فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 2431

وما نراه اليوم من فعل بني جلدتنا ممن يدعون أنهم مسلمون من التضرع لقبور الأولياء والصاحين، والتمسح بقبورهم، ودعائهم من دون الله لجلب منفعة أو دفع ضر، ليس إلا صورة من صور الشرك بالله فهذه القبور لا تستجيب لهم، ولا تملك لنفسها فضلًا عن غيرها الشر أو الخير، تمسكوا بعادات وتقاليد آبائهم الفاسدة الضالة؛ فضلوا وأضلوا من بعدهم.

ثالثًا: المعبودات من دون الله عبيد لله تعالى:

إن مقياس الألوهية هو الخلق والتكوين، فإن كان الله هو الخالق المكون فهو المالك لما خلق وكون، وهو وحده المستحق للعبادة سبحانه وتعالى، والله عز وجل مالك السماوات والأرض وخالقهما، وخالق الإنسان فكيف يعبد غيره؟!؛ ولذا قال جل جلاله مستنكرًا ما عليه الضالون ممن أشركوا بالله عز وجل غيره من المخلوقات أو الجمادات.

قال تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 191 - 192] .

وهنا استنكار وتجهيل على المشركين، أيشركون به سبحانه وتعالى وهو الخالق لهم ولكل شيء، ما لا يخلق شيئًا من الأشياء مهما يكن صغيرًا أو حقيرًا؟!

إن هذه الأصنام التي تعبد من دون الله مخلوقة ومصنوعة، فكيف يليق بذي العقل السليم التنازل عن عقولهم، وجعل المخلوق العاجز الذي لا يملك لنفسه أي مقومات الحياة شريكًا لله سبحانه وتعالى الخالق القادر المصور؟! 36.

ففي الآية تدرج ومراحل للوصول إلى الحقيقة، ويتحدث عن ذلك الشيخ الشعراوي قائلًا: «فأول مرحلة عرفهم أن الأصنام لا تخلق، وثاني مرحلة عرفهم أنهم هم أنفسهم مخلوقون، والأصنام لا تقدر على نصرهم، إذن فهم معطلون من كل ناحية؛ لأنهم لا يخلقون، وهذا أول عجز، ومن ناحية أخرى أنهم يخلقون وهذا عجز آخر، لكن بعد هذا العجز الأول والعجز الثاني فهل هم قادرون على نصر غيرهم؟» 37.

وتكون النتيجة النهائية لهذه المراحل أن ما يعبد السفهاء عباد مثلهم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 194] .

فهذه الأصنام ليست لها أدنى قدرة إن جاءها من يحطمها، أو يكسرها، أو يسرقها، فهي أضعف من عابديها، والمعبود يجب أن يكون أعلى منكم؛ لتسجدوا له، فكيف تعبدون مثلكم؟! ولماذا تختارونه للعبادة وهو على أكثر تقدير له مثلكم لا فرق بينكم وبينهم؟! فكلكم عبيد لله مملوكون 38.

قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3] .

وفي هذه الآية أيضًا تقريع للمشركين بعبادتهم ما دون الله، وتنبيه لهم على موضع خطأ فعلهم، ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة، ومع ذلك فهي لا تملك دفع ضر عن نفسها ولا جلب منفعة إليها، ولا تملك إماتة ولا إحياء، ولا بعثًا ولا نشورًا، فهذه هي صفتها، فهي لا تستحق العبادة، فكيف يليق بالإنسان أن يعبد مع ربه أحدًا من خلقه، ويتخذ أندادًا يعبدهم من دون الله، ويحبهم كما يحبه، وهم مخلوقون مثله، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض؟! 39.

فهذا من أعجب العجب، وأسفه السفه أن يعطي الله عز وجل للإنسان عقلًا مفكرًا ودلائل ساطعة على أنه الإله الخالق، ويعلم أن الله جل جلاله هو الرازق الخالق المدبر، ثم يشرك به غيره، ويعبد معه آلهة أخرى، لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعًا ولا ضرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت