قال مقاتل: (بَصَائِرُ لِلنَّاسِ) في هلاك الأمم الخالية، بصيرة لبني إسرائيل، وغيرهم، وعلى هذا التقدير: أهلكناهم بصائر للناس؛ ليتبصروا ويعتبروا بهلاكهم 150.
قال تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ?) [النمل: 14] .
أي: شركًا وتكبرًا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى عليه السلام 151.
••الإفساد.
الفساد: «خروج الشيء عن الاعتدال، قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضاده الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس، والبدن، والأشياء الخارجة عن الاستقامة» 152.
والفساد: أعم من الظلم، لأن الظلم النقص فإن من سرق مال الغير فقد نقص حق الغير، والفساد يقع على ذلك، وعلى الابتداع واللهو واللعب، والفاسد: مأخوذ من (فسد اللحم) إذا أنتن ويمكن الانتفاع به، والباطل: من (بطل اللحم) ، إذا دود وسوس وصار بحيث لا يمكن الانتفاع به 153.
قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) } [القصص: 4] .
أي: إن القتل ظلمًا إنما هو فعل المفسدين إذ لا طائل تحته صدق الكاهن أو كذب 154.
وقال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) } [الأعراف: 103] .
«يشير له قوله تعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} أي لعقائد الخلق، أفسد الله عليهم ملكهم، وآتاه أعداءهم، فأغرقهم عن آخرهم، وبمرأى من موسى وقومه» 155.
يحدثنا القرآن الكريم عن قصة عظيمة سطرها ابن آدم الأول بيديه، وقصها القرآن الكريم علينا لنأخذ منها العبرة والعظة، فنحذر من جانب الأسوة السيئة المتمثلة فيها، إنها قصة اقتتال ابني آدم، قال ابن حجر: «هو قابيل قاتل أخيه هابيل» 156، وكذا توافقت معظم كتب التفسير على تسميتهم، وهي إسرائيليات، فلم أقف على رواية صحيحة مسندة، تدل على هذه التسمية، وذكر ابن حجر: «أن سبب قتل قابيل لأخيه هابيل أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن من ولده بأنثى الآخر، وأن أخت قابيل كانت أحسن من أخت هابيل، فأراد قابيل أن يستأثر بأخته فمنعه آدم، فلما ألح عليه أمرهما أن يقربا قربانا، فقرب قابيل حزمة من زرع، وكان صاحب زرع، وقرب هابيل جذعة سمينة، وكان صاحب مواش، فنزلت نار فأكلت قربان هابيل دون قابيل، وكان ذلك سبب الشر بينهما، وهذا هو المشهور» 157.
وتبقى هذه الروايات لمجرد الاستئناس لأنها لم ترد بروايات مسندة صحيحة، وقد ذكرهما القرآن الكريم ولم يسمهما.
وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) } [المائدة: 27] .
ومن جمال التناسب والتآخي بين هذه الآية وسابقاتها، أن هذه الآية تتكلم عن أخوين متناحرين، وسابقتها تتكلم عن أخوين تحابا في الله، وتوحدا على طاعته، وتواثقا على الدعوة إليه، إنهما موسى وهارون {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25] .
تذكر لنا كتب التفسير أن هابيل وقابيل كانا غلامين، وتحدد بعض كتب التفسير سنهما، وفيها:
«وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة» 158، وأضاف ابن حجر أن هابيل قتل وله عشرون سنة ولأخيه القاتل خمس وعشرون سنة 159، ومستند هذه الأقوال روايات إسرائيليه، فلا يؤخذ بها، وعلى الروايات التي اعتمدتها كتب التفسير في سبب الخلاف بينهما أنه الرغبة في الزواج من أخت لهما، فهما بناء على ذلك في مرحلة الشباب، غير أن تقييد هذه المرحلة بسن معينة مسألة تحتاج إلى دليل، ولا يوجد.
لقد ذكر القرآن الكريم صورة مختصرة للحوار بين الأخوين قبل أن تقع الجريمة النكراء، وكان الكلام فيها لهابيل وهو يخاطب قابيل مذكرا له بالله وعقابه: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) } [المائدة:28 - 30] .
قال ابن عباس: «خسر دنياه وآخرته، أما دنياه فإسخاط والديه، وبقي بلا أخ، وأما آخرته فأسخط ربه وصار إلى النار» 160.
وقد ترتب على هذه الجريمة أن يحمل القاتل الأول تبعات جريمته مع كل حالة اقتداء به، قال تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفلٌ من دمها، لأنه أول من سن القتل) 161.
والكفل -بكسر الكاف-: الجزء والنصيب. وقيل: هو الضعف، وهذا الحديث من قواعد الإسلام، وهو أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئا من الخير كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم القيامة 162.
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال عند فتنة عثمان بن عفان: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي) . قال: أفرأيت إن دخل عليَّ بيتي وبسط يده إليَّ ليقتلني؟ قال: (كن كابن آدم) . وفي قوله عليه السلام: (كن كابن آدم) ، وليس ابني آدم، إشارة لطيفة إلى أن هابيل المقتول المظلوم هو ابن آدم لا قابيل القاتل الظالم 163، كما قال تعالى في حق ولد نوح عليه الصلاة والسلام: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46] .
ومن الأحاديث التي تتوافق في معناها مع الحديث السابق في أجر القدوة الحسنة ووزر القدوة السيئة قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن في الإسلام سنةً حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ) 164.
وورد الحديث من غير لفظ: (في الإسلام) ، ونصه: (من سن سنةً حسنةً فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها، لا ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنةً سيئةً فعمل بها كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها، لا ينقص من أوزارهم شيئًا) 165.
وفي الحديث دلالة واضحة على اجتناب البدع؛ لأن الذي يحدث البدعة ربما يتهاون بها ويستخف بأمرها في الأول ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده، إذ كان هو الأصل في إحداثها 166.
وذكر السمعاني عن السدى قال: «ما من كافر يدخل النار إلا وهو يلعن إبليس؛ لأنه أول من سن الكفر، وما من عاص يدخل النار إلا ويلعن قابيل؛ لأنه أول من سن المعصية» 167.
يتضح مما سبق أن مجالات القدوة السيئة بابن آدم تتجلى في: المعصية، والظلم، والحسد، وقد توج هذا بالقتل.
قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم:10] .
فالمعنى «ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط، إن الله جعل حالة هاتين المرأتين عظة وتنبيها للذين كفروا، أي: ليذكرهم بأن الله لا يصرفه عن وعيده صارف، فلا يحسبوا أن لهم شفعاء عند الله، ولا أن مكانهم من جوار بيته وعمارة مسجده وسقاية حجيجه تصرف غضب الله عنهم، فإن هم أقلعوا عن هذا الحسبان أقبلوا على التدبر في النجاة من وعيده بالنظر في دلائل دعوة القرآن وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، فلو كان صارف يصرف الله عن غضبه لكان أولى الأشياء بذلك مكانة هاتين المرأتين من زوجيهما رسولي رب العالمين» 168.
ويلاحظ في سورة التحريم أن ضرب المثل جاء بالنساء دون الرجال، فبعد ضرب المثل بامرأة نوح وامرأة لوط جاء الكلام عن امرأة فرعون، وبعده عن مريم ابنة عمران، وكأن الآيات تتكلم عن صنفين من النساء، فاسق خائن، ومؤمن صابر.
ولهذا المثل مناسبته وفائدته فهو مرتبط بأول سورة التحريم التي كان الكلام فيها عن أزواج النبي عليه الصلاة السلام، فهو تذكير لزوجات النبي عليه الصلاة السلام أن مجرد الاتصال بالنبي عليه الصلاة والسلام لا يجدي نفعًا إذا لم يقترن معه الإيمان والعمل الصالح، وفيه عبرة وعظة لجميع نساء المؤمنين.
يبين قتادة مناسبة ورود الآية: أنه تخويف لعائشة وحفصة بتظاهرهما على النبي صلى الله عليه وسلم فإنهما إن عصيا ربهما لم يغن محمد صلى الله عليه وسلم عنهما من الله شيئًا.
ثم قال: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا} يعني: المرأة المسلمة التي يتزوجها الكافر، فإن كفر زوجها لم يضرها مع إسلامها شيئا، يقول لعائشة وحفصة رضي الله عنهما: لا تكونا بمنزلة امرأة لوط في المعصية، وكونا بمنزلة امرأت فرعون ومريم في الطاعة 169.
أما عن طبيعة الخيانة التي بدرت منهما فحاصل ما ذكره المفسرون في تفسير خيانة امرأة نوح وامرأة لوط، أن خيانتهما لم تكن في الزنا، لأن الأنبياء عليهم السلام لا يبتليهم الله في نسائهم بفساد، وإنما كانت الخيانة في الدين، ومما جاء في ذلك:
عن ابن عباس: «كانت امرأة نوح تقول للناس إنه مجنون، وكانت امرأة لوط إذا نزل به الضيف بالليل أوقدت النار حتى يعلم قومه أنه قد نزل به ضيف، وإذا نزل به بالنهار دخنت» 170.
وروى الضحاك عنه قال: ما بغت امرأة نبي قط، إنما كانت خيانتهما في الدين، وقال عكرمة: فخانتاهما في الدين 171.
وروى أن ابن عباس سئل عن قوله: {فَخَانَتَاهُمَا} قال: ليس بالزنا، ولكن كانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على الأضياف 172.
وقد ذكرت امرأة لوط في آيات أخرى، منها:
قال تعالى: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) } [الأعراف: 82 - 83] .
«من الغابرين أي: الباقين في عذاب الله، قال ابن عباس وقتادة. غبر الشيء إذا مضى، وغبر إذا بقي. وهو من الأضداد» 173.
وقال تعالى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) } [الحجر:57 - 60] .
استثنى الله تعالى من آل لوط امرأته وذلك لأنها كانت كافرة فكانت من الغابرين.
وقال تعالى: {فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) } [الشعراء: 170 - 171] .
وقال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) } [النمل:57] .
وقال تعالى: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) } [العنكبوت:33] .
وقال تعالى: {إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) } [الصافات:135] .
وقال تعالى: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) } [الذاريات:32 - 37] .
ويلاحظ هنا أن الله تعالى قال: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} دون أن يقول: فأخرجنا لوطا وأهل بيته قصدا للتنويه بشأن الإيمان والإسلام، أي أن الله نجاهم من العذاب لأجل إيمانهم بما جاء به رسولهم لا لأجل أنهم أهل لوط، والمؤمن: هو المصدق بما يجب التصديق به. والمسلم المنقاد إلى مقتضى الإيمان، ولا نجاة إلا بمجموع الأمرين، فحصل في الكلام مع التفنن في الألفاظ الإشارة إلى التنويه بكليهما وإلى أن النجاة باجتماعهما.
والآية تشير إلى أن امرأة لوط كانت تظهر الانقياد لزوجها وتضمر الكفر وممالأة أهل القرية على فسادهم، فإن بيت لوط كان كله من المسلمين، ولم يكن كله من المؤمنين، فلذلك لم ينج منهم إلا الذين اتصفوا بالإيمان والإسلام معًا 174.
ومما يلاحظ أيضا في معظم القصص التي فيها ذكر للقوم الخاسرين أن خاتمة الآيات تتحدث عن وجوب أخذ العبرة والعظة وعدم الاقتداء بهم، فقال تعالى: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) } [الذاريات:37] .
وقال تعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) } [الأعراف:84] .
فالقرية بقيت فيها معالم الخراب تحذيرا لمن خاف عقاب الله وعذابه.
وقال تعالى: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) } [الحجر:74 - 75] .
وقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) } [الشعراء:174] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) } [العنكبوت:35] .
وقال تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) } [الصافات: 137 - 138] .
أما قصة امرأة نوح فلم تذكر في القرآن في غير سورة التحريم، والذي يظهر أن نوحا لم يعلم بخونها؛ لأن الله سمى عملها خيانة 175.
وفي الختام: فإن الآيات واضحة في هلاك من اقتدى بهاتين المرأتين في الكفر، والخيانة، والفساد، والضلال، وأن الانحراف عن دعوة الأنبياء مصيره الخسران والبوار.
موضوعات ذات صلة:
الاتباع، التربية، التقليد
1 تهذيب اللغة، الأزهري 9/ 191.
2 انظر: لسان العرب، ابن منظور 14/ 35، تاج العروس، الزبيدي 39/ 276.
3 المصباح المنير 2/ 494.
4 انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 6/ 534، المصباح المنير، الفيومي 2/ 494.
5 تهذيب اللغة، الأزهري 9/ 192.
6 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 269.
7 المفردات، الأصفهاني ص 76.
8 انظر: أضواء البيان، الشنقيطي 8/ 85.
9 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 518 - 519، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الفاء ص 876 - 877.
10 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 15/ 171 - 172، مقاييس اللغة، ابن فارس، 5/ 66 - 67.
11 انظر: مجمع بحار الأنوار، الكجراتي 1/ 59، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 8/ 635، مختار الصحاح، الرازي ص 18.
12 انظر: المغرب في ترتيب المعرب، ابن المطرز ص 26، و مجمع بحار الأنوار، الكجراتي 1/ 59.
13 تهذيب اللغة، الأزهري 13/ 95.
14 تفسير غريب ما في الصحيحين، الحميدي ص 43.
15 الفائق في غريب الحديث، الزمخشري 1/ 41.
16 مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 362.
17 المفردات، الأصفهاني ص 162.
18 انظر: الأخلاق الفاضلة قواعد ومنطلقات لاكتسابها، الرحيلي ص 53.
19 انظر: موسوعة الأخلاق، الخراز ص 424.
20 أدب الدنيا والدين، الماوردي ص 34، ولطائف المعارف، ابن رجب ص 18، ولم يعزواه لأحد.
21 انظر: موسوعة الأخلاق، للخراز ص 42 - 43.
22 التفسير البسيط، الواحدي 5/ 112.
23 انظر: لباب التأويل، الخازن 1/ 234.
24 تفسير ابن أبي حاتم 2/ 617.
25 جامع البيان، الطبري 6/ 272.
26 مفاتيح الغيب، الرازي 7/ 169.
27 أورده البخاري في ترجمة باب العلم قبل القول والعمل، من كتاب العلم، صحيح البخاري 1/ 24، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب العلم، باب باب الحث على طلب العلم، رقم 3641، 3/ 317، وابن ماجه في سننه، في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل الصحابة والعلم، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم 223، 1/ 81.
وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح، رقم 212، 1/ 74.
28 انظر: لباب التأويل، الخازن 3/ 361.
29 مفاتيح الغيب، الرازي 24/ 587.
30 انظر: جامع البيان، الطبري 19/ 545.
31 في ظلال القرآن، قطب 5/ 2963.
32 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرةٍ، أو كلمةٍ طيبةٍ وأنها حجابٌ من النار، رقم 1017، 2/ 705.
33 انظر: الأمثال، القاسم بن سلام ص 145، الأمثال، الهاشمي 1/ 240، المستقصى في أمثال العرب، الزمخشري 2/ 352، وقال: هو من قول كعب بن زهير.
34 شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك 1/ 50، شرح الأشمونى لألفية ابن مالك 1/ 50، حاشية الصبان على شرح الأشمونى لألفية ابن مالك 1/ 105.
35 انظر: التربية الإسلامية أصولها ومنهجها ومعلمها، السيد ص 54.
36 انظر: التفسير البسيط، الواحدي 20/ 490.
37 تفسير المنار، محمد رشيد رضا، 12/ 252.
38 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 2/ 213.
39 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي 21/ 492 - 493.
40 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 1/ 587.
41 التفسير البسيط، الواحدي 10/ 439، وانظر: تفسير ابن أبي حاتم، 6/ 1799.
42 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 10/ 96
43 روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ابن حبان ص 110
44 لباب التأويل، الخازن 3/ 453.
45 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 489.
46 في ظلال القرآن 4/ 2098.
47 انظر: جامع البيان، الطبري 15/ 466.
48 انظر: في ظلال القرآن 4/ 2096.
49 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 7/ 149.
50 أنوار التنزيل، البيضاوي 1/ 118.
51 زهر الأكم في الأمثال والحكم، اليوسي 1/ 244.
52 التيسير في أحاديث التفسير، الناصري 1/ 258.
53 إحياء علوم الدين، الغزالي 2/ 171 - 172.
54 المصدر السابق 2/ 173.
55 أخرجه أحمد في مسنده 14/ 142.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 664، رقم 3545.
56 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، بابٌ في العطار وبيع المسك رقم 2101، 3/ 63، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين، ومجانبة قرناء السوء، رقم 2628، 4/ 2026.
57 انظر: التربية الإسلامية أصولها ومنهجها ومعلمها، عاطف السيد ص 53 - 54.أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، النحلاوي ص 205 - 208.
58 أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، النحلاوي ص 81.
59 نضرة النعيم، مجموعة مؤلفين 1/ 149.
60 المصدر السابق 1/ 149.
61 انظر: القدوة الصالحة وأثرها على الفرد والمجتمع، عصام العبد زهد، ص 11 - 12.
62 منهج التربية الإسلامية، محمد قطب 1/ 228.
63 القدوة الصالحة وأثرها على الفرد والمجتمع، عصام العبد ص 12.
64 المصدر السابق ص 13 - 14.
65 انظر: جامع البيان، الطبري 4/ 276.
66 تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص 249.
67 انظر: التفسير البسيط، الواحدي 3/ 320.
68 انظر: جامع البيان، الطبري 4/ 277.
69 مفاتيح الغيب، الرازي 21/ 542.
70 بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 6/ 33.
71 انظر: لباب التأويل، الخازن 3/ 105، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 611.
72 اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 12/ 183.
73 انظر: لباب التأويل، الخازن 3/ 105.
74 انظر: تفسير عبد الرزاق 2/ 169.