فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 2431

وعن الآثار المترتبة على الإنسان من علم الله تعالى بوسوسة النفس، قال العثيمين: «وإذا كان الله يعلم ما توسوس به النفس فهذا العلم يوجب لنا مراقبة الله سبحانه وتعالى، وأن لا نحدث أنفسنا بما يغضبه وبما يكره، فعلينا أن يكون حديث نفوسنا كله بما يرضيه؛ لأنه يعلم ذلك، أفلا يليق بنا أن نستحي من ربنا عز وجل أن توسوس نفوسنا بما لا يرضاه؟!» 84.

ثالثًا: التسويل:

جاء ذكر التسويل في القرآن الكريم بصيغ عدة، كلها تدور حول المعنى السابق، ويتضح ذلك مما يلي:

كما في قوله تعالى: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) } [يوسف:18] .

يقول تعالى مخبرًا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعدما ألقوه في غيابة الجب: إنهم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون، ويظهرون الأسف والجزع على يوسف، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: إنا ذهبنا نترامى، وتركنا يوسف عند ثيابنا وأمتعتنا فأكله الذئب، وهو الذي كان قد حذر منه، ونحن نعلم أنك لا تصدقنا حتى لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك؟! لأنك خشيت أن يأكله الذئب، فأكله.

وجاءوا على قميصه بدمٍ مكذوبٍ مفترى، وهو أنهم عمدوا إلى سخلة فذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، ولكنهم نسوا أن يخرقوه؛ فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي الله يعقوب، بل قال لهم معرضًا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه: بل سولت لكم أنفسكم أمرًا، فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي قد اتفقتم عليه؛ حتى يفرجه الله بعونه ولطفه، والله المستعان على ما تذكرون من الكذب والمحال 85.

ثم إن إخوة يوسف لما ذكروا ذلك الكلام واحتجوا على صدقهم بالقميص المليء بالدم {قَالَ} يعقوب عليه السلام: {بَلْ سَوَّلَتْ} ، أي: زينت {لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} ففعلتموه به 86.

وقال تعالى: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) } [يوسف:83] .

هذه الآية كنظيرتها السابقة، فلما جاءوا يعقوب وأخبروه بما يجري اتهمهم، وظن أنها كفعلتهم بيوسف، أي: لما كان صنيعهم هذا مرتبًا على فعلهم الأول سحب حكم الأول عليه {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} 87.

رابعًا: الخيانة:

جاء ذكر الخيانة في القرآن الكريم بصيغٍ مختلفة، وفي عدة من الآيات.

قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) } [البقرة:187] .

وقوله: {أُحِلَّ لَكُمْ} فيه دلالةٌ على أن هذا الذي أحله الله كان حرامًا عليهم، وهو ما يفيده سبب نزول الآية، وجعل النساء لباسًا للرجال، والرجال لباسًا لهن لامتزاج كل واحدٍ منهما بالآخر عند الجماع، كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه، فيستره عن أعين الناس، أو لأن كلًا منهما يستر عيوب الآخر للألفة والطمأنينة التي بينهما، وهو الأرجح.

وقد كنتم تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم، وأصل الخيانة: أن يؤتمن الرجل على شيءٍ فلا يؤدي الأمانة فيه، وسماهم خائنين لأنفسهم؛ لأن ضرر ذلك عائدٌ عليهم، ثم تاب الله عليكم بقبول التوبة، أو بالتخفيف عنكم بالرخصة والإباحة، وعفا عنكم بالعفو من الذنب، وبالتوسعة والتسهيل.

ثم قال: ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح وهو حصول النسل، أو ابتغوا مما كتب لكم من الإماء والزوجات، وكلوا واشربوا إلى سواد الليل، حتى يمتاز الليل عن النهار، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل، فعند إقبال الليل يفطر الصائم ويحل له الأكل والشرب وغيرهما، ولا تباشروا النساء وأنتم عاكفون في المساجد، وهذه الأحكام حدود الله، وأصل الحد: المنع، ومن ذلك سميت الحدود حدودًا؛ لأنها تمنع أصحابها من العود. ومعنى النهي عن قربانها: النهي عن تعديها بالمخالفة لها، والنهي الوارد ليس في ذات الحدود، بل عن اقترابها في قوله تعالى بعدها: {فَلَا تَقْرَبُوهَا} والله تعالى كما بين لكم هذه الحدود يبين لكم العلامات الهادية إلى الحق 88.

وأخرج البخاري عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه، قال: (كان أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال لها: أعندك طعامٌ؟ قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ونزلت: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} 89.

وأخرج أيضًا عنه رضي الله عنه: (لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجالٌ يخونون أنفسهم) ، فأنزل الله {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} 90.

وجاء العتاب في قوله تعالى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} .

وفي ذلك يتساءل الطبري: وما هذه الخيانة التي كان القوم يختانونها أنفسهم، التي تاب الله عز وجل منها عليهم فعفا عنهم؟!

ثم يجيب بنفسه قائلًا: كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين، أحدهما: جماع النساء، والآخر: المطعم والمشرب في الوقت الذي كان حرامًا ذلك عليهم 91.

ويدلل على إجابته بقول أسنده لكثيرين أن ناسًا من المسلمين أصابوا النساء والطعام في رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ورجل من الأنصار، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ} 92.

ومعنى العتاب في قوله: {تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} أي: تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم، فالاختيان هنا معبرٌ به عما وقعوا فيه من المعصية بالجماع، وبالأكل بعد النوم، وكان ذلك خيانةً لأنفسهم؛ لأن وبال المعصية عائدٌ على أنفسهم، فكأنه قيل: تظلمون أنفسكم وتنقصون حقها من الخير، فتستأثرون أنفسكم فيما نهيتم عنه،

بقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي: قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، فتجاوز عنكم وعفا عنكم ولم يعاقبكم بما فعلتم، والتخفيف عنهم بالرخصة والإباحة 93.

والعتاب أيضًا في قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي: إرادة اتقائهم الوقوع في المخالفة؛ لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الصواب، أو لعلهم يلتبسون في الإتيان بالمأمورات على وجهها الصحيح، إذ لو لم يبين الله لهم؛ لأتوا بعباداتٍ غير مستكملةٍ، وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان، وغير مؤاخذين بإثم التقصير إلا أنهم لا يبلغون صفة التقوى 94.

وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) } [النساء:105 - 107] .

المعنى: ولا تجادل يا محمد صلى الله عليه وسلم فتخاصم عن الذين يخونون أنفسهم، يجعلونها خونةً بخيانتهم ما خانوا من أموال من خانوه ماله وهم بنو أبيرقٍ، فلا تخاصم عنهم من يطالبهم بحقوقهم، وما خانوه فيه من أموالهم، فالله لا يحب من كان من صفته خيانة الناس في أموالهم، وركوب الإثم في ذلك وغيره مما حرمه الله عليه 95.

و {يَخْتَانُونَ} بمعنى يخونون، وهو افتعالٌ دالٌ على التكلف والمحاولة لقصد المبالغة في الخيانة، ومعنى خيانتهم أنفسهم: أنهم بارتكابهم ما يضر بهم كانوا بمنزلة من يخون غيره كقوله: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة:187] .

وكذلك أنفسهم هنا: بمعنى بني أنفسهم، أي: بني قومهم، كقوله: {تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ} [البقرة:85] .

أي: الذين يختانون ناسًا من أهلهم وقومهم 96.

ومعنى قوله تعالى: {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا} وهو طعمة، يعني: مخاصمًا عنهم، أي: لا تكن معينًا مدافعًا عنه، واستغفر الله مما هممت به من معاقبة اليهودي، وقال مقاتلٌ: واستغفر الله من جدالك عن طعمة، إن الله كان غفورًا رحيمًا 97.

وفي هذه الآية تشريف للرسول صلى الله عليه وسلم، وتفويض الأمور إليه بقوله: لتحكم بين الناس بما أراك الله، وتقويم أيضًا على الجادة في الحكم، وتأنيب على قبول ما رفع إليه في أمر بني أبيرق بسرعة 98.

وهذه الآيات وما بعدها نزلت في طعمة ابن أبيرقٍ، سرق درعًا في جراب فيه دقيقٌ لقتادة بن النعمان، وخبأها عند يهوديٍ، فحلف طعمة ما لي بها علمٌ، ورماه بالسرقة، فاتبعوا أثر الدقيق إلى دار اليهودي، فقال اليهودي: دفعها إلي طعمة، فسأل قوم طعمة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل عن صاحبهم وأن يبريه 99.

وعن قتادة: «ذكر لنا أن هؤلاء الآيات أنزلت في شأن طعمة بن أبيرق، وفيما هم به نبي الله صلى الله عليه وسلم من عذره، وبين الله شأن طعمة بن أبيرق، ووعظ نبيه وحذره أن يكون للخائنين خصيمًا» 100.

وجاء العتاب في توجيه النهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يكون خصيمًا لأجل الخائنين، أي: مدافعًا عنهم، ويعد هذا عتاب؛ لأن أسلوبه شديد في موضعيه، وخرج مخرج التحذير مما يخشى وقوعه لاحقًا لو تكرر.

خامسًا: المخادعة:

قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) } [البقرة:9] .

وقال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء:142] .

والمخادعة: إظهار غير ما في النفس.

وذلك أن المنافقين أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان، وإذا خادعوا المؤمنين فقد خادعوا الله، ونسب ذلك إلى الله تعالى من حيث أن معاملة الرسول كمعاملته، وذلك كقوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح:10] .

وعلى هذا يوجه مفهوم المخادعة أن معناه أنهم يقدرون في أنفسهم أنهم يخادعون الله، والله هو الخادع لهم، أي المجازي لهم جزاء خداعهم، وهنا يجدر التنبيه على أمرين:

أحدهما: فظاعة فعلهم فيما تجرؤوه من الخديعة، وأنهم بمخادعتهم الرسول والمؤمنين يخادعون الله.

والثاني: التنبيه على عظم المقصود بالخداع، وتنبيهًا على عظم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن معاملته كمعاملة الله، وعظم أوليائه 101.

وقوله تعالى: {يُخَادِعُونَ} أي: يفعلون فعل المخادع، فالمخادعة تكون بين اثنين، فيظهرون خلاف ما يسرون، وكذلك معناه يخدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصورة صنيعهم مع الله سبحانه وتعالى من إظهار الإيمان واستبطان الكفر، وصنع الله معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار؛ استدراجًا لهم.

ومعنى {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} : أي: ما تحل عاقبة الخداع إلا بهم، فدائرة الخداع راجعة إليهم وضررها يحيق بهم ووبال فعلهم راجع عليهم، وأنهم في ذلك خدعوا أنفسهم لما غروها بذلك، فخدعتهم أنفسهم حيث حدثتهم بالأماني الفارغة وحملتهم على مخادعة من لا تخفى عليه خافية، والنفس ذات الشيء وحقيقته، فالمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم.

{وَمَا يَشْعُرُونَ} : لا يحسون لذلك لتمادي غفلتهم، والشعور: الإحساس، أي: لا يشعرون أنهم يخدعون أنفسهم 102.

وعن اعتقاد المنافقين بأنهم {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} وكيف رد الله عليهم، قال ابن كثير:

«ولهذا قابلهم على اعتقادهم {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} بقوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء:142] » 103.

سادسًا: اتباع الهوى:

غالبًا ما يجيء ذكر الهوى في القرآن الكريم في مقام الذم.

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) } [البقرة:87] .

يصف الله جل جلاله بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة، والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر أنه آتى موسى التوراة فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها.

وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته، فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء عليه السلام أسوأ المعاملة، ففريقًا يكذبونه، وفريقًا يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان يشق ذلك عليهم، فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم 104.

وعن سبب التعبير بالهوى عن رفضهم للحق، قال أبو السعود: «والتعبير عنه بذلك؛ للإيذان بأن مدار الرد والقبول عندهم: هو المخالفة لأهواء أنفسهم والموافقة لها لا شيءٍ آخر» 105.

والتعبير عن القتل بالمضارع مع كونه كالتكذيب وقع في الماضي فيه نكتة بلاغية وهي: تصوير جرم القتل الشنيع واستحضار هيئته المنكرة، كأنه وقع في الحال؛ للمبالغة في النعي عليهم وتوبيخهم، حيث أفادت الآية أنهم بلغوا من الفساد واتباع أهوائهم أعلى درجة بهم في الضلال، حتى لم يعد يؤثر في قلوبهم وعظ الرسل وهديهم، بل صار يغريهم بزيادة الكفر والتكذيب وقتل أولئك الهداة الأخيار 106.

وقال تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) } [المائدة:70] .

عن مصير الرسل الذين أرسلوا إلى بني إسرائيل، يتساءل ويجيب صاحب تفسير المنار: «ماذا كان حظ أولئك الرسل من بني إسرائيل؟ كان حظهم منهم ما أفاده الاستفهام التوبيخي في قوله: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ} فاتبعتم الهوى وأطعتم الشهوات، وعصيتم الرسل واحتميتم عليهم أن أنذروكم ودعوكم إلى أحكام كتابكم» 107.

ويفيد قوله: {بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ} الإشارة إلى زيادة تفظيع حالهم من أنهم يكذبون الرسل أو يقتلونهم، ولا يلتمسون لأنفسهم فيها عذرًا من تكليفٍ بمشقةٍ فادحةٍ، كما فعل المشركون من العرب في مجيء الإسلام، بل لمجرد مخالفة هوى أنفسهم بعد أن أخذ عليهم الميثاق فقبلوه، فتتعطل بتمردهم فائدة التشريع وفائدة طاعة الأمة لهداتها 108.

الفائدة: هذا تعليمٌ عظيمٌ للأمم أن تكون سائرةً في طريق إرشاد علمائها وهداتها، وأنها إذا أرادت حملهم على مسايرة أهوائها فقد حق عليهم الخسران كما حق على بني إسرائيل؛ لأن في ذلك قلبًا للحقائق ومحاولة انقلاب التابع متبوعًا والقائد مقودًا، وأن قادة الأمم وعلماءها إذا سايروا الأمم على هذا الخلق كانوا غاشين لهم، وزالت فائدة علمهم وحكمتهم واختلط الحابل بالنابل 109.

سابعًا: نسيان النفس من الأمر والنهي:

قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) } [البقرة:44] .

تفسير الآية: هذا خطاب لبني إسرائيل في أمرٍ يفعله علماؤهم، ويرضى به سائرهم وأخلافهم، فيلامون جميعًا عليه، إذ هو عيب فيهم سلفًا وخلفًا، وهو عيب الناس إذا ضعف وازع الدين، وهو أن يأمروا الناس بالحقائق الدينية، ولا يأخذون بهديها، وتلك إحدى صفات النفاق، فيكون قولهم مخالفا لفعلهم {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) } [الصف:3] .

ولذا خاطبهم الله سبحانه وتعالى مستنكرًا تلك الحال فيهم، والاستفهام هنا إنكاري لإنكار واقع حالهم من أنهم يأمرون الناس بالخير، وينسون أنفسهم، أي: يتركونها من غير توجيه إليه، فيكونون بمنزلة من ينسونها، ولا يفكرون في أمرها، مع أن دواعي التذكير والتفكر في ذات أنفسهم قائمة؛ لأنهم يتلون الكتاب، فالاستنكار للحال التي يجتمع فيها الأمر بالخير والحث عليه مع ترك أنفسهم لا تفعلها، وكأنهم نسوها ولم يذكروها.

ولذا قال سبحانه وتعالى: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} والاستفهام هنا للتنبيه إلى مناقضة حالهم للعقل المدرك، فمعنى الاستفهام: أن حالهم هي حال من لا عقل له ولا إدراك، و (ألا) هنا: للاستفهام والتنبيه إلى نفي ما وراءه، والفاء فاء السببية، أي بسبب هذه الحال يحكم عليهم بأنهم لا يعقلون 110.

وعن معنى نسيان النفس هنا، قال الطبري: «ومعنى نسيانهم أنفسهم في هذا الموضع نظير النسيان الذي قال جل ثناؤه: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة:67] .

بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله من ثوابه» 111. وأما الألف في {أَتَأْمُرُونَ} يرى الزجاج أنها ألف استفهام، ومعناه: التقرير والتوبيخ ههنا، ثم بين أن المقصود في (البر) هاهنا ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه التمسك بكتابهم، فقد كانوا يأمرون أتباعهم بالتمسك بكتابهم ويتركون هم التمسك به.

والثاني: اتباع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن جحدهم النبي صلى الله عليه وسلم هو أصلًا تركهم التمسك بكتابهم.

والثالث: الصدقة، حيث كانوا يأمرون ببذلها وكانوا يضنون بها؛ لأنهم وصفوا بقساوة قلوبهم، وأكلوا الربا والسحت 112.

وعن خطورة هذا الفعل - خاصة من العلماء - قال الشوكاني: «وأشد ما قرع الله في هذا الموضع من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم أولًا أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم في ذلك الأمر الذي قاموا به في المجامع، ونادوا به في المجالس إيهامًا للناس بأنهم مبلغون عن الله ما تحملوه من حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه، وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم عليه، وهم أترك الناس لذلك وأبعدهم من نفعه وأزهدهم فيه» 113.

وليس الأمر بالبر وفعله مقتصرًا على اليهود، بل على كل مسلم، حيث جاء في الحديث الصحيح عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاههم بمقارض من نارٍ، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟) ، فقال: (الخطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون) 114.

أولًا: حفظ النفس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت