات، حثهم على الشكر فقال: (? ?) أي: فهلا شكرتم الله على هذه النعم الجليلة، التي هي ملاك حياتكم وحياة زروعكم، وحيواناتكم؟ وأخلصتم له العبادة والطاعة، ووضعتم نعمه في مواضعها؟ وكل نعمة من النعم المذكورة في الآيات تستحق الشكر بذاتها.

والملاحظ في هذه الآيات أن الله ذكر الشكر في الشرب، ولم يذكره في الطعام في الآيات السابقة في قوله: (? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ) [الواقعة: 63 - 65] .

وحكمة ذلك تتجلى فيما يأتي:

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في امتثال أوامر القرآن، فقد ورد أنه إذا شرب الماء قال: (الحمد لله الذي سقانا عذبًا فراتًا برحمته، ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا) 104.

وفي ذلك تعليم لأمته أن تقتدي به في شكر نعمة الشرب وغيرها.

وقال سبحانه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹٹ ? ?) [يس: 71 - 73] .

فقد ذكر الله عباده في هذه الآيات بعدد من النعم من خلق الأنعام، وتمليكها لهم، وتسخيرها للركوب والأكل، وشرب ألبانها، وغير ذلك من المنافع، ثم حضهم على شكر هذه النعم وغيرها فقال: (? ?) أفلا يشكرون هذه النعم التي توجب العبادة شكرًا، ولو شكرتم لزادكم من فضله، ولو كفرتم لسلبها منكم، فما قولكم؟ أفلا تشكرون استدامة لها واستزادة فيها؟ 105.

وقوله: (? ?) استفهام تعجيبي لتركهم تكرير الشكر على هذه النعم المتعددة 106.

وجيء بالفعل المضارع (?) المفيد للتجديد والاستمرار؛ لأن تلك النعم متتالية متعاقبة في كل حين 107.

يقول سيد قطب: « (? ?) وحين ينظر الإنسان إلى الأمر بهذه العين وفي هذا الضوء الذي يشيعه القرآن الكريم، فإنه يحس لتوه أنه مغمور بفيض من نعم الله، فيض يتمثل في كل شيء حوله، وتصبح كل مرة يركب فيها دابة، أو يأكل قطعة من لحم، أو يشرب جرعة من لبن، أو يتناول قطعة من سمن أو جبن،، لمسة وجدانية تشعر قلبه بوجود الخالق ورحمته ونعمته. ويطرد هذا في كل ما تمس يده من أشياء حوله، وكل ما يستخدمه من حي أو جامد في هذا الكون الكبير. وتعود حياته كلها تسبيحًا لله وحمدًا وعبادة آناء الليل وأطراف النهار، ولكن الناس لا يشكرون» 108.

والآيات السابقة تتجلى هداياتها في بيان أن الشرب نعمة عظمى من نعم الله على خلقه، وأنه يجب مقابلة هذه النعم بالشكر والاعتراف بمنعمها، وتسخيرها في طاعته.

3.عدم الإسراف.

نهى الله عباده عن الإسراف في كل أمور حياتهم، ومما ورد النهي فيه عن الإسراف موضوع الشرب، فقد قال تعالى آمرًا عباده بالأكل والشرب من الطيبات، ناهيًا عن الإسراف: (پ ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 31] .

والإسراف: تجاوز الحد المتعارف في الشيء 109. والإسراف إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي، والشره في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفه في المآكل والمشارب واللباس، وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام 110.

وقد بغض الله تعالى الإسراف للناس ببيان أنه سبحانه لا يحبه ولا يرضاه لعباده فقال تعالى: (? ? ? ?) لأن الإسراف يؤدي إلى إضرار أبدانهم، وحرمان لغيرهم، وضياع لذوي الحاجة في الجماعة الإسلامية، كما قال ابن عباس: ما من مسرف إلا ووراءه حق مضيع. وقد أكد سبحانه وتعالى بغضه للإسراف بنفي المحبة، ومحبة الله مطلب المؤمنين 111.

(پ ? ? ) هذا الأمر المقيد بما عطف عليه من النهي، إرشاد عال أيضًا فيه صلاح للبشر في دينهم ومعاشهم ومعادهم، لا يستغنون عنه في وقت من الأوقات، ولا عصر من الأعصار، وكل ما بلغوه من سعة العلم في الطب وغيره لم يغنهم عنه، بل هو يغني المهتدي به في أمره ونهيه عن معظم وصايا الطب لحفظ الصحة 112.

قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية: (پ ? ? ) 113.

وقال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة 114.

والآية تظهر هدايتها في لفت أنظارنا إلى الترشيد وعدم الإسراف، وهكذا علمتنا سنة المصطفي صلى الله عليه وسلم قولًا وعملًا.

4.عدم العتو والإفساد في الأرض.

أنعم الله على عباده بالنعم الكثيرة ليستعملوها في عمارة الأرض، وطاعة ربهم، ونهى الله عباده عن استغلال النعم في العتو والإفساد في الأرض، وقد ورد النهي عن ذلك أيضًا في حديث القرآن عن الشرب، فقال تعالى في قصة بني إسرائيل: (چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ?) [البقرة: 60] .

فالآية تذكر حال بني إسرائيل، وما أنعم الله عليهم من النعم، ومنها نعمة الأكل والشرب، ثم نهاهم عن العتو والإفساد، أي: لا يكون شكركم على النعمة بالإفساد في الأرض، فتتحول النعم التي بين أيديكم إلى نقم، وتصبحوا على ما فعلتم نادمين.

والنهي متوجه إلى بني إسرائيل خصوصًا؛ لأن النعمة إذا كثرت على أمثال بني إسرائيل كانت مظنة الفساد 115.

والنهي وإن كان متوجهًا لبني إسرائيل، إلا أنه نهي للبشرية جميعًا؛ فإن النعمة قد تنسي العبد حاجته إلى الخالق فيهجر الشريعة فيقع في الفساد.

والآية ترشدنا إلى أن حق النعمة مقابلتها بالشكر، وعدم تسخيرها في الفساد والإفساد، والبطر والتكبر.

5.التفكر والاعتبار.

أمر الله عباده في آيات كثيرة بإعمال العقول والتفكر في نعم الله، للوصول إلى معرفة الله وعبادته، ومن النعم التي أمر الله عباده بالتفكر فيها نعمة الماء وشربه، فقال: (? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ?) [النحل: 10 - 11] .

في كمال قدرة الله الذي أنزل هذا الماء من السحاب الرقيق اللطيف ورحمته، حيث جعل فيه ماء غزيرًا، منه يشربون وتشرب مواشيهم، ويسقون منه حروثهم، فتخرج لهم الثمرات الكثيرة والنعم الغزيرة 116.

فقد ختم الله الآية بالتفكر للحض على التفكر والتأمل في عظيم قدرته سبحانه؛ حتى يصل المتأمل إلى إخلاص العبادة له عز وجل.

وفي الآية تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بما في ذلك من دلالة على تفرد الله بالإلهية بأنهم قوم لا يتفكرون 117.

يقول سيد قطب: « (گ گ گ گ ? ?) في تدبير الله لهذا الكون، ونواميسه المواتية لحياة البشر، وما كان الإنسان ليستطيع الحياة على هذا الكوكب لو لم تكن نواميس الكون مواتية لحياته، موافقة لفطرته، ملبية لحاجاته. وما هي بالمصادفة العابرة أن يخلق الإنسان في هذا الكوكب الأرضي، وأن تكون النسب بين هذا الكوكب وغيره من النجوم والكواكب هي هذه النسب، وأن تكون الظواهر الجوية والفلكية على ما هي عليه، ممكنة للإنسان من الحياة، ملبية هكذا لحاجاته على النحو الذي نراه.

والذين يتفكرون هم الذين يدركون حكمة التدبير، وهم الذين يربطون بين ظاهرة كظاهرة المطر وما ينشئه على الأرض من حياة وشجر وزروع وثمار، وبين النواميس العليا للوجود، ودلالتها على الخالق وعلى وحدانية ذاته ووحدانية إرادته ووحدانية تدبيره. أما الغافلون فيمرون على مثل هذه الآية في الصباح والمساء، في الصيف والشتاء، فلا توقظ تطلعهم، ولا تثير استطلاعهم، ولا تستجيش ضمائرهم إلى البحث عن صاحب هذا النظام الفريد» 118.

والآيات فيها حث على ضرورة التفكر والتأمل في نعمة الشرب، وما يكتنفها من النعم؛ وصولًا من وراء ذلك إلى وحدانية الخالق وعبادته، والإيمان بقدرته وإبداعه.

الجنة هي دار النعيم التي أعدها الله لعباده المؤمنين، وقد أعد الله لهم فيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأنواع النعيم في الجنة لا حصر لها ولا عدد، ومن هذا النعيم مشروبات أهل الجنة، وقد ذكر الله في كتابه عددًا من مشروبات أهل الجنة، وصفة شربهم، وبيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: مشروبات أهل الجنة:

أخبرنا الله أن في الجنة أنهارًا، وعيونًا، فقال: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?) [البقرة: 25] .

وقال: (? ? ? ? ?) [الحجر: 45] .

ومن هذه الأنهار والعيون تأتي أشربة أهل الجنة، وهذه الأشربة لا حصر لها ولا عدد، فقد قال تعالى: (? ? ? ? ? چ) [الطور: 19] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت