فهرس الكتاب

الصفحة 408 من 2431

قال ابن كثير: «قال المفسرون: لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صورة شبان حسان، اختبارا من الله تعالى لقوم لوط، وإقامة للحجة عليهم، فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك عند غروب الشمس، فخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشرا من الناس، {سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: شديد بلاؤه، وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدًا» 22.

والظاهر أنه قاله مع نفسه تخوفا مما يترقبه من طيش قومه وعدوانهم على ضيفه مع قلة حيلته أمام قوتهم وكثرتهم واندفاعهم الذي يتوقعه.

وقوله تعالى: {وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) } [الحجر: 67 - 72] .

«وهذه عادة أهل الغفلة، إن جاءهم من يجدون فيه موافقة هواهم، هرعوا إليه مستبشرين، وإن جاء من ينصحهم ويأمرهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه، ومقتوه، وربما أخرجوه من بلدهم» 23، وقوم لوط جاءوا يطيرون فرحا واهمين أنهم سينالون مرادهم الخبيث ويحققون بغيتهم الدنيئة على عادتهم الرديئة.

ثالثًا: موقف قوم لوط عليه السلام من ضيفه:

قال تعالى: {وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) } [هود: 78 - 80] .

لما سمع قوم لوط بقدوم ضيف عليه جاءوا مهرولين إلى بيته، يحث بعضهم بعضا، ويتدافعون صوب بيته. {وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ} فسجلهم حافل بالذنوب والآثام التي صارت لهم ديدنا حتى أدمنوها وهو عليه السلام يعرف ذلك منهم، فهم لا يتورعون عن معصية ولا يتحرجون من منكرٍ؛ مما زاد من خوف لوطٍ عليه السلام وقلقه على ضيفه، فكانت هذه البادرة القبيحة مما ينضاف إلى رصيدهم السابق في الذنوب والعصيان بما جعلها القاصمة وعجل بهلاكهم.

قال ابن كثير: «أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة» 24.

رابعًا: حوار بين لوط وقومه

{قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] .

أدرك عليه السلام الغرض الخبيث الذي جاء من أجله القوم، ورأى أنهم عازمون على هذا الأمر فعرض بناته على قومه لكي يتزوج بعض رجال القوم بهن حلالا طيبا، ويهجروا عادتهم القبيحة المنكرة وهى إتيان الرجال في أدبارهم، فإذا تزوج بعض الرجال بهن فسوف يسير جميع القوم على هذا السنن القويم والنهج المستقيم.

أدرك عليه السلام ذلك فأراد أن يوقظ فيهم داعي الفطرة قبل فوات الأوان، ويبعث فيهم روح النخوة والمروءة والطهارة والكرامة، ويحيي ضمائرهم الميتة ويعمر قلوبهم الخربة، يعمرها بتقوى الله عز وجل التي هي جماع كل خير وأساس كل بر وهى العصمة من كل سوء فقال لهم {هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} [هود: 78] .

عودوا إلى الفطرة السليمة، وأقبلوا على الزواج وانشدوا الحلال الطيب، وأنا أول من يعرض بناته عليكم للزواج.

عرض عليهم أن يتزوجوا ببناته، ولكنهم أبوا وآثروا الفاحشة المنكرة على الحلال الطيب، آثروا الشذوذ والانحراف على الطهر والعفاف، وقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) } [هود: 79] .

قال الإمام الألوسي: «عنوا به قضاء الشهوة: أي ما لنا حاجة في بناتك، يجوز أن يكون المعنى: ما لنا في بناتك نكاح حق؛ لأنك لا ترى جواز نكاحنا للمسلمات وقيل: إنما نفوا أن يكون لهم الحق في بناته؛ لأنهم كانوا قد خطبوهن فردهم وكان من سنتهم أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبدا، وقيل: إنهم لما اتخذوا إتيان الذكور مذهبا كان عندهم هو الحق وأن نكاح الإناث من الباطل فقالوا ما قالوا» 25، {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} أي: تعلم أن بغيتنا ونهمتنا في الرجال لا في النساء.

خامسًا: تمني القوة والمنعة والاعتذار للضيف الكرام

{قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) } [هود: 80] .

ماذا يصنع نبي الله لوط عليه السلام في هذا الموقف العصيب؟ ماذا يفعل؟ ومنطق الحق وحلاوة الإيمان لم تجد الطريق إلى تلك القلوب القاسية والعقول المتحجرة والنفوس الداعية للرذيلة؟ كيف يحمي ضيفه من ذلك الهجوم الغاشم؟ كيف يحفظ كرامتهم؟ ويحميهم من قومه الذين عدموا المروءة والكرامة وانغمسوا في أوحال الشذوذ والانحلال؟

أين يلقى القوة التي تردهم والمنعة التي تصدهم! وهم وراء الباب يتزاحمون عليه ويرومون فتحه بالدفع أو بالكسر؟

ولم يكن عليه السلام يعلم أن هؤلاء الضيوف الذين يذود عنهم بشتى الطرق هم الذين جاءوا ليدافعوا عنه وينزلوا بقومه أشد صنوف العذاب والنكال!

لقد استفرغ لوط عليه السلام ما في وسعه وبذل أقصى جهده في دفع قومه، وصرفهم عن هدفهم الخبيث، ولم يعد في وسعه عليه السلام إلا أن يعتذر لضيفه الكرام ويقول لهم ( {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} .

وفى هذه اللحظة العصيبة تكشف الملائكة عن حقيقتها ومهمتها، قال الإمام القُشيري: «لما ضاق به الأمر كشف الله عنه الضر، فعرف إليه الملائكة» 26.

{قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} بَشَّروه عليه السلام وطمأنوه. {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} أي بجزء من الليل وهو آخره {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} لا يلتفت أحد منكم حتى يرى العذاب المروع الذي ينزل بالمكذبين، وقيل: حتى لا يتعلق قلبه بتلك البلدة، وربما حدثته نفسه بالرجوع إليها والبقاء فيها فيهلك مع الهالكين، وقيل: ليسرعوا في السير؛ لأن من يكثر الالتفات لا يسرع في سيره.

وقال تعالى في سورة الحجر {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) } أمره عليه السلام بأن يسير خلفهم، وأن يمضوا جميعا في الطريق الذي أمروا بالسير فيه وبذلك أخبرت الملائكة لوطا بزمان السير ومكانه وكيفيته ومن يسير معه، وعاقبة المكذبين من قومه وعاقبة امرأته التي تهلك كما يهلك جميع المكذبين {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} .

وفى الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم (ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) 27.

والآية تفيد أنه تمنى وجود القوة والمنعة التي تمكنه من الدفاع عن الحق ومحاربة الباطل والقضاء على الانحراف والذود عن الأضياف.

أما الحديث فإنه يدل على أنه عليه السلام كان يأوي إلى ركن شديد، وهذا هو المناسب لحال الأنبياء - عليهم السلام - الذين وصلوا إلى أعلى درجات المعرفة و أسمى مقامات التوكل واليقين برب العالمين، وطلبه عليه السلام للقوة والمنعة لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب؛ لأنه لا بد للحق من قوة تحميه.

يقول ابن حزم الظاهري في الفصل «ولا جناح على لوط عليه السلام في طلب قوة من الناس فقد قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] .

وقال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] .

ولقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المنعة من الأنصار حتى يبلغ كلام ربه 28.

وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أن لوطا كان يأوي إلى ركن شديد، يعنى الملائكة الكرام الذين أرسلهم الله تعالى لحمايته ونصرته ولم يكن لوط عليه السلام يعلم بذلك، ومن اعتقد أن لوطا كان يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر؛ إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضا ظن سخيف؛ إذ من الممتنع أن يَظُنَّ برب أراه المعجزات وهو دائب يدعو إليه هذا الظن» 29.

وقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم: «وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد) فالمراد بالركن الشديد هو الله سبحانه وتعالى، فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها ومعنى الحديث - والله أعلم - أن لوطا عليه السلام لما خاف على أضيافه ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه واشتد حزنه عليهم فغلب ذلك عليه فقال في ذلك الحال: لو أن لي بكم قوة في الدفع بنفسي، أو آوي أي: إلى عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد لوط عليه السلام إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله، وأنه بذل ما في وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم ولم يكن ذلك إعراضا منه عليه السلام عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لِما ذكرناه من تطييب قلوب الأضياف.

ويقال: إن قوم لوط لم يكن منهم أحد يجتمع معه في نسب لأنهم من سدوم، وهو من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام هاجر معه لوط فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن ضيفانى» 30.

كشفت الملائكة الكرام للوط عليه السلام عن حقيقتهم ومهمتهم التي أرسلوا من أجلها فقالوا للوط - عليه السلام كما أخبر القرآن الكريم في سورة هود: {قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) } .

وفى سورة الحجر يقول تعالى: {قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) } .

بَشَّروه عليه السلام بنجاته هو ومن آمن به من أهل بيته وهلاك قومه الذين كذبوا به وأعرضوا عنه، وخرج لوط عليه السلام في جنح الظلام مع أهل بيته، وسار من ورائهم حتى لا يتخلفَ منهم أحد فينالَه العذاب، وسار الجميعُ في الطريق الذي أمروا بالسير فيه، ولم يتلفت منهم أحدٌ إلا امرأة لوط التي التفتت نحو القرية فأصابها ما أصاب قومها من العذاب.

قال عز وجل: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) } [الأعراف: 83] .

{قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) } [الحجر: 58 - 60] .

{فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) } [الشعراء: 170 - 171] .

أي: في الهالكين، لما كانت منهم نالت مصيرهم الذي قدره الله تعالى لها.

وفي سورة الأنبياء في سياق الحديث عن مِنَنِ الله على أنبيائه ورعايته لهم قال تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) } [الأنبياء: 74 - 75] .

عصمه الله تعالى بما آتاه من حِكَمٍ وعلم وثبته أمام هذا الابتلاء العظيم، ثم خلصه من تلك القرية التي غلب عليها الخبث وطغى عليها الفساق، وأدخله الله في رحمته لينال جزاء صبره وثباته سعادةً وفلاحًا في الدنيا وصلاح بال وقرة عين وعيش هنيءٍ.

قال الرازي: إنه عليه السلام لما آتاه الله الحكم والعلم وتخلص عن جلساء السوء فُتِحت عليه أبواب المكاشفات، وتجلت له أنوار الإلهية وهي بحر لا ساحل له وهي الرحمة في الحقيقة 31.

وقال البقاعي: « {وَأَدْخَلْنَاهُ} أي دونهم بعظمتنا {فِي رَحْمَتِنَا} أي في الأحوال السنية، والأقوال العلية، والأفعال الزكية، التي هي سبب الرحمة العظمى ومسببة عنها، ثم علل ذلك بقوله: {إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: لما جلبناه عليه من الخير» 32.

وقال القشيري: «أكمل له الأنعام بعصمته من مثل ما امتحن به قومه، ثم بخلاصه منهم بإخراجه إياه من بينهم، فميزه عنهم ظاهرا وباطنا» 33.

وقال السعدي: « {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا} التي من دخلها كان من الآمنين، من جميع المخاوف، النائلين كل خير وسعادة وبر، وسرور وثناء، وذلك لأنه من الصالحين، الذين صلحت أعمالهم وزكت أحوالهم، وأصلح الله فاسدهم، والصلاح هو السبب لدخول العبد برحمة الله، كما أن الفساد سبب لحرمانه الرحمة والخير، وأعظم الناس صلاحا الأنبياء عليهم السلام 34.

وفى سورة الذاريات يقول عز وجل: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) } هو بيت لوط عليه السلام، قال مجاهد: لوط وابنتاه، وصفوا بالإيمان والإسلام لتصديقهم الباطني والتزامهم وانقيادهم الظاهري، فجمع الله تعالى لهم بين الإيمان والإسلام، وعلى هذا فإنه لم يؤمن بلوط عليه السلام سوى بناته وقد نجاهن الله مع أبيهن نبي الله عليه السلام.

تحدث القرآن الكريم حديثا مفصلا عن صنوف العذاب التي حلت بقوم لوط عليه السلام، فلقد طَمِسَتْ أعينًهم حين راودوا لوطا عليه السلام عن ضيفه، وقًلبت قراهم فجعل عاليها سافلها، وأمطروا بحجارة من سجيل منضود، وأخذتهم الصيحة فهلكوا جميعًا.

يقول المولى عز وجل في سورة القمر: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) } [القمر: 37 - 39] .

قال القرطبي في تفسيره: «قال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار وهو يناظر قومه ويناشدهم من وراء الباب وهم يعالجون تسور الجدران، أو كسر الباب أو دفعه بالقوة، فلما رأت الملائكة ما لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم قالوا: يا لوط إن ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم جبريل بجناحه وقيل: أخذ جبريل قبضة من تراب فأذراها في وجوههم» 35.

قلبت قراهم فصار عاليها سافلها كما قال عز وجل: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [هود: 81] .

قال الحافظ ابن حجر: «أهلكهم الله عز وجل على يد جبريل فقلب مدائنهم بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته إلا امرأته فإنها تأخرت مع قومها، أو خرجت مع لوط فأدركها العذاب فقلب جبريل المدائن بطرف جناحه، فصار عاليها سافلها، وصار مكانها بحيرة منتنة لا يُنتفع بمائها ولا بشيء مما حولها» 36.

ويقول عز وجل: {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) } [النجم:53 - 54] .

والمؤتفكة هي: قرى قوم لوط، سدوم وما حولها: وسميت بالمؤتفكة؛ لأنها انقلبت رأسا على عقب، والإفك هو صرف الشيء عن وجهه، {وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى} : قيل دفعها جبريل بيده بعد أن اقتلعها ثم أهواها إلى الأرض: أي أسقطها {فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى} تهويل وتعظيم لما أصابها وعَمَّها وغمرها من عذاب مهين أليم.

وقال تعالى: {وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) } [الحاقة: 9 - 10] .

{وَالْمُؤْتَفِكَاتُ} أي: قرى قوم لوط {بِالْخَاطِئَةِ} أي بالخطايا الشنيعة، {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً} أخذة شديدة زائدة في الشدة كما زادت قبائحهم في القبح، يقال: ربا الشيء يربو: إذا ازداد ومن بدائع اللطائف القرآنية قوله تعالى {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ} فهُم قد عصوا رسلا كثيرا، ولكن لما كانت دعوة الرسل واحدة ومصدرهم واحد وهو الوحي وغايتهم واحدة كانوا جميعا كرسول واحد يمثل حقيقة واحدة.

ويقول المولى عز وجل عن عذاب قوم لوط: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) } [العنكبوت:34 - 35] .

والرجز هو العذاب من قولهم: ارتجز إذا اضطرب، وذلك لِما يلحق المعذب من قلق واضطراب وجزع وهلع، وفى هذه الآية إشارة إلى الحالة النفسية التي لازمت قوم لوط حين عاينوا العذاب وحل بهم؛ بسبب ما كانوا عليه من الفسق، فالعذاب الذي حاق بهم عذاب حسي ومعنوى.

ويقول تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) } [هود: 82 - 83] .

والسجيل: الحجارة الصلبة، قال قتادة وعكرمة: السجيل: الطين بدليل قوله تعالى: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ} فهو الطين الذي جف وأصبح صلبا شديد الصلابة، وقال الحسن: والسجيل عند العرب كل شديد صلب 37.

(والمنضود) هو المتواصل المتتابع كطلقات المدافع، قد أعد لعذابهم، والمسومة: هي مالها علامة مميزة، وقيل: مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به، فهي مصوبةٌ موجهةٌ بدقةٍ متناهية.

ويقول سبحانه: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) } [القمر:34] .

وقال القرطبي: «أي: ريحا ترميهم بالحصباء وهى الحصى» 38.

ويحتمل أن تكون الحصباء هي الحجارة المشار إليها في قوله تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ} وهذه الحجارة قذفتها الملائكة وحملتها الرياح حتى بلغت أهدافها، والرياح جند من جنود الله عز وجل، ويحتمل أن تكون الحصباء غير الحجارة المشار إليها، وبهذا يكون قد اجتمع على قوم لوط صنفان من العذاب: إرسال الحصباء عليهم بواسطة الرياح التي تثيرها وتحملها، وإمطار السماء عليهم بحجارة من سجيل منضود سريعة متتابعة مسومة لا تخطئ أهدافها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت