فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 2431

قال تعالى في سورة آل عمران: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) } [آل عمران: 39]

وقال عز وجل في سورة مريم: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) } [مريم: 7] .

وقال سبحانه في سورة الأنبياء: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء:90]

في الموضع الأول من سورة آل عمران يذكر المولى عز وجل أن الملائكة نادت على زكريا عليه السلام وهو يصلي في المحراب ذاك المكان الطاهر المبارك، وبشرته ببشارة عظيمة، بشرته بغلام يدعى يحيى يكون سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين.

قال ابن كثير: «خاطبته الملائكة مشافهة خطابا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته» 30. والتعبير بالفاء هنا يدل على التعقيب، المفيد لسرعة الجواب، كما قال تعالى في سورة الأنبياء: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} .

ولقد اختلف المفسرون في المراد بالملائكة هنا: هل هم جمع منهم أم أن المراد جبريل عليه السلام؟

وظاهر النص: يفيد أن المنادي جمع من الملائكة، وقيل إن المنادي جبريل، ذكر ذلك ابن جرير في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه 31، وقال الألوسي معلقا على هذا الرأي: «فالجمع هنا مجاز عن الواحد للتعظيم، أو يكون هذا من إسناد فعل البعض للكل، وقيل: الجمع فيه مثل قولك: فلان يركب الخيل ويلبس الديباج، واعترض بأن هذا إنما يصح إذا أريد واحد لا بعينه، وهاهنا أريد المعين فلعل ما تقدم أولى بالإرادة، وقيل: الجمع على حاله، والمنادي كان جملة من الملائكة» 32.

والذي أراه في هذه المسألة أن المنادي جمع من الملائكة كما يفيد ظاهر النص؛ لأن الأصل هو الأخذ بظاهر النصوص واستعماله الحقيقي دون اللجوء إلى صرف الكلام عن الحقيقة إلى المجاز. وفي نداء جمع من الملائكة مزيد اعتناء وتكريم لزكريا، وتعظيم لتلك البشارة وللواهب جل وعلا.

{أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى} ذكر المبشر به وهو يحيى عليه السلام يدل على أنه ذكر وعلى أن المولى عز وجل قد اختار له هذا الاسم الطيب المبارك.

وفي سورة مريم {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) } [مريم: 7]

وفي هذه الآية إشارة إلى أن المبشر به وهو يحيى عليه السلام سوف يولد ويكبر حتى يصير غلاما، وفي قوله تعالى: {لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} ما يفيد أن هذا الاسم لم يسم به أحد قبل يحيى عليه السلام، فهو اسم بكر، وللاسم البكر الجميل وقعه في النفوس، وصداه في الآذان، واختيار هذا الاسم ليحيى نعمة وهبة من الله {وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى} فالمسمى والاسم هبة ونعمة من الله عز وجل.

أما عن سر التسمية بهذا الاسم، فيقول مقاتل: (( لم يكن أحد من الناس فيما خلا يسمى يحيى، وإنما سماه يحيى لأنه أحياه من بين شيخ كبير وعجوز عاقر ) )33. وعن قتادة قال: (( أحياه اللّه بالإيمان ) )34.

{مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : مؤمنا بعيسى عليه السلام، قيل إن يحيى عليه السلام هو أول من صدّق بعيسى عليه السلام، وقيل {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ} : أي: مؤمنا بكتاب منه تعالى 35.

لقد كانت ولادة يحيى عليه السلام من شيخ كبير وأم عجوز عاقر تمهيدا لآية أعجب وهي ولادة عيسى عليه السلام من غير أب، مع القرب الزمني بين الحدثين المتعاقبين، حيث ولد يحيى وبعده عيسى عليهما السلام.

{وَسَيِّدًا} : كريما، شريفا، يسود الناس بفقهه وعلمه وحلمه، وحكمته وهمّته، وزهده وقوته في الحق 36، ساد نفسه بأن حملها على طاعة الله وصرفها عن معصيته، وساد قومه بما تحلى به من مكارم الأخلاق، ومن ساد نفسه ساد غيره.

{وَحَصُورًا} : حصر نفسه أي: حبسها ومنعها من الهمم الدنية 37، وقيل: هو الذي لا يأتي النساء لا لعجزه عن ذلك، وإنما لزهده وانشغاله بالطاعات والقربات 38.

ولا تعارض بين المعنيين، وإن كان الأول أولى، لأن الزواج سنة الأنبياء عليهم السلام.

وسياق الكلام يدل على البشارات التي ساقتها الملائكة لزكريا عليه السلام لتدخل على قلبه السرور، والحصور صفة مدح وكمال لا صفة ذم ونقصان.

{وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} : جمع عليه السلام بين النبوة والصلاح، فالأنبياء هم أشد الناس صلاحا واستقامة على منهج الله 39، والصلاح صفة ملازمة لهم قبل النبوة، لكن النبوة تزيدهم صلاحا على صلاح.

وفي الموضع الثاني من سورة مريم يأتي الجواب من قبل الله عز وجل: {يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) } [مريم: 7] .

لم نجعل له شبيها من أهل عصره في أحواله وصفاته، أو لم نجعل له من قبل من يشاركه في هذا الاسم.

قال الزمخشري: «لم يسم أحد بيحيى قبله ... وقيل: {لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} مثيلا وشبيها كقوله في نفس السورة: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) } .

وإنما قيل للمثل: سميّ؛ لأن كل متشاكلين يسمى كل واحد منهما باسم المثيل والشبيه والنظير، فكل واحد منهما سميّ لصاحبه ... قالوا: لم يكن له مثل في أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط، وأنه ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر، وأنه كان حصورًا )) 40.

وفي الموضع الثالث في سورة الأنبياء: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء:90] .

فقد استجاب المولى عز وجل لزكريا عليه السلام وأصلح زوجته للحمل والولادة، وأثنى سبحانه على زكريا ويحيى وامرأة زكريا بأنهم {كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} أي: يبادرون إلى فعل الطاعات، {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} يجمعون بين الرغبة والرهبة، بين الخوف والرجاء، وهذه حال المؤمن {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} بقلوبهم وأبدانهم خاشعين لربهم، ضارعين له.

موقف زكريا عليه السلام من هذه البشارة:

قال تعالى في سورة آل عمران: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) } [آل عمران: 40] .

وقال تعالى في سورة مريم: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) } [مريم: 8 - 11] .

دعا زكريا عليه السلام ربه أن يرزقه الولد فاستجاب المولى عز وجل لدعائه، وجاءته الملائكة تبشره بغلام يرث النبوة والصلاح عنه، ولقد كانت الاستجابة مفاجأة لزكريا عليه السلام، فقال عليه السلام مقالته متعجبا من هذه البشارة، ومتسائلا عن كيفية تحققها ووقوعها وقد بلغ من الكبر مبلغا؟

وتساؤل زكريا عليه السلام عن كيفية وقوع هذه البشارة هل سيعود إلى شبابه هو وزوجته؟ أم سيعود له شبابه ويتزوج بامرأة أخرى تكون ولودا، أم كيف تتمّ هذه البشارة العجيبة.

قال الماوردي: «ولم يقل ذلك عن شكٍّ بعد الوحي ولكن على وجه الاستخبار: أتعيدنا شابين؟ أو ترزقنا الولد شيخين؟» 41.

وفي سورة مريم: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} وقوله تعالى: {عِتِيًّا} : العتي هو النهاية في الكبر واليبس، {مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا} السن الذي تعتو فيه العظام والمفاصل، أي: تيبس وتجف وهو حال لا سبيل إلى إصلاحها ومداواتها.

فاجتمع لديه ثلاثة موانع: كون امرأته عاقرا منذ شبابها، وكونه قد بلغ من الكبر عتيا، وكذلك زوجته، فلا سبيل لمداواة الشيخوخة.

جواب الحق جل وعلا عن تساؤل زكريا:

قال تعالى في سورة آل عمران: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) } [آل عمران: 40] .

وقال عز وجل في سورة مريم: {قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) } [مريم: 9] .

جاء الجواب الإلهي شافيا كافيا، فهذا العطاء العجيب وهذه الآية الخارقة مندرجة ضمن مشيئته جل وعلا، وهي أمرٌ هيّنٌ يسيرٌ أمام المولى القدير الذي نقلك من العدم إلى الوجود.

قال الألوسي في تفسيره: {قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} ، أي: يفعل الله ما يشاء أن يفعله من الأفعال العجيبة الخارقة للعادة فعلا مثل ذلك الفعل العجيب، والصنع البديع الذي هو خلق الولد مع الحالة التي يستبعد معها الخلق بحسب العادة» 42.

وفي التعبير باسم الجلالة ما يفيد الهيبة والعظمة والروعة والإجلال.

وفي التعبير بوصف الربوبية في موضع سورة مريم دلالة بالغة - الإظهار في موضوع الإضمار، وهو ما يسمى عند البلاغيين خلاف مقتضى الظاهر - لما في ذلك من إبراز جلال الربوبية في هذا المقام: فالرب هو الخالق المدبر المصرف لشئون خلقه، وكما خلق عز وجل عبده زكريا عليه السلام من العدم فهو سبحانه قادر على أن يرزقه الولد مع كبر السن وعقم الزوجة، والرب هو القدير الذي لا يعجزه شيء ولا يمتنع عليه شيء، وقدرة المولى عز وجل قدرة مطلقة لا تحدها حدود، ولا تقيدها قيود، وهذا الأمر يقع بتدبير الله تعالى لزكريا، فلا يحتاج لطبيب أو لدواء، والرب هو الرحيم اللطيف والاستجابة لدعاء زكريا من لطف الله تعالى به ورحمته له، والربوبية من التربية والرعاية وهذا المعنى في هذا السياق واضحٌ جليٌّ.

وهذا الأمر الذي يتعجب منه زكريا عليه السلام ويقف أمامه مشدوها ومبهورا، هو أمر هيّن يسير على الله عز وجل.

قال الإمام القرطبي « ... أي: كما خلقك الله تعالى بعد العدم ولم تك شيئا موجودا فهو القادر على خلق يحيى وإيجاده» 43.

زكريا يطلب آية من الله عز وجل:

قال تعالى في سورة آل عمران: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) } [آل عمران:41] .

وقال عز وجل في سورة مريم: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) } [مريم: 10 - 11] .

طلب زكريا عليه السلام آية من المولى عز وجل، علامة تدل على وقت حدوث الحمل، ليس شكًّا في هذه البشارة وإنما شغفا ولهفة على معرفة وقت حدوث الحمل، فتلك أعظم لحظات الفرح والبهجة لمن طال انتظاره للولد، كذلك ليبادر إلى شكر الواهب جل وعلا.

قال الماوردي: «قوله عز وجل: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} ، أي: علامة لوقت الحمل ليتعجل السرور به» 44.

وفي روح البيان «أي: علامة تدل على تحقق المسئول أو وقوع الحبل، وإنما سألها لأن العلوق أمر خفي لا يوقف عليه، فأراد أن يطلعه الله عليه ليتلقى تلك النعمة الجليلة منه حين حصولها بالشكر ولا يؤخره إلى أن يظهره ظهورًا معتادًا» 45.

قال تعالى في سورة آل عمران: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) } [آل عمران:41] .

وفي سورة مريم يقول: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) } [مريم: 10] .

أجاب المولى عز وجل زكريا عليه السلام فيما طلبه، فأعطاه الآية الدالة على وقوع الحمل وهذه الآية هي امتناعه عن الكلام لمدة ثلاثة أيام بلياليهن، فلا يتكلم إلا بالإشارة والإيماء.

قال الزمخشرى: «قال: علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه وأنت سليم الجوارح سويّ الخلق، ما بك خرس ولا بكم» 46.

ومنع زكريا عليه السلام من الكلام لحكمة بليغة فللصمت فوائده العديدة، ففيه راحة النفس، وهدوء البال، وسكينة القلب، وانطلاق الفكر، وصفاء العقل، ومن هنا فمنع زكريا عليه السلام من الكلام من تمام نعمة الله عليه ورعايته له، كذلك إذا كان الكلام نعمة عظيمة تدل على قدرة الله تعالى كما قال: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) } [الذاريات: 23] .

كذلك امتناع السليم من الكلام آية عجيبة.

قال السعدي: (( ينحبس لسانك عن كلامهم من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا على الإشارة والرمز، وهذا آية عظيمة أن لا تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره، فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله أن يشكره ويكثر من ذكره بالعشي والإبكار، حتى إذا خرج على قومه من المحراب {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} ، أي: أول النهار وآخره 47.

ولصاحب الظلال في هذا المقام كلام طيب، حيث يقول رحمه الله بعد أن وضح أن القدرة الإلهية لا تفرق بين هين وعسير، أو بين مألوف وغريب فقدرته عز وجل مطلقة من كل قيد، ومنطلقة بلا حدّ: «ولكن زكريا لشدة لهفته على تحقق البشرى، ولدهشة المفاجأة في نفسه راح يطلب إلى ربه أن يجعل له علامة يسكن إليها: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} .. وهنا يوجهه الله سبحانه إلى طريق الاطمئنان الحقيقي، فيخرجه من مألوفه في ذات نفسه ... إن آيته أن يحتبس لسانه ثلاثة أيام إذا هو توجه إلى الناس، وأن ينطلق إذا توجه إلى ربه وحده يذكره ويسبحه {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} ... ويسكت السياق هنا، ونعرف أن هذا قد كان فعلا، فإذا زكريا عليه السلام يجد في ذات نفسه غير المألوف في حياته وحياة غيره ... ، لسانه هذا هو لسانه ولكنه يحتبس عن كلام الناس، وينطلق لمناجاة ربه ... أي قانون يحكم هذه الظاهرة؟ إنه قانون الطلاقة الكاملة للمشيئة العلوية ... فبدونه لا يمكن تفسير هذه الغريبة .. كذلك رزقه بيحيى وقد بلغه الكبر وامرأته عاقر!!!» 48.

قال تعالى في سورة آل عمران: {قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) } [آل عمران: 41] .

وفي سورة مريم يقول عز وجل: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) } [مريم: 11] .

رغم منع زكريا عليه السلام من الكلام إلا أنه يواصل ذكر الله عز وجل ويأمر الناس به حيث يشير إليهم بما يفهم منه دوام الذكر، وزكريا عليه السلام أنعم الله عليه بالصمت، وفي الصمت فكرة وعبرة كما أنعم الله عليه بتوفيقه إلى الذكر فاجتمع له الذكر مع الفكر، والذكر من أسنى المقامات ومن أجل القربات ومن أفضل الأعمال ومن أسمى الأحوال. والذكر مطلوب في كل حال حتى يصير المؤمن على صلة بالله عز وجل، وزكريا عليه السلام يواصل ذكر الله حتى وهو ممنوع عن الكلام، حيث يحتبس لسانه عن سائر الكلام إلا الذكر، وتلك آية عجيبة، كما يواصل دعوة قومه إلى ذكر الله عز وجل وحين يمتنع عن الكلام فإن الإشارة توصل إلى المطلوب، أشار إليهم أن يداوموا على التسبيح في جميع الأوقات.

زكريا عليه السلام هو زوج أخت مريم، وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل، يرجع نسبه إلى سليمان بن داوود، ومنه إلى إبراهيم عليه السلام، فهو من نسل طاهر ومن أصل كريم.

وامرأته زوجة صالحة صابرة، ابتلاها المولى عز وجل بالعقم، فأسلمت أمرها لله ورضيت بقضاء الله، وعاشت مع زوجها حياة حافلةً بالإقبال على الطاعات والمسارعة للخيرات، ولقد أثنى المولى عز وجل في كتابه الكريم على زكريا وزوجته وولده يحيى.

فقال سبحانه: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء: 89 - 90] .

ولقد استجاب الله دعاء زكريا عليه السلام، وأصلح له زوجه، بأن جعلها صالحة للحمل والولادة بعد أن كانت عقيما، وبأن زادها صلاحا على صلاح، ورزقهما بيحيى عليه السلام، الذي ورث النبوة والصلاح عن أبويه، وكان بارًّا بهما محسنًا إليهما.

ومن الناس من يقول بأنه كانت سيئة الخلق بذيئةً فأصلحها الله تعالى، وهذا يتعارض مع الآية السابقة التي وصفت زكريا وابنه يحيى وزوجه بالمسارعة للخيرات والمداومة على الدعاء راغبين راهبين، وملازمة الخشوع.

قال الرازي: «وفي تفسير قوله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} : ثلاثة أقوال: أحدها: أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع بالعادة، وهذا أليق بالقصة. والثاني: أنه أصلحها في أخلاقها وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل ذلك من نعمه عليه. والثالث: أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه في كونه داعيًا إلى الله تعالى فكأنه عليه السلام سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعًا. وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا قيل: أصلح الله فلانًا فالأظهر فيه ما يتصل بالدين» 49.

وابنه نبي الله يحيى عليه السلام وهبه الله إياه على الكبر، ونشأ في بيت صلاح وطاعة، وقرأ التوراة وأخذ بأحكامها، وآتاه الله الحكم والنبوة، ودعا إلى ربّه حتى قتله اليهود.

وقد وصفه الله تعالى بأوصاف تدل على فضله ومكانته.

وصفه بأنه سيد وحصور ووهبه النبوة والصلاح قال تعالى عنه: {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) } [آل عمران: 39] .

وقال تعالى في سورة مريم عنه: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) } [مريم:12 - 15] .

أمر إلهي ليحيى عليه السلام أن يأخذ التوراة مأخذ الجد في العلم بها، وفي فهمها وفي العمل بها ودعوة الناس إلى الأخذ بها.

قال ابن كثير: «أي: تعلم الكتاب بقوة أي: بجد واجتهاد وحرص» 50.

{وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} : قال ابن جرير: «أعطاه الله الفهم لكتابه في حال صباه قبل بلوغه سن الرجال» 51.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت