أولًا: اسمه ونسبه:
يقول الإمام الطبري رحمه الله معرفا بنسب هود عليه السلام بأنه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح 1.
وقال ابن قتيبة عن وهب: «هو هود بن عبدالله بن رياح بن حارث بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح» 2.
ثم قال الطبري: «ومن أهل الأنساب من يزعم أن هودا هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح» 3. وذكره ابن قتيبة على أنه هو المرجح عنده.
والقولان الأول والثاني أوجه من القول الثالث؛ لأن تسميته بما سماه به القرآن الكريم أولى، ولأن الثالث يدل على قرب عهد هود بنوح عليهما السلام، ومثل هذا الزمن القريب يستبعد فيه انتشار الوثنية وعودة الناس إلى الكفر إلى درجة أنهم نسوا ما كان عليه أسلافهم ولم يذكروا إلا أسلافا قد انغمسوا في الكفر، كما أن قبيلة عاد كانت على مستوى من التمكين الذي يقتضي كثرة العدد، ولا يظن أن تكون قد بلغت هذا المبلغ في هذه الفترة الزمنية القصيرة. كما أن هذا القول يخرج نسب هود عليه السلام من قوم عاد ويجعله لا يلتقي معهم إلا في سام بن نوح، والمعلوم أن أخا القوم منهم.
قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [هود:50] .
أي: أخوهم في النسب لا في الدين، وأخو القوم واحد منهم، قال الرازي: «واعلم أنه تعالى وصف هودًا بأنه أخوهم ومعلومٌ أن تلك الأخوة ما كانت في الدين، وإنما كانت في النسب، لأن هودًا كان رجلًا من قبيلة عادٍ، وهذه القبيلة كانت قبيلةً من العرب ونظيره ما يقال للرجل: يا أخا تميمٍ ويا أخا سليمٍ، والمراد رجلٌ منهم» 4.
لهذا فالأمر يدور بين القول الأول والثاني والاختلاف بينهما في اسم الجد الثاني هل اسمه الخلود أم الحارث، ولا يمكن الترجيح بينهما لعدم وثوق المصادر، ولكنهما يقتضيان رجوع نسب هود عليه السلام إلى عاد، وهذا النسب هو المشتهر عند المؤرخين والنسابين وليس عليه دليل قطعي، إلا أن المقطوع به أنه لا يخرج عن الانتساب إلى نوح عليه السلام الأب الثاني للبشرية لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) } [الصافات:77] .
وكان هود عليه السلام رجلا آدم كثير الشعر حسن الوجه 5.
وعاد قبيلة من قبائل العرب التي كانت معلومة للعرب قبل نزول القرآن، «وهي من العرب العاربة ومنهم عادٌ وثمود وطسمٌ وجديسٌ وأميمٌ وجرهمٌ والعماليق وأممٌ آخرون لا يعلمهم إلا الله كانوا قبل الخليل وولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام وفي زمانهم أيضًا» 6.
وسميت عاد نسبة إلى جدها فهي تنتمي إلى عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح، وهي عاد الأولى 7.وأما قبائل ثمود وطسمٌ وجديسٌ وأميمٌ وجرهمٌ والعماليق فتنتمي إلى لاوذ بن إرم بن سام بن نوح 8، ومع أن هذه القبائل أقرب إلى نوح عليه السلام في سلسلة النسب إلا إن الإخباريين يقدمون عادا في الذكر، يعلل ذلك الدكتور جواد علي فيقول: «ولكن الإخباريين يقدمون عادًا على غيرهم، ويبدؤون بهم، وهم عندهم أقدم هذه الأقوام، ويضربون بهم المثل في القدم. ومثلهم في ذلك مثل إخباريي العبرانيين الذين عدوا العمالقة أول الشعوب. ولعل هذه النظرية تكونت عند الجاهليين من قدم عاد وثمود وشهرتهما، وتعزز ذلك من كثرة ورود اسم عاد وثمود في القرآن الكريم واقترانهما في سور عديدة، ولهذا صاروا إذا ذكروا «عادا» ذكروا «ثمودا» بعدها في الترتيب. لذا قدما على بقية الأقوام 9.
وقد لفت الطبري النظر إلى عدم ذكر عاد عند أهل الكتاب إذ قال: «فأما أهل التوراة، فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا ثمود ولا لهود وصالح في التوراة، وأمرهم عند العرب في الشهرة في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم» ، ثم قال: «ولولا كراهة إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لذكرت من شعر شعراء الجاهلية الذي قيل في عادٍ وثمود ما يعلم به صحة ذلك» 10.
وقد استدل الإمام الرازي على أن أخبار العرب البائدة والأمم القريبة من بلاد العرب كانت مشهورة متداولة عند العرب، بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) } [الفجر:6] :أي: «ألم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول وإنما أطلق لفظ الرؤية هاهنا على العلم لأن أخبار عاد وثمود وفرعون كانت منقولة بالتواتر! أما عاد وثمود فقد كانا في بلاد العرب وأما فرعون فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب، وبلاد فرعون أيضًا متصلة بأرض العرب وخبر التواتر يفيد العلم الضروري، الذي يجري مجرى الرؤية في القوة والجلاء والبعد عن الشبهة، فلذلك قال: {أَلَمْ تَرَ} بمعنى: ألم تعلم» 11.
ومما يؤكد عدم علم أهل الكتاب بأخبار العرب «أن المسلمين حينما راجعوا اليهود يسألونهم عن عاد وأمثالهم، أخبروهم بعدم وجود ذكرهم في التوراة. والواقع أن التوراة لا علاقة لها فيهم؛ فأحاديث عاد وثمود وهود وصالح إنما هي أحاديث عربية، توارثوها وتحدث بها الجاهليون، وليس لها ذكر في كتب يهود، ولكن أهل الأخبار ربطوا مع ذلك بينها وبين التوراة، وأوجدوا لها صلةً ونسبًا 12. «وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمل، وبلادهم أخصب البلاد» 13.
ثانيًا: مكانه وزمانه:
المكان والزمان حيزان ضروريان من لوازم الأحداث التي تجري في عالم الإنسان، لأن حياة الإنسان محكومة بالزمان والمكان، ولكن إظهار ذلك وذكره في القصة القرآنية يدور مع الغرض منه. وقد يبينه القرآن بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
ولا سبيل إلى تحديد القرن الذي بعث فيه هود عليه السلام ولا الزمن الذي كانت به عاد تعمر الأرض، بلغة الأرقام لعجز المصادر التاريخية عن ذلك، وتجدد التواريخ الرقمية بين الأمم ونسبيتها، فكل أمة تؤرخ بحدث بارز في تاريخها، وأما مصادر أهل الكتاب مع عدم الثقة بها لما لحقها من التحريف والتبديل فإنها لم تتعرض للحديث عن الأمم التي لا صلة لهم بها، والمصدر الوحيد الذي يركن إليه فيما غمض من تاريخ البشرية هو القرآن الكريم، مع أنه ليس كتاب تاريخ يقصد إلى تأريخ الأحداث بقصد التأريخ فهو كتاب هداية وإرشاد.
ولكن ذلك لا يمنع أن يذكر الأحداث التي تهدف إلى الهداية والعبرة مقترنة بأزمنتها محددا لأوقاتها فهو تنزيل ممن يعلم السر وأخفى، والقرآن الكريم لا يلتزم طريقة محددة في ربط الأحداث بأزمنتها فقد يكون ذلك تصريحا أو تلميحا 14، كأن يربط الأحداث برباط نسبي كما أخبرنا عن زمن قوم عاد بقوله على لسان هود عليه السلام: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69] .
وهذا التعبير يؤدي أغراضا منها؛ التذكير والعبرة 15 ومنها التحديد الزماني من حيث أنهم جاءوا بعد قوم نوح أي: «فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض منهم، لما أهلكهم أبدلكم منهم فيها» 16، ومن الطبيعي أن يكون ذلك بعد أجيال مضى أولها على الإيمان والصلاح من ذرية نوح عليه السلام ومن نجا معه في السفينة، ومضت أجيال حتى ذهبت معالم رسالة نوح عليه السلام وخلفهم خلوف ظهر فيهم الكفر وعبادة الأصنام، وجاءت أجيال لم يعرفوا إلا هذه الأصنام حتى قالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) } [الشعراء:137] .
فلما درست معالم رسالة نوح عليه السلام واحتاجت البشرية إلى من يردها عن الضلال ويهديها إلى الله. وكانت عاد هي القوة المتمكنة ذات النفوذ والسلطان، التي استخلفت في الأرض بعد قوم نوح عليه السلام، عندها أرسل الله تعالى هودا عليه السلام في وسط هذه البيئة التي تمثل في عصرها قمة الحضارة المادية في الأرض.
والمكان كذلك من لوازم الحدث ولكن لا يلتزم القرآن ذكره «إلا إذا كان للمكان وضع خاص يؤثر في سير الحدث أو يبرز ملامحه أو يقيم شواهد العبرة والعظة منه» 17.
أما مكان عاد فقد صرح القرآن به في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف:21] .
والأحقاف على قول ابن كثير: «جبال الرمل، وكانت باليمن بين عمان وحضرموت، بأرضٍ مطلةٍ على البحر يقال لها الشحر، واسم واديهم مغيثٌ» 18.
وقال الحموي: «الأحقاف: جمع حقف من الرمل. والعرب تسمي الرمل المعوج حقافا وأحقافا، واحقوقف الهلال والرمل: إذا اعوج، فهذا هو الظاهر في لغتهم 19 والأحقاف المذكور في الكتاب العزيز: واد بين عمان وأرض مهرة قال ابن إسحاق: الأحقاف رمل فيما بين عمان إلى حضرموت، وقال قتادة: الأحقاف رمال مشرفة على البحر بالشحر من أرض اليمن، وهذه ثلاثة أقوال غير مختلفة في المعنى» 20.أي: أنها تلتقي بمعنى الرمل المعوج وإن اختلفت الأماكن.
وذهب كثير من المفسرين إلى أن {إِرَمَ} في قوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) } [الفجر:7] » اسم موضع، فقالوا: إرم مدينة لهم عظيمة كانت على وجه الدهر باليمن، وقال محمد بن كعب: هي الإسكندرية، وقال سعيد بن المسيب والمقري: هي دمشق، وكذا قال مالك بن أنس بلغني أنها دمشق رواه عنه ابن وهب. وهذان القولان ضعيفان. لدلالة المعنى اللغوي على أن الحقف: ما التوى من الرمل، وليس كذلك دمشق ولا الإسكندرية 21.وإنما يستند أصحاب هذا القول إلى قوله تعالى: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) } الدال على وجود أعمدة، وما في كل من المدينتين من أعمدة أثرية، ولا أرى هذا كافيا لتحديد المكان لكثرة المدن الأثرية التي تكثر فيها الأعمدة. هذا مع احتمال أن تكون ذات العماد صفة ل إرم نفسها والمراد: ذات القدود الطوال على تشبيه قاماتهم بالأعمدة 22، وأما أن تكون مدينة عظيمة كانت في اليمن ولا تزال آثارها موجودة في هذا الوقت فقريب من حيث موافقتها لمعنى الأحقاف وهو ما التوى من الرمل، وقد يكون بين عمان وحضرموت على ما هو المشهور عند المفسرين، ويتعزز ذلك إذا كانت لهم بقايا آثار من المباني التي كانوا يشيدونها على ما شرف من الأرض تدل على أماكن سكناهم وتكون آية على ما حل بهم لقوله تعالى: {وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت:38] .
وعلى ما ذهب إليه أكثر المفسرين من أن {إِرَمَ} عطف بيانٍ لعادٍ 23 فهو تسمية للقبيلة باسم جدها. ولا تعارض بين ذلك وبين أن تكون إرم اسما لمدينتهم على قول السدي: «إن إرم بيت مملكة عادٍ» 24
فيكون التقدير: (أهل إرم) ، أو أن تكون المدينة سميت باسم جدهم. أما المدينة التي يذكرها ابن الجوزي في زاد المسير 25 فلا يعول على خبرها، إذ لو كان لها وجود على تلك الصفة لاشتهر أمرها وما خفي حالها، ولكانت معلما سياحيا يؤمه الناس من كل مكان 26.
ولا بد أن تكون لهم بقايا من المعالم والآثار التي حل عليهم بها العذاب لتكون شاهدة على ما حل بهم كما دل على ذلك قوله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ} [العنكبوت:38] .
قال المفسرون: «يعنى ما وصفه من إهلاكهم من جهة مسكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها» 27، وذلك لظهور آثار العذاب؛ «خرابها وخلاؤها منهم بوقائعنا بهم، وحلول سطوتنا بجميعهم» 28، وكانت معلومة حيث «كان أهل مكة يمرون عليها في أسفارهم فيبصرونها» 29، أي: أن لهم آثارا من المساكن والمباني التي تعد اليوم من المواقع الأثرية.
وذكر المؤرخون «عن «بطلميوس» أن قوم «عاد» ، كانوا يسكنون في الأرضين الشمالية الغربية من جزيرة العرب في منطقة «حسمي» ، أي: في أعالي الحجاز، وعلى مقربة من مناطق ثمود 30، وقالوا: إن المكان الذي ورد عند «بطلميوس» ، وهو «إرم» ، أو «إرم ذات العماد» . ويقال له الآن «رم» وقد أظهرت الحفريات التي قام بها «المعهد الفرنسي» في القدس، تأييد هذا الرأي؛ إذ ورد في الكتابات «النبطية» التي عثر عليها في خرائب معبد اكتشف في «رم» أن اسم الموضع هو «إرم» . فيتضح من ذلك أن هذا الموضع حافظ على اسمه القديم، غير أنه صار يعرف أخيرًا بـ «رم» بدلا من «إرم» .
وفي سنة 1932 قام هورسفيلد من دائرة الآثار في المملكة الأردنية الهاشمية بحفريات في موضع جبل «رم» ، ويقع على مسافة (25) ميلا إلى الشرق من العقبة، ويقع المكان الذي بحث فيه عند وادٍ، وعلى مقربة منه «عين ماء» ، ووجد في جانب الجبل آثارًا جاهلية قديمة. وقد حملت اكتشافاته هذه واكتشافات «سافينياك» واكتشافات كليدن على القول: إن هذا المكان هو موضع «إرم» الوارد ذكره في القرآن، والذي كان قد حل به الخراب قبل الإسلام، فلم يبق منه عند ظهور الإسلام غير عين ماء كان ينزل عليها التجار وأصحاب القوافل الذين يمرون بطريق الشام-مصر-الحجاز» 31.
وهذا القول يتوافق مع ما نسبه بعض المفسرين إلى ابن عباسٍ والضحاك من القول بأن الأحقاف: جبلٌ بالشام 32.
ولعل هذا القول هو الأقرب للواقع لأسباب منها التوافق في المعنى اللغوي فالجبال المجاورة لجبل رم رملية يصدق عليها معنى الأحقاف، ولقربها من ديار ثمود الذين اقترن ذكرهم بعاد في كثير من الآيات، ولذكر ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وناهيك به مرجعا، وللتوافق في الاسم مع المذكور في القرآن الكريم. كما أن مخالفة من يعتد برأيهم للقول الأول كابن عباس والإمام مالك وابن وهب ومحمد بن كعب يدل على عدم القطع به وإن اشتهر بين المفسرين، فمرد شهرته روايته عن ابن اسحق واشتهار كتبه لكونها في بداية عصر التدوين وتعويل من بعده عليها.
ورد ذكر هود عليه السلام في القرآن الكريم (7) مرة، في (3) سور.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة ... الآيات
الأعراف ... 65 - 72
هود ... 50 - 58
الشعراء ... 124 - 140
لم يرد ذكره عليه السلام منفصلًا، بل بسياقات متصلة مع ذكر قومه، كان بعضها بإشارات سريعة، وبعضها بتفصيلات متفاوتة تختلف من سورة إلى سورة، يكمل بعضها بعضا، وبعضها بتعقيبات خاطفة تشير إلى نتائج وخلاصات أو اعتبار، وكل نجم منها جاء متلائما مع سورته متسقا في سياقه، وإليك بيان ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: الآيات التي تحمل الإشارات:
أما الإشارات السريعة؛ وهي التي تعطي ملامح موجزة عن القوم وتمهد وتشوق للتفصيل عن أخبارهم، فكانت في سور الفجر والنجم و (ق) والفرقان والعنكبوت، ففي سورة الفجر يقول: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) } [الفجر:6 - 8] .
وفي سورة النجم قوله تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) } [النجم:50 - 52] .
وفي سورة (ق) قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) } [ق:12 - 14] .
وفي سورة الفرقان قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) } [الفرقان:35 - 39] .
وفي سورة العنكبوت قوله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) } [العنكبوت:38] .
ثانيًا: الآيات التي تحمل التفصيلات:
وهي الآيات التي حملت لنا زخما من أخبار القوم، وجاءت تحمل الكثير من التفاصيل لأحداث القصة، وقد وردت في سور عديدة تعطي بمجموعها الصورة المتكاملة لقصة القوم، مع ملاحظة أن كل نجم من هذه الآيات ورد في سورته متناسبا مع موضوعها متوافقا مع سياقه، وهذه السور هي الأعراف، وهود، والشعراء، وفصلت، والأحقاف، وفي سورة المؤمنون على اختلاف اقوال المفسرين فيمن تتحدث عنهم كما سيأتي بيانه، كما وردت آيات تحمل التفصيل لنهاية القوم وصورة العذاب الذي حل بهم في سور الذاريات، والقمر والحاقة.
ففي سورة الأعراف قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72) } [الأعراف:65 - 72] .
هذه السورة تعالج موضوع «العقيدة من حيث مساره التاريخي في الحياة البشرية كلها مبتدئة بالجنة والملأ الأعلى، وعائدة إلى النقطة التي انطلقت منها وفي هذا المدى المتطاول تعرض موكب الإيمان الكريم من لدن آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو يحمل هذه العقيدة ويمضي بها على مدار التاريخ. يواجه بها البشرية جيلا بعد جيل، وقبيلا بعد قبيل.
ويرسم سياق السورة في تتابعه: كيف استقبلت البشرية هذا الموكب وما معه من الهدى؟ كيف خاطبها هذا الموكب وكيف جاوبته؟ كيف وقف الملأ منها لهذا الموكب بالمرصاد وكيف تخطى هذا الموكب أرصادها ومضى في طريقه إلى الله؟ وكيف كانت عاقبة المكذبين وعاقبة المؤمنين في الدنيا وفي الآخرة» 33.
وجاءت قصة هود عليه السلام مع قومه بعد الفراغ من ذكر قصة نوح عليه السلام مع قومه وما حل بهم من العذاب، ثم تبعتها قصة كل من صالح ولوط وشعيب عليهم السلام مع أقوامهم، مشكلة حلقة مهمة من الحلقات الكبرى في تاريخ البشرية مع أنبيائها كما وعد الله تعالى بإرسالهم آمرا بني آدم باتباعهم محذرا من مخالفتهم وعصيانهم بقوله تبارك وتعالى: {يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) } [الأعراف:35 - 36] .