فهرس الكتاب

الصفحة 662 من 2431

ومن هذا الخطاب القرآني يتبين أن الظلم الذي هو تجاوز للحدود رغم معرفة الحق، هو سبب مباشر من أسباب الغفلة التي هي متابعة النفس على ما تشتهيه، ويبرز ذلك عند معرفة أن الظالمين المحرضين ضد الحق حينما يوصفون بالغفلة، فقد غفلوا عن أن الله تعالى منزهٌ عن ذلك، فإذا فهم ذلك فعندها يكون من يتبع الباطل ظالمًا، وغارقًا في وحل الغفلة.

3.الإعراض عن الوحي.

وقد ورد ذلك جليًّا في قوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 1 - 3] .

ويتبين من هاتين الآيتين أن الفطرة السليمة تعي حجم الغفلة التي يقع بها الخلق عندما يحذرهم الله تعالى من الحساب، وتساق الأدلة على ذلك، ويتبين أيضًا أن هذا الخطاب القرآني يعظ الناس عمومًا، فيذكرهم بما سيؤولون إليه من جزاء، وعليهم أن ينتبهوا من غفلتهم وإعراضهم الذي هو حقٌّ.

وتفصل الآية التي بعدها سبب الإعراض عن الوحي وهو أنهم ما إن يأتهم شيء من القرآن محدثٌ تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة، إلا استمعوه وهم في حالة استهزاء به، فقلوبهم غافلةٌ غير منتبهة إلى وعد الله الحق 56.

4.الرضا بالحياة الدنيا والركون إليها.

ورد ذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 7 - 8] .

والمعنى: إن الذين لا يخافون لقاء الله تعالى يوم القيامة، فهم لذلك مكذبون بالثواب والعقاب، متنافسون في زين الدنيا وزخارفها، راضون بها عوضًا من الآخرة، مطمئنين إليها، والذين هم عن آيات الله، وهي أدلته على وحدانيته وحججه على عباده في إخلاص العبادة له {غَافِلُونَ} ، معرضون عنها لاهون، لا يتأملونها تأمل ناصح لنفسه، فيعلموا بها حقيقة ما دلتهم عليه، ويعرفوا بها بطول ما هم عليه مقيمون، هؤلاء الذين هذه صفتهم مصيرهم إلى النار؛ لأنهم كانوا لا يتحرون الكسب الحق، سواء أكان هذا الكسب قولًا أو فعلًا 57.

ومن هذه الآية الكريمة يتبين أن الإنسان إذا عاش في الدنيا محبًّا لها، معتقدًا أنه مخلدٌ فيها، يجتهد في جمع المال والجاه فيها، فإنه يكون قد غفل عن سبب وجوده في الدنيا، وهو عبادة الله تعالى وحده، فالدنيا لا تكون خيرًا إلا إذا اعتبرها الإنسان مسجدًا للصلاح، ومنطلقًا للخير ورضا الله تعالى، فإذا غفل الإنسان سبب وجوده فإنه يغفل ما سيؤول إليه بعد الحياة، وهو الممات، فلا يعمل له، ولا يتزود له، وحينها فإنه سيلقى الله تعالى خاوي اليدين، وعاقبة أمره ذلٌّ وهوانٌ، وسيخسر الآخرة، وإن ظن أنه ربح الدنيا فهو أيضًا غافل؛ لأن التقوى هي السعادة وفيها راحة البال، والجميع حينها يحبه، والمتقي لله تعالى يكثر من الذكر، والذكر نقيض الغفلة، فإنه يتحصن منها.

5.الكبر.

وقد ورد ذلك في قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146] .

فالله تعالى بين في هذه الآية الكريمة أن المتكبرين في الأرض بالباطل، الذين يرون الحق والباطل، فيصرون على باطلهم طريقًا ومنهجًا سوف يصرفهم الله تعالى عن التفكر في آياته الكونية والشرعية وقبولها، والسبب أنهم كذبوا بهذه الآيات بنوعيها، وتذييل الآية بأنهم غافلون مناسب لما بينته من رؤية طريقي الحق والباطل، ومع ذلك لم يتعظوا 58.

والغفلة في هذه الآية تحتمل المعنى الأشمل، وهو: متابعة النفس لما تشتهيه؛ لأن الأهواء سلاح إبليس، وهي الذنوب التي قد يغفل الإنسان عن التوبة منها؛ لأنها تكون ضمن ما تشتهي نفسه، ويتابع ما تطلبه تلك النفس، فإن الإنسان قد يعرف الحق، لكن الشهوات قد تغشي قلبه عن نعمة الانصياع القلبي والقولي والفعلي لما يطلب الشرع منه، وهذا الأمر هو الغفلة التي قد توصل إلى التكبر في الأرض؛ لاعتقاد هذا المتكبر أنه بيده مقاليد كل شيء.

ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أنها جعلت من يرى طريق الحق وما يرشد إليه، وطريق الباطل وما يوصل إليه، ومع ذلك يلتزم الباطل، فإنه يكون في صف المتكبرين، الذين غفلوا حقيقة وجودهم وما سيؤولون إليه.

6.تعطيل الحواس بعدم التفكر والتدبر والسمع والإبصار.

إن الله تعالى قد بين في كتابه العزيز أن الحواس مسؤول عنها ذلك الإنسان؛ فقد قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .

«فلا تقل: سمعت، ولم تسمع، ولا تقل: رأيت، ولم تر، فإن الله سائلك عن ذلك كله» 59.

وإن المسلم يستحضر بقلبه ذكر الله، ثم يقر اللسان بمقتضى ذلك، ثم يستمع الحق ولا يستمع الباطل ولا يكذب بقوله سمع وهو لا يسمع، وكذلك لا يقول رأيت وهو لا يرى، أما إذا اتبع هواه، وعطل حواسه عن واجباتها في التعرف إلى الله وذكره، فعندها من المؤكد أنه ستحل عليه الغفلة المذمومة، التي تمحق الحسنات، وتربي السيئات بعدم انتباه ذلك المسلم إلى واجباته، واستبدال ذلك بالفجور والعصيان.

7.صحبة الأشرار.

إن صحبة الأشرار تؤدي إلى الغفلة من أوسع أبوابها؛ فقد تودي بالإنسان إلى غضب الله تعالى ومن ثم عقابه.

قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29] .

أي: «ويوم يعض الظالم نفسه المشرك بربه على يديه ندمًا وأسفًا على ما فرط في جنب الله، وأوبق نفسه بالكفر به في طاعة خليله الذي صدَّهُ عن سبيل ربه، يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلًا، يعني: طريقًا إلى النجاة من عذاب الله» 60.

ويبقى هذا الكافر الظالم يصاحبه الندم على ما فرط في جنب الله؛ فقد جاءه القرآن الكريم وذُكِّرَ بالله تعالى بما فيه الكفاية للطاعة وعدم الغفلة عنها، ومع ذلك فقد غفل عن الحق، واتبع هواه بالاستماع إلى صحبته الشريرة، فاستحق غضب الله تعالى، ومن ثم عقابه في الدنيا بفضيحته ومعيشته النكدة، وفي الآخرة بالندم البالغ، ومن ثم دخول النار.

تبين من خلال الدراسة أن الغفلة في عمومها مذمومةٌ، وأنها تكون سببًا مباشرًا لغضب الله تعالى، ومن ثم عقابه.

وسنركز على الآثار المترتبة على الغفلة في الدنيا والآخرة، وذلك بالاستقصاء في آيات الله تعالى، والله الموفق والمستعان.

أولًا: الآثار الدنيوية:

وردت آيات عديدة تدلل على وبال العاقبة للغافلين في الدنيا قبل الآخرة، وذلك من خلال بيان العواقب الآتية:

1.البعد عن أهل الحق فقراء كانوا أم أغنياء.

وذلك في قوله تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ? وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف: 28] .

فقد يغفل المسلم الداعية عن بعض الجوانب المهمة من الدين، كالإعراض ولو لحظة عن أهل الحق، حتى ولو كان ذلك بسبب نصرة الدعوة، فإن الغفلة عنهم تعني ركونًا إلى العقل في جلب الناس، والدخول في مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) ، وقد جاء في الحديث الشريف عن مصعب بن سعدٍ، قال: رأى سعدٌ رضي الله عنه، أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟!) 61.

2.ضياع أمر الغافل.

ومعنى الآية في هذا السياق: «جعلناه غافلًا بالختم عليه، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة من جعل الله قلبه غافلًا عن ذكره، كأولئك الذين طلبوا منه أن ينحي الفقراء عن مجلسه، فإنهم طالبوا تنحية الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وهم غافلون عن ذكر الله» 62.

3.الانتقام من الغافلين عن آيات الله في الدنيا.

وذلك في قوله تعالى: فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 136] .

حيث جاءت هذه الآية بعد سرد كل الآيات البينات الدالة على صدق سيدنا موسى صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد غرقوا في الغفلة؛ ولذلك استحقت إرادة الله تعالى بالانتقام منهم، فأغرقهم الله في البحر بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى، والغفلة عنها 63.

4.صرف الغافلين عن تدبر آيات الله تعالى والتأمل فيها.

فقد قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 146] .

حيث إن الغافلين - الذين كذبوا بآيات الله تعالى فهم المتكبرون- سيحل بهم عقاب، وهو إيجاب عدم القدرة على التفكر في آيات الله تعالى والاعتبار فيها، وسيرون الحق وما فيه من نجاة، وسيرون الباطل وما فيه من هلاك، ومع ذلك فإن أبوا إلا الانغماس في الباطل، وعميت بصيرتهم، وما عادوا يتفكرون فيما ينجيهم 64.

5.الغافلون سيتصفون في الدنيا بأنهم جهلة.

فقد قال تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم: 7] .

فمن يغفل عن الآخرة، يكن من الذين لا يعرفون سبب وجودهم في الحياة الدنيا، فلا يعرف نفسه حق المعرفة، ولا يفقه هؤلاء الغافلون من الحياة إلا «معايشهم، متى يغرسون؟ ومتى يزرعون؟ ومتى يحصدون؟» 65.

6.لهو القلب عند الغافلين.

فقد قال -تعالى: {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 3] .

حيث إن هذه الآية تبين حال الغافلين من الناس، لاهية قلوبهم، وبأنهم يصدون عن الحق بالتناجي فيما بينهم بسرية متناهية 66.

ثانيًا: الآثار الأخروية:

إن للغفلة آثارًا كبيرة على من يغرق في وحلها في الآخرة، يوم لقاء الله تعالى.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس: 7 - 8] .

فقد بينت تلكما الآيتان أن الذي يغفل عن لقاء الله تعالى، ويركن إلى الدنيا ويرضى بمتاعها الزائل، فإن بيته الخالد يوم القيامة سيكون النار، وهذا بما كسب قلبه وقوله وعمله، فالغافلون هم من يكسبون من الكفر والتكذيب بالمعاد 67، ومن هذه الآية يتبين أن من آثار الغفلة في الآخرة الدخول في النار.

وقال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39] .

وقد تقدم الحديث عن هذه الآية، ويمكن القول: إن يوم القيامة سمي يوم الحسرة في هذه الآية؛ لأنه إذا ذبح الموت، ونودي بالخلود لأهل النار كما الجنة، عندها ينتهي أيُّ أملٍ في النجاة عند أهل النار، فهي الحسرة التي لا تعدلها حسرة فهو بالفعل «يوم الحسرة المُعَدَّة للجزاء بحيث لا يمكن فيها التلافي والتدارك على ما فات سوى الحسرة والندامة غير المفيدة؛ إذ قضي الأمر ونزل العذاب، وقد مضى زمان امتثال المأمور به» 68.

ومن هذه الآية يتبين أن من آثار الغفلة في الآخرة الحسرة الكبيرة؛ لعلمهم اليقيني بأنهم مخلدون في النار.

إن القرآن الكريم لا يذكر ذنبًا ولا معصية ولا مرضًا قلبيًّا إلا ويذكر العلاج الكافي والمناسب له، وإن الغفلة مرض يكاد يفتك بمن أصيب به، واستحكم قلبه وعقله وحياته، وعند المتابعة في آيات القرآن الكريم يتضح أنها عالجت ذلك المرض القاتل من خلال أمور عديدة، أهمها:

1.ذكر الله تعالى وعبادته.

قال تعالى: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه: 14 - 16] .

فالله تعالى يقول لنبينا موسى عليه السلام: إنني أنا الله لا معبود بحق إلا أنا فأطعني واعبدني عبادة لا تنساني أبدًا من خلالها، والمقصود الإقامة والمكث الأبدي على تلك الصلاة وتلك العبادة، ثم التذكير بالساعة؛ للتذكير بالعاقبة فإما إلى نار وإما إلى جنة، فلا يحرفنك يا موسى عليه السلام الذي لا يصدق إتيانها، اتباعًا لهواه، فهو الرَّديُّ إلى الهاوية 69.

ولا شك أن هذا الذكر الأبدي والإقامة الدائمة على الصلاة، والتذكر الدائم للساعة وما فيها من أهوال، كل ذلك يحصن الإنسان المسلم من الغفلة.

2.التوكل والتفكر والتدبر.

قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191] .

فإن مبدأ التفكر في خلق السماوات والأرض وما فيها من آيات كونية دالة على قدرته -جل جلاله-، واختلاف الليل والنهار، وما ينتج عن ذلك من فصول السنة وتغير المناخات، إن كل ذلك معجزات دالة على وجود الله تعالى، ومن ثم يصطحب الإنسان ذلك التأمل في تلك المخلوقات؛ ليعيش مع كمال الخوف مع كمال الحب لله تعالى، وإن الله تعالى قد وصف من يكون من المتفكرين في مخلوقات الله تعالى بأنهم أصحاب العقول النيرة 70.

كيف لا؟! وهم الذاكرون لله تعالى بشتى أنواع الذكر ومزيد التوكل على الله تعالى حق توكله، والمتفكرين في خلق السماوات والأرض فيحملهم ذلك على الخوف من الله تعالى، ربنا ما خلقت هذا باطلًا، ننزهك يا ربنا، وأنت غنيٌ عن تنزيهنا لك، فأجرنا يا ربنا من النار، ولا شك أن هذه المشاعر تجعل من المسلم أنموذجًا تطبيقيًّا لهدي القرآن؛ فيجتنب الغفلة التي ذمها الله تعالى، والتي هي سبب دخول النار وقبل ذلك غضبه عز وجل.

3.صحبة الصالحين ومجالسة الذاكرين.

قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .

فإن كلا الجنسين من المؤمنين المصدقين بالله ورسوله، والمؤمنات المصدقات بالله ورسوله، ولاؤهم جميعًا مبني على الأمر بالمعروف الذي فيه تعاون على الخير لأجل رضا الله تعالى، وأيضًا على النهي عن المنكر الذي فيه تعاون على اجتناب المنكر، وعلى طاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن من تكون حاله كذلك، فإنه يبقى متصلًا بالله تعالى، كثير الذكر له جل جلاله، متجنبًا الغفلة بكافة أنواعها وأسبابها، وهؤلاء المؤمنون والمؤمنات المتصفون بذلك يستحقون رحمة الله تعالى 71.

4.اليقظة والحذر، والعلم والعمل.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71] .

فالله تعالى ينادي المؤمنين بأحب النداءات، وذلك بوصفهم مؤمنين، فيقول: يا من آمنتم بي وصدقتموني، احذروا واحترزوا من عدوكم، ولا تمكنوه من أنفسكم؛ فخذوا السلاح والعدة لقتال عدوكم 72.

ولا شك أن هذا يتطلب خبرة علمية وعملية، ومن قبل ذلك يقظة بالغةً، وقبل وبعد كل شيء اصطحاب معية الله تعالى، فإن من يفعل كل ذلك فقد نجا من الغفلة التي هي نذير عقاب الله تعالى.

موضوعات ذات صلة:

التفكر، الذكر، العبرة، اللعب، اللهو، النسيان

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 386.

2 لسان العرب، ابن منظور 11/ 497.

3 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 609.

4 المصدر السابق.

5 التعريفات، الجرجاني ص 162.

6 المصدر السابق.

7 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 252.

8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 503.

9 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/ 386.

10 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 1298، مجمل اللغة، ابن فارس ص 475.

11 مقاليد العلوم، السيوطي ص 65.

12 انظر: جامع العلوم في اصطلاحات الفنون 2/ 139.

13 المفردات 2/ 634.

14 انظر: جامع البيان، الطبري 5/ 155، إصلاح الوجوه والنظائر ص 454 - 455، نزهة الأعين النواظر ص 579 - 580.

15 جمهرة اللغة، ابن دريد 2/ 694.

16 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 3/ 100.

17 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 1/ 246.

18 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 7/ 87، لباب التأويل، الخازن 2/ 159.

19 انظر: حجة القراءات، ابن زنجلة ص 272.

20 انظر: جامع البيان، الطبري 2/ 303، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 1/ 157.

21 انظر: تفسير السمرقندي 1/ 71، تفسير القرآن، السمعاني 1/ 104.

22 انظر: الكشف والبيان، الثعلبي 7/ 81، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 8/ 5052، إرشاد العقل السليم، أبو السعود 6/ 165.

23 انظر: جامع البيان، الطبري 19/ 119.

24 انظر: فتح البيان، صديق خان 9/ 189.

25 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 3/ 225.

26 انظر: جامع البيان، الطبري 19/ 133.

27 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب إذا عدل رجل أحدًا، فقال: لا نعلم إلا خيرًا، أو قال: ما علمت إلا خيرًا 3/ 167، رقم 2637.

28 المصدر السابق.

29 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب إذا عدل رجل أحدًا، فقال: لا نعلم إلا خيرًا، أو قال: ما علمت إلا خيرًا 3/ 167، رقم 2637.

30 انظر: نظم الدرر، البقاعي 8/ 43.

31 مفاتيح الغيب، الرازي 25/ 81.

32 انظر: المصدر السابق.

33 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة) ، 6/ 93، رقم 4730.

34 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، رقم 2849، 4/ 2188.

35 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 342، روح المعاني، الألوسي 9/ 88.

36 جامع البيان، الطبري 22/ 350.

37 الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 11/ 6813.

38 جامع البيان، الطبري 13/ 222.

39 انظر: البحر المحيط، أبو حيان 5/ 218.

40 أخرجه الإمام في مسنده، 27/ 120، رقم 16580، وأبو داود في سننه، كتاب الصلاة، تفريع صلاة المسافر، باب صلاة الخوف، 2/ 11، رقم 1236، والنسائي في سننه، كتاب صلاة الخوف، 3/ 176 رقم 1549.

قال محقق المسند: «إسناده صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين، غير أن صحابيه لم يخرج له سوى أبي داود والنسائي» .

41 المحرر في أسباب نزول القرآن، خالد المزيني 1/ 434.

42 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 1/ 461.

43 انظر: تفسير ابن أبي حاتم 3/ 717.

44 انظر: تفسير السمرقندي 2/ 178.

45 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين 4/ 174.

46 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 5/ 1647.

47 انظر: أسباب النزول، الواحدي ص 297، لباب النقول، السيوطي ص 130.

48 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 3/ 263.

49 التحرير والتنوير 15/ 305.

50 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 257.

51 انظر: تفسير ابن أبي حاتم 7/ 2358.

52 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 563.

53 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 144.

54 انظر: نظم الدرر، البقاعي 2/ 217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت