فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 2431

وفي ذلك تنويه بصدق البكائين وإخلاصهم وعلو مكانتهم عند الله.

رابعًا: البكاء بسبب نزول المصائب وتتالي الأحزان:

من أسباب البكاء الواردة في القرآن الكريم الحزن الشديد على فقد حبيب من الأحبة، وهذا كان حال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام؛ فقد فجع بفقد ولده يوسف عليه السلام، وظل يندبه لسنين طويلة، ثم تتالت عليه الأحزان بفقد ابنه الآخر، فثوى إلى معزل، واستأنف البكاء والتفجع حتى ابيضت عيناه.

قال الله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) } [يوسف:84] . والأسف أشد الحزن.

قال البقاعي: « {يَاأَسَفَا} أي يا أشد حزني، والألف بدل عن ياء الإضافة، لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد له» 48.

وهذا الحزن الشديد الطويل تسبب في ابيضاض عيني يعقوب عليه السلام، أي في إصابتها بالعمى، لأن الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى؛ وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى؛ لأنه يورث كدورة في سوداء العين.

قال الزمخشري: «إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين، وقلبته إلى بياض كدر» 49، لأن توالي إحساس الحزن على الدماغ يفضي إلى تعطيل عمل عصب الإبصار 50.

وهذا العمى حقيقي- كما قرره جمهور المفسرين- وليس مجرد امتلاء العين بالماء، لغلبة البكاء فتصير كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، لأن الله عز وجل حكى عن يوسف أنه قال لإخوته: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا} [يوسف:93] .

وقال تعالى كذلك: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96) } [يوسف:96] .

و ورد {وَالْبَصِيرُ} مقابلا {الْأَعْمَى} في آيات القرآن الكريم، ومنه قول الله تعالى: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) } [فاطر:19] .

قال ابن جرير: «وقوله: {فَارْتَدَّ بَصِيرًا} رجع وعاد مبصرًا بعينيه، بعد ما قد عمي» 51.

وقال ابن كثير: «وكان قد عمي من كثرة البكاء» 52.

وقال ابن عاشور: «وعندي أن ابيضاض العينين كناية عن عدم الإبصار» 53.

ولا يتعارض هذا مع القول بعصمة الأنبياء، واستحالة اتصافهم بما ينفر، أو يمنع من التبليغ؛ لأن بياض عيني يعقوب حصل بعد التبليغ؛ و لم يكن أصليا في خلقته؛ بل عرض له، وهو من البلاء الذي يشتد على الأنبياء؛ لرفعة قدرهم، وعلو شأنهم عند الله تعالى، والله تعالى أعلم.

وابيضاض عيني يعقوب عليه السلام ليس بسبب الحزن، ولكن بسبب توالي البكاء، فقوله {مِنَ الْحُزْنِ} تعليل بالأصل الذي نشأ منه البكاء وهو الحزن 54.

ويستفاد من قصة يعقوب وحزنه على ولده يوسف، جواز التأسف والبكاء عند النوائب؛ فإن الكف عن ذلك مما لا يدخل تحت التكليف؛ فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم، وقال: (إن العين تدمع، و القلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) 55.

خامسًا: بكاء الحسرة والندم ونزول العذاب:

توعد الله المنافقين بالبكاء المرير يوم القيامة، حسرة على تضييع حدود الله، وندامة على اتخاذ آياته هزؤا، ومعاقبة لهم على تخلفهم عن رسول الله، وفرحهم بخذلان المؤمنين.

قال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) } [التوبة:81 - 82] .

عن ابن عباس قال: «الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا {وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله، استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا» 56.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا} ، قال: «يضحكوا قليلًا في الدنيا، وليبكوا كثيرًا في الآخرة في نار جهنم، جزاء ما كانوا يكسبون» 57.

فالآيات القرآنية السابقة إذن متضمنة إخبارًا بحقيقة ضحك وبكاء المنافقين، فإنهم مهما ضحكوا وتمتعوا في هذه الدنيا، فإن ذلك يعد قليلًا، بالنظر إلى ما ينتظرهم من عذاب الآخرة، وما يعقبه من حسرة وبكاء دائم، لأن الدنيا «دار قلعة وزوال وانزعاج وارتحال» 58، أما الآخرة فهي دار قرار ومقام وخلود.

وقد أخرج هذا الإخبار من الله تعالى بما سيؤول إليه حال المنافقين على صيغة الأمر، للدلالة على أنه حتم واجب.

قال رشيد رضا: «وإنما كان الأمر في الآية بمعنى الخبر؛ لأنه إنذار بالجزاء لا تكليف، وقد قيل في فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإنشاء أنه يدل على أنه حتم لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته في احتمالهما، لأن الأصل في الأمر أن يكون للإيجاب وهو حتم؛ ويمكن أن يقال: إن الأمر بما ذكر يتضمن الإخبار بسببه؛ فيكون مؤكدا للخبر ببناء الحكم عليه، ويقابله التعبير عن الأمر بصيغة الخبر للتفاؤل بمضمونه كأنه وقع بالفعل» 59.

ويستفاد من هذا الوعيد الموجه للمنافقين أنهم لن يطيب لهم فيها عيش بعد أن هتك الوحي أستارهم، وكشف عوارهم، وأمر الرسول والمؤمنون بمعاملتهم بما يقتضيه نفاقهم، وعدم الاعتداد بما يظهرون من إسلامهم، وأن فرحهم عاقبته الحزن والكآبة، والخيبة والندامة، في الدنيا ويوم القيامة 60.

في سياق هذا الوعيد أيضًا نفهم بعض الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم التي يأمر فيها بالإكثار من البكاء والتقليل من الفرح، كقوله عليه الصلاة والسلام: (لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا) 61.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) 62.

سادسًا: البكاء بسبب الكذب والمخادعة:

قال الله تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) } [يوسف:16] .

هذا كان شأن أبناء يعقوب لما ألقوا أخاهم يوسف في غيابات الجب، جاءوا أباهم باكين أو متباكين، ومعهم قميصه مضمخا بالدماء؛ ليوهموه أنهم صادقون في نسبة افتراسه للذئب؛ ولأنهم كاذبون، فقد «جاءوا في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب» 63.

والعشاء محل الظلمة، وهو ستر للانفعالات التي توجد على الوجوه من الاضطراب؛ ومن مناقضة كذب ألسنتهم؛ لأنهم لن يخبروا الأب بالواقع الذي حدث؛ بل بحديث مختلق، وقد تخدعهم حركاتهم، ويفضحهم تلجلجهم، وتنكشف سيماهم الكاذبة أمام أبيهم؛ فقالوا: الليل أخفى للوجه من النهار، وأستر للفضائح؛ وحين ندخل على أبينا عشاء؛ فلن تكشفنا انفعالاتنا؛ وبذلك اختاروا الظرف الزمني الذي يتوارون فيه من أحداثهم 64.

وإذا كان البكاء انفعالًا غريزيًا يسيل معه الدمع من العينين عند ورود باعثه على القلب، فقد أطلق هنا على البكاء المصطنع وهو التباكي، «وإنما اصطنعوا البكاء تمويها على أبيهم لئلا يظن بهم أنهم اغتالوا يوسف عليه السلام، ولعلهم كانت لهم مقدرة على البكاء مع عدم وجدان موجبه، وفي الناس عجائب من التمويه والكيد» 65.

ويستفاد من تباكي إخوة يوسف أمام أبيهم يعقوب عليه السلام أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله؛ لاحتمال أن يكون تصنعا 66.

عدد ابن قيم الجوزية في كتابه (زاد المعاد) أنواع البكاء، وحصرها في عشرة أنواع:

أحدها: بكاء الرحمة والرقة.

والثاني: بكاء الخوف والخشية.

والثالث: بكاء المحبة والشوق.

والرابع: بكاء الفرح والسرور.

والخامس: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.

والسادس: بكاء الحزن.

والسابع: بكاء الخور والضعف.

والثامن: بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين، والقلب قاسٍ.

والتاسع: البكاء المستعار والمستأجر عليه؛ كبكاء النائحة بالأجرة، فإنها- كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه-: «تبيع عَبْرَتَها، وتبكي شجو غيرها» .

والعاشر: بكاء الموافقة، وهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر ورد عليهم، فيبكي معهم، ولا يدري لأي شيء يبكون؛ ولكن يراهم يبكون، فيبكي 67.

ترى ما أنواع البكاء الواردة في القرآن الكريم؟

تبين من المبحث السابق أن أسباب البكاء في القرآن الكريم متعددة، و لا يخفى أن كل سبب من هذه الأسباب يرتبط به نوع أو أكثر من أنواع البكاء، فإذا كان سبب البكاء- على سبيل التمثيل- تأثرًا بسماع القرآن ومواعظه كان البكاء بكاء خشية أو خشوع أو فرح ... وإذا كان السبب حزنا، كان البكاء من جنسه، إما بكاء حسرة وندم، أو بكاء تألم وكرب ...

وعمومًا يمكن تقسيم أنواع البكاء الواردة في القرآن الكريم باعتبارات متعددة:

أولًا: باعتبار السبب الباعث عليه:

يمكن ترتيب البكاء الوارد في القرآن الكريم باعتبار السبب الباعث عليه والجالب له إلى الأنواع الآتية:

1.بكاء الفرح.

البكاء الناشئ عن سرور القلب وبهجة النفس وانشراح الصدر.

2.بكاء الخشوع والإنابة.

وهو بكاء الأنبياء والرسل والصالحين والمهديين والمجتبين.

قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) } [مريم:58] .

و هو أيضًا بكاء الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) } [الإسراء:107 - 108] .

3.بكاء معرفة الحق.

وهو بكاء العارفين بالله تعالى، العالمين بأمره، المسارعين إلى مغفرته ورضوانه حينما تتجلى لهم الحقائق، وتلوح لهم البصائر.

و يأتي الموقف الذي حكاه الله تعالى عن بعض قساوسة ورهبان النصارى صورة مجلية لهذا النوع من البكاء، إذ لما سمعوا بينات القرآن وبصائره تتلى عليهم، فاضت أعينهم فرحًا وانشراحًا وحبورًا.

قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) } [المائدة:82 - 83] .

4.بكاء الحزن.

حينما تشتد الأحزان على القلب وتتوالى عليه المصائب وتنزل به الكروب، يفيض الدمع، ويبكي المحزون والمكروب، ويتخذ هذا النوع من البكاء صورا في القرآن الكريم منها:

-بكاء الحزن على فقد محبوب.

وأدق مثال له بكاء يعقوب عليه السلام على فقد فلذة كبده يوسف عليه السلام، فقد بكاه حتى شرق بماء دمعه، وشحب وجهه، وتقرحت أجفانه.

قال تعالى حكاية لشأنه: (وَتَوَلَّى? عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى? عَلَى? يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ?84?) [يوسف:84] .

ويمكن عد هذا البكاء أيضًا بكاء شوقٍ وحنينٍ للقاء المحبوب.

-بكاء الحزن على فوات مرغوب.

وأغلى مرغوب للمؤمن تحصيل الطاعات وعمل الصالحات، فإذا فاته شيئ من ذلك -لعجزه عنه مع حبه واشتياقه إليه- لم يجد ما يعبر به عن هذا الفوات إلا بإسبال العبرة و إذراء الدمعة، كما صنع البكاؤون لما فاتهم شرف الخروج مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجهاد، قال عز وجل: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) } [التوبة:92] .

5.بكاء الحسرة والندم على التفريط في جنب الله.

وهذا بكاء المنافقين المستهزئين بالحق، والمعرضين عن سبيل الله، يكثر بكاؤهم ويطول يوم القيامة، كما كثر فرحهم وتخلفهم في الدنيا، قال الحق سبحانه وتعالى منذرا ومخبرا بمصيرهم: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) } [التوبة:82] .

6.البكاء المصطنع.

وهو بكاء مفتعل، لم يصدر على السجية، ولم يبعث عليه باعث مقبول من فرح أو حزن، وإنما هو دمعة مختلقة، وعبرة مصطنعة، غايتها التضليل والخداع، وإخفاء الحقيقة؛ كما هو حال بكاء إخوة يوسف، وقد أضاعوا أخاهم، وجاؤوا على قميصه بدم كذب، قال الله تعالى: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) } [يوسف:16] .

7.بكاء السماء والأرض.

قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) } [الدخان:29] .

نفت هذه الآية أن تكون السماء والأرض بكت على قوم فرعون، فاقتضى أن للسماء والأرض بكاء.

واختلف المتأولون في معنى ذلك، فحمله قوم على الحقيقة، وقالوا: إن الرجل المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض موضع عبادته أربعين صباحًا، وبكى عليه من السماء موضع صعود عمله، ولم يكن في قوم فرعون من هذه حاله.

وممن ذهب إلى هذا القول: علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير 68.

وقال ابن عطية: «والمعنى الجيد في الآية أنها استعارة باهية فصيحة تتضمن تحقير أمرهم، وأنهم لم يتغير عن هلاكهم شيء، وهذا نحو قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم:46] » 69.

ورجح القرطبي: القول الذي يحمل بكاء السماء والأرض على الحقيقة، إذ لا استحالة في ذلك، وكما أن السماوات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم ... فهي كذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك 70.

فإذا كان الأمر كذلك، لم نحتج إلى تكلف كيفية هذا البكاء، كما فعله بعض المفسرين، لأن ذلك يتوقف على الخبر الصحيح المرفوع.

ويتحصل لنا من هذه الآية أن الدموع رحمة لا يستحقها إلا المطيعون والمخبتون، ولو صدرت من السماء والأرض.

ثانيًا: باعتبار القصد:

يقسم البكاء باعتبار قصد الباكي إلى قسمين:

1.البكاء الممدوح.

وهو البكاء المحمود المشروع الذي يكون قصد صاحبه مشروعا وحسنا، «كالبكاء من خشية الله تعالى، وخوفا منه، وطمعا في رحمته، أو البكاء من سماع القرآن وما فيه بعد تدبره وتأمله، أو البكاء لمعنى إنساني نبيل؛ كما فعل سيد البشر صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم» 71.

2.البكاء المذموم.

وهو ما كان قصد صاحبه سيئا ومنكرا، مثل «بكاء التصنع وما فيه، سواء أكان ذلك لإثبات صدق قول أم دعوى أم ما إلى ذلك، كما فعل إخوة يوسف، فهذا من البكاء المذموم؛ لأنه لا يكاد يدل على صدق الإنسان في فعله أو فعاله» 72.

ثالثًا: باعتبار الموافقة أو المخالفة للشرع:

ينقسم البكاء باعتبار الموافقة والمخالفة إلى:

1.بكاء موافق.

وهو ما كان الباعث عليه أمرا فطريا مقبولا، وكان القصد منه محمودا، و صدر عن صاحبه موافقا لشرع الله، ومنسجما مع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2.بكاء مخالف.

وهو البكاء الذي اختل فيه شرط إما في سببه، أو في قصد صاحبه، أو في كيفية وقوعه، ويدخل في ذلك البكاء النابع من تسخط النعمة، وعدم الرضا بالمقدور، أو كان قصد صاحبه إبطال الحق، وخداع الناظرين إليه، أو كان بكاء مقرونا بالعويل والصياح المنكر كما يفعله «جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير، ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير» 73.

فوائد البكاء كثيرة، واستقصاؤها جميعا ليس من مقاصد هذا البحث، وحسبي أن أورد نماذج منها، مرتبة في محورين هما:

أولا: كيفية حدوث البكاء وفوائده الجسدية:

تتكون الدموع من ثلاثة مكونات:

1.الزيت.

2.الماء.

3.المخاط.

كما تحتوي الدموع على مواد معروفة باسم الأجسام المضادة التي تحمي من العدوى.

تصنع الدموع من قبل جهاز من الغدد والقنوات الخاصة تتوضع حول العينين، يعرف باسم الجهاز الدمعي.

توجد الغدد الدمعية، أو الغدد المنتجة للدمع:

تنتقل الدموع من الغدد الدمعية إلى سطح العينين عبر قنوات صغيرة، كما أن هناك دورًا للجفون في الحفاظ على رطوبة العينين بنشر الدموع على امتداد العينين.

تصرف الدموع من العينين عبر ثقوب صغيرة جدًا اسمها النقاط الدمعية، وتعرف تلك الثقوب الصغيرة جدًا أيضًا باسم قنوات الدمع؛ وهي تتوضع عند الجفنين العلوي والسفلي، وتدخل الدموع من النقاط إلى أنابيب صغيرة اسمها النفيقات، توجد تلك الأنابيب عند الزاوية الداخلية للجفنين، ومن هناك، تعبر الدموع إلى كيس الدمع؛ يقع كيس الدمع بجوار الزاوية الداخلية للعينين (الموق) ؛ بين العينين والأنف. عندما تطرف العين، تجبر الحركة كيسي الدمع على الانضغاط؛ وهذا يعصر الدموع لخارج كيسي الدمع، ويحركها بعيدًا عن العينين، ولداخل القناة الأنفية الدمعية.

تصرف القناة الأنفية الدمعية الدمع إلى مؤخرة الأنف، وتعرف القناة الأنفية الدمعية والقنوات الدمعية أيضًا باسم قنوات الدمع 74.

بعد هذا السرد الفيزيولوجي التشريحي، نجمل بعض الفوائد الصحية العضوية للدموع فيما يأتي:

ثانيًا: الفوائد النفسية و الروحية للبكاء:

الفوائد الروحية المعدودة في هذا المطلب مستندة إلى نصوص شرعية من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهي غيض من فيض، غايته التمثيل الباعث على الامتثال وسلوك هدي الشرع في البكاء:

1.البكاء دليل الصدق والإخلاص.

أوضح مثال لذلك دموع البكائين المشار إليهم آنفًا التي فاضت شوقا للجهاد في سبيل الله، وتحسرا على فوات الطاعة.

2.البكاء من سمات الخاشعين، ومن علامات الخائفين.

ولقد حكى الله تعالى عن أنبيائه عليهم الصلاة و السلام أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن، خشعت قلوبهم، واهتزت جوارحهم، فخروا على أذقانهم ساجدين لعظمة الله، باكين من خوفه تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58] .

وكذلك يفعل المنعم عليهم من العلماء، والصالحين، والعارفين: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء:107 - 109] .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي حتى يسمع لصوته أزيز؛ فعن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه، قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء) 76.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «لَأَنْ أَدْمَعَ دمعةً من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينارٍ» 77.

3.البكاء دليل المعرفة و التبصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت