فهرس الكتاب

الصفحة 952 من 2431

قرئ بكسر القاف، من الوقار أو القرار في الموضع، وأما القراءة بالفتح 51، فمن القرار في الموضع، وهو الأرجح، لأن سودة رضي الله عنها قيل لها: لم لا تخرجين؟ فقالت: «أمرنا الله بأن نقرّ في بيوتنا» 52.

وهو أمرٌ لهنّ من الوقار والقرار جميعًا 53، أي: لا تتكسّرن ولا تتغنّجن.

ويحتمل أن يكون المراد لا تظهرن زينتكن 54.

وعن قتادة: (( إذا خرجتن من بيوتكن، قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج وتبختر، يعني بذلك الجاهلية الأولى، فنهاهن الله عن ذلك ) ).

وقيل التبرج: هو إظهار الزينة، وإبراز المرأة محاسنها للرجال 55، أو أنها تلقي الخمار عن رأسها ولا تشده فيرى قرطها وقلائدها، والجاهلية الأولى: قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم.

أمرهن أيضًا بالعفة، وأمر بضرب الحجاب عليهن، {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33] .

يعني الإثم الذي نهاهن عنه في هذه الآيات.

حدّ الله عز وجل حدودًا وشرع عقابًا رادعًا وزاجرًا لكل جريمة، يتناسب مع طبيعة هذه الجريمة كمًا وكيفًا

، ذلك أن الله عز وجل حفظ على المسلم نفسه وماله وعرضه، فما كان فيه تعد على أيٍّ منها كانت العقوبة، وإن العظمة في التشريع الإسلامي أنه وضع العلاجات الوقائية للجريمة المانعة من وقوعها، قبل أن تقع، ولذلك لما حرم الله هذه الجريمة النكراء الزنا، فقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء:32] . نهى عن مقدماتها وكل ما يؤدي إلى الوقوع فيها 56.

وفيما يلي أمور وقائية لعلاج هذه الجريمة:

قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) } [النور:2] .

إن الحد عقوبة تجمع بين الإيلام الخفيف والاستصلاح، أما الإيلام فلقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} فسميت العقوبة عذابًا، ويراد من هذه العقوبة أيضًا الزجر والإصلاح لأنه يمكن أن يراد من العذاب: ما يمنع المعاودة كالنكال، فيكون الغرض منه الاستصلاح 57.

{وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} أي: ليكون عليهم أشدّ، وليكون تخويفًا لمتعاطي ذلك الفعل، ثم من حقّ الذين يشهدون ذلك الموضع أن يتذكروا عظيم نعمة الله عليهم أنهم لم يفعلوا مثله، وكيف عصمهم من ذلك، وإن جرى منهم شيء من ذلك يذكروا عظيم نعمة الله عليهم كيف ستر عليهم ولم يفضحهم، ولم يقمهم في الموضع الذي أقام فيه هذا المبتلى به 58.

كان حد الزانيين في أول الإسلام ما جاء في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) } [النساء:15 - 16] .

فكان حد المرأة الحبس في البيت والأذى بالتعيير، وكان حد الرجل الأذى بالتعيير، إلى أن جعل الله لهن سبيلًا، فأصبح الجلد هو حد البكر من الرجال والنساء، وهو الذي لم يحصن بالزواج، ويوقع عليه متى كان مسلمًا بالغًا عاقلًا حرًا، وأما المحصن وهو من سبق له الوطء في نكاح صحيح وهو مسلم حر بالغ فحده الرجم، وقد ثبت الرجم بالسنة، وثبت الجلد بالقرآن، ولما كان النص القرآني مجملًا وعامًا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم الزانيين المحصنين.

فقد تبين من هذا أن الجلد خاص بغير المحصن، وحديث عبادة بن الصامت: (خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة) 59.

وهناك خلاف فقهي حول الجمع بين الجلد والرجم للمحصن، والجمهور على أنه لا يجمع بين الجلد والرجم، كما أن هناك خلافًا فقهيًا حول تغريب الزاني غير المحصن مع جلده، وحول حد الزاني غير الحر، وهو خلاف طويل لا ندخل في تفصيله هنا، يطلب في موضعه من كتب الفقه، إنما نمضي نحن مع حكمة هذا التشريع، فنرى أن عقوبة المحصن هي الرجم، ذلك أنه قد عرف الطريق الصحيح النظيف وجرّبه، فعدوله عنه إلى الزنا يشي بفساد فطرته وانحرافها، فهو جدير بتشديد العقوبة، بخلاف البكر الغفل، الذي قد يندفع تحت ضغط الميل وهو غرير، كما أن هناك فارق آخر في طبيعة الفعل، فالمحصن ذو تجربة فيه تجعله يتذوقه ويستجيب له بدرجة أعمق مما يتذوقه البكر، فهو حري بعقوبة أشد، والقرآن حين يذكر حد البكر يشدد في الأخذ به، دون تسامح ولا هوادة 60.

وإن تقديم الزانية على الزاني: لأن الزنى في الأغلب يكون بتعرض المرأة للرجل وعرض نفسها عليه بأساليب متنوعة، كما أن مفسدة الزنى وعاره يصيبها أكثر من الرجل، فهي المادة الأصلية في الزنى 61.

يقول الله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) } [النور:3] .

عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول (أو أم مهدون) وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، فأنزل الله: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} 62.

ومما ذكره الواحدي في سبب نزولها: «أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه، كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي، يقال لها عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أنكح عناق؟ قال: فسكت عني، فنزلت: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور:3] .

فقرأ علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (لا تنكحها) » 63.

وقد تكون الآية نزلت في مرثد المذكور، أو في جماعة من فقراء المهاجرين، استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في التزوج ببغايا من الكتابيات والإماء اللائي كن بالمدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية 64.

وظاهر الآية وهذه الروايات تفيد تحريم العفيفة على الزاني، والزانية على العفيف ونكاح المؤمن للزانية ما لم تتب، ونكاح المؤمنة للزاني كذلك 65.

وعن الشّعبيّ، قال: «من زوّج كريمته من فاسقٍ فقد قطع رحمها» 66.

والمسألة خلافية تطلب في كتب الفقه، وعلى أية حال فهي فعلة تعزل فاعلها عن الجماعة المسلمة وتقطع ما بينه وبينها من روابط، وهذه وحدها عقوبة اجتماعية أليمة كعقوبة الجلد أو أشد وقعًا 67.

والمعنى: أن غالب الزناة لا يرغب إلا في الزواج بزانية مثله، وغالب الزواني لا يرغبن إلا في الزواج بزان مثلهن، والمقصود زجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا، وسبب النزول يشهد له 68.

ويقول الله تعالى: {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) } [النور:26] .

«أكثر المفسرين على أن الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات، وكذا الطيبات من القول للطيبين من الناس، وقال الزجاج: ومعناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء» 69.

وذكر أكثر من مفسر أن: النساء الخبيثات للخبيثين من الرجال، وكذا الخبيثون للخبيثات، وكذا الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات، وهو الظاهر 70.

والطّيّبات من الأشخاص هن: المبرّءات من التعريج في أوطان الشهوات، والطيبون من الرجال: الذين هم قائمون بحقّ الحقّ لا يصحبون الخلق إلا للتعفّف، دون استجلاب الشهوات 71.

وقيل: الخبيث من الرجال عبد الله بن أبي بن سلول كلامه في عائشة، والخبيثات من النساء أهل بيته، والطيبات هي عائشة من النساء وأمثالها، والطيبون النبي وقومه 72.

يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) } [النور:4 - 5] .

الرّمي بالزّنا 73، أو قذفهن بالزنى 74.

ويقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) } [النور:23] .

والمحصنات يراد بهن هنا: العفائف، والعفة أعلى معاني الإحصان إذ في طيه الإسلام 75.

وخصهن بالذكر لأن قذفهن أكثر وأشنع من قذف الرجال، ودخل الرجال في ذلك بالمعنى إذ لا فرق بينهم، وأجمع العلماء على أن حكم الرجال والنساء هنا واحد 76.

«إنّ ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات بدون دليل قاطع، يترك المجال فسيحًا لكل من شاء أن يقذف بريئة أو بريئًا بتلك التهمة النكراء ثم يمضي آمنًا! فتصبح الجماعة وتمسي، وإذ أعراضها مجرحة، وسمعتها ملوثة وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام، وإذا كل زوج فيها شاك في زوجه، وكل رجل فيها شاك في أصله، وكل بيت فيها مهدد بالانهيار، وهي حالة من الشك والقلق والريبة لا تطاق، ذلك إلى أن اطراد سماع التهم يوحي إلى النفوس المتحرجة من ارتكاب الفعلة أن جو الجماعة كله ملوث وأن الفعلة فيها شائعة فيقدم عليها من كان يتحرج منها، وتهون في حسه بشاعتها بكثرة تردادها، وشعوره بأن كثيرين غيره يأتونها!

ومن ثم لا تجدي عقوبة الزنا في منع وقوعه، والجماعة تمسي وتصبح وهي تتنفس في ذلك الجو الملوث الموحي بارتكاب الفحشاء، لهذا وصيانة للأعراض من التهجم، وحماية لأصحابها من الآلام الفظيعة التي تصب عليهم، شدد القرآن الكريم في عقوبة القذف، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا ثمانين جلدة، مع إسقاط الشهادة، والوصم بالفسق، والعقوبة الأولى جسدية، والثانية أدبية في وسط الجماعة، ويكفي أن يهدر قول القاذف فلا يؤخذ له بشهادة، وأن يسقط اعتباره بين الناس ويمشي بينهم متهمًا لا يوثق له بكلام! والثالثة دينية فهو منحرف عن الإيمان خارج عن طريقه المستقيم، فيوصف بالفسق، ذلك إلا أن يأتي القاذف بأربعة يشهدون برؤية الفعل، أو بثلاثة معه إن كان قد رآه. فيكون قوله إذن صحيحًا، ويوقع حد الزنا على صاحب الفعلة» 77.

يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) } [النور:27] .

بعد بيان حكم قذف المحصنات وقصة أهل الإفك، ذكر الله تعالى ما يليق بذلك، وهو آداب الدخول إلى البيوت من الاستئذان والسلام، منعًا من الوقوع في التهمة، باقتحام البيوت دون إذن والتسلل إليها، أو حدوث الخلوة التي هي مظنة التهمة أو طريق التهمة التي تذرع بها أهل الإفك للوصول إلى بهتانهم وافترائهم، ومراعاة لأحوال الناس رجالًا ونساءً، الذين لا يريدون لأحد الاطلاع عليها، ولأن النظر والاطلاع على العورات طريق الزنى 78.

كان التشريع لا تدخلوا بيوتًا غيركم حتى يؤذن لكم، وحتى تسلموا على أهل البيت، حتى لا تنظروا إلى عورات غيركم، أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أن امرًا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بعصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح) 79.

ويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: واحدة، فقال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثنتان، قال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ ومرّ، فوجّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال: إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع) 80، فقال عمر: لتأتيني بالبيّنة أو لأعاقبنّك، فانطلق أبو موسى فأتاه بمن سمع ذلك معه 81.

ويقول تعالى أيضًا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) } [النور:58 - 60] .

وهذه الآية فيها بيان استئذان الذين يعيشون في دار واحدة لبعضهم من بعض، فذكر سبحانه وتعالى وجوب الاستئذان في ثلاثة أوقات، هذه الأوقات هي أوقات التجرد من الثياب وكون الناس يكونون في حال لا يرغبون أن يراهم فيها أحد، و بعد هذه الأوقات التي تكون مظنة كشف العورات إشارة إلى أن الإثم يلحق الذين يكشفون عوراتهم ولا يتخذون الأستار، وقاية من أن تنالها الأعين ولو كانت بريئة، وفي ذلك دعوة إلى ضرورة اتخاذ أسباب 82.

وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أستأذن على أمي؟ فقال: (نعم) ، قال الرجل: إني معها في البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استأذن عليها) ، فقال الرجل: إني خادمها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استأذن عليها، أتحبّ أن تراها عريانةً؟) قال: لا، قال: (فاستأذن عليها) 83.

يقول الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:30 - 31] .

قدّم غض الأبصار على حفظ الفروج؛ لأنّ النظر بريد الزنى ورائد الفجور، والبلوى فيه أشدّ وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه 84.

وخص المؤمنين مع تحريمه على غيرهم، لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر، هم أحق من غيرهم بها، وأولى بذلك ممن سواهم 85.

وغض البصر: خفضه كفًّا له عن النظر، ولفظ (من) قد تكون للتبعيض، فالمراد: غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل 86.

وإنّ النظرة الأولى لا يملكها الإنسان وإنّما يغضّ فيما بعد ذلك، لذلك وقع التبعيض، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، والنواظر صوارم مشهورة فاغمدها في غمد الغضّ والحياء من نظر المولى وإلاّ جرحك بها عدوّ الهوى، ولا ترسل بريد النظر فيجلب لقلبك رديء الفكر، غضّ البصر يورث القلب نورًا، وإطلاقه يقدح في القلب نارًا 87.

ومما يجدر الإشارة إليه لما ذكر سبحانه حكم الاستئذان، أتبعه بذكر حكم النظر على العموم، فيندرج تحته غض البصر من المستأذن، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإذن من أجل البصر) 88.

وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه 89.

وعن حذيفة، رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه جل وعز إيمانًا يجد حلاوته في قلبه) 90.

أزكى: الذي هو أفعل التفضيل للمبالغة في أن غض البصر وحفظ الفرج يطهران النفوس من دنس الرذائل، والمفاضلة على سبيل الفرض والتقدير، أو باعتبار ظنهم أن في النظر نفعًا 91.

وأطهر لهم من دنس الريبة وأطيب من التلبس بهذه الدنيئة، {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} في ذلك وعيد لمن لم يغض بصره ويحفظ فرجه 92.

وغض البصر من جانب الرجال أدب نفسي، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام، كما أن فيه إغلاقًا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية، ومحاولة عملية للحيلولة دون وصول السهم المسموم! وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر، أو هو الخطوة التالية لتحكيم الإرادة، ويقظة الرقابة، والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى، ومن ثم يجمع بينهما في آية واحدة بوصفهما سببًا ونتيجة أو باعتبارهما خطوتين متواليتين في عالم الضمير وعالم الواقع 93.

وقيل: من حفظ بصره أورثه الله نورا في بصيرته، أو في قلبه، فإن النظر هو رسول الشيطان إلى تحريك الشهوة، والدعوة إلى الفاحشة، وقدّم الرجال على النساء، لأنهن عورة، والنظر إليهن يدعو إلى الفتنة أكثر من نظرهن إلى الرجال 94.

يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] .

يعني: القناع الذي يكون فوق الخمار وذلك أن المهاجرين قدموا المدينة ومعهم نساؤهم فنزلوا مع الأنصار في ديارهم فضاقت الدور عنهم، وكان النساء يخرجن بالليل إلى النخل فيقضين حوائجهن، فكان المريب يرصد النساء بالليل فيأتيها فيعرض عليها ويغمزها، فإن هويت الجماع أعطاها أجرها وقضى حاجته، وإن كانت عفيفة صاحت فتركها، فذكر نساء المؤمنين ذلك لأزواجهن وما يلقين بالليل من الزناة، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل الآية 95.

وعن مجاهد: «يتجلببن حتى يعلم أنهن حرائر لا يعرض لهن فاسق بأذى من قول أو ريبة» 96.

وكان المنافقون هم الذين كانوا يتعرضون للنساء 97.

وهذا تنبيه لهن على حفظ الحرمة وإثبات الرّتبة، وصيانة لهن، وأمر لهن بالتصاون والتعفّف، وقرن بذلك تهديده للمنافقين في تعاطيهم ما كان يشغل قلب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإرجاف في المدينة، فقال تعالى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61) } [الأحزاب:60 - 61] .

إنهم إن لم يمتنعوا عن الإرجاف وأمثال ذلك لأجرينا معهم سنّتنا في التدمير على من سلف من الكفار 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت