فهرس الكتاب

الصفحة 671 من 2431

الفرح

أولًا: المعنى اللغوي

الفرح: مصدر قولهم: فرح يفرح، هو خلاف الحزن يقال: فرح بكذا فهو فرح، ويطلق الفرح أيضًا: على البطر، ويقال: رجل فَرِح وفَرْحَان وامرأة فَرِحة وفَرْحَى 1.

والمفراح: الذي يفرح كلما سره الدهر. وهو الكثير الفرح، وقد أفرحه وفرحه.

والفَرْحة: المسرة، والفرحة أيضًا: ما تعطيه المفرح لك أو تثيبه به مكافأة له. وفي حديث التوبة: (لله أشد فَرَحًا بتوبة عبده) 2، وصفة الفرح ثابتة لله عز وجل كما يليق بجلاله وكماله 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب الأصفهاني: الفرح انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون في اللذات البدنية والدنيوية 4.

وقال المناوي: «الفرح: انفتاح القلب بما يلتذ به» 5.

وقال الكفوي: «الفرح ما يورث أشرا أو بطرا، ولذلك كثيرا ما يذم كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} [القصص:76] . ويتولد هذا عن القوة الشهوية. وقيل: شرح الصدر بلذة عاجلة، وقيل: لذة القلب لنيل المشتهى» 6.

ورد الجذر (فر ح) في القرآن الكريم (22) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 7 ... {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ} [التوبة:81]

الفعل المضارع ... 9 ... {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) } [الروم:4]

صفة مشبهة ... 6 ... {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) } [هود:10] .

{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) } [الروم:32]

وجاء الفرح في القرآن على ثلاثة أوجه 8:

الأول: البطر: ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ} [هود:10] . يعني: بطر فخور.

الثاني: الرضا: ومنه قوله تعالى: {وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الرعد:26] . يعني: رضوا بها.

الثالث: السرور: ومنه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا} [يونس:22] . يعني: سروا بها.

السرور:

السرور لغة:

يقال: سررت برؤية فلانٍ وسرني لقاؤه، وقد سررته أسره أي فرحته، السرور خلاف الحزن؛ تقول: سرني فلانٌ مسرةً، والسرور: ما ينكتم من الفرح 9.

السرور اصطلاحًا:

«حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد وعلم أو ظن لحصول شيء لذيذ» 10.

وقيل: هو انشراح الصدر بلذة فيها طمأنينة الصدر عاجلًا وآجلًا 11.

الصلة بين الفرح والسرور:

هناك تقارب في المعنى بين الفرح والسرور إلى حد كبير، بحيث يصعب التفريق بينهما وفرق أبو هلال العسكري بينهما فقال: «الفرق بين السرور والفرح؛ أن السرور لا يكون إلا بما فيه نفع أو لذة على الحقيقة، وقد يكون الفرح بما ليس بنفع أو لذة: كفرح الصبي بالرقص والعدو والسباحة وغير ذلك مما يتعبه ويؤذيه، ولا يسمى ذلك سرورًا» 12.

الحبور:

الحبور لغة:

هو السرور. الحبرة: النعمة التامة 13.

والحبور من الحبرة وهو الفرح، كما في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) } [الروم:15] 14.

الحبور اصطلاحًا:

المبالغة فيما وصف بجميل 15.

الصلة بين الحبور والفرح:

قيل: الفرح: انبساط القلب لنيل محبوب أو توقعه، والحبور: السرور الذي يظهر في الوجه أثره، فهو أشد من الفرح، ولذا خاطب الله تعالى أهل الجنة بقوله {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) } [الزخرف:70] .16.

البشرى:

البشرى لغة:

هي الخبر السار وكذلك البشارة، يقال: بشرته فأبشر واستبشر وتبشر وبشر فرح 17.

البشرى اصطلاحًا:

اسم لخبر يغير بشرة الوجه مطلقا سارا كان أو محزنا إلا أنه غلب استعماله في الأول وصار اللفظ حقيقة له بحكم العرف حتى لا يفهم منه غيره 18.

الاستبشار في الاصطلاح:

البشارة: هي الخبر الصدق السار الذي ليس عند المخبر به علمه 19 ووجود المبشر به وقت البشارة ليس بلازم بدليل قوله تعالى {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ} [الصافات:112] .

الصلة بين البشرى والفرح

البشارة إذا كانت في الخير، فإنه تورث الفرح والسرور.

أولًا: صفة الفرح في حق الله تعالى:

من الصفات الثابتة لله تعالى صفة الفرح فهي صفةٌ فعليةٌ خبريةٌ ثابتةٌ بالأحاديث الصحيحة، أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الصفة من صفات الله تعالى لها معنى وأثرٌ.

جاء في صحيح مسلم عن الحارث بن سويدٍ، قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريضٌ، فحدثنا بحديثين: حديثًا عن نفسه، وحديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن، من رجلٍ في أرضٍ دويةٍ مهلكةٍ، معه راحلته، عليها طعامه وشرابه، فنام فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده) 20.

فصفة الفرح من الصفات الفعلية الخبرية التي انفردت بها السنة دون الكتاب، وهي ثابتة بالسنة الصحيحة التي تلقاها أهل السنة بالقبول، وعقد إجماعهم استنادًا إليها على إثباتها، وهذه الصفة تدل بالتضمن على لطف الله بعباده ورحمته لهم، حيث يوفق من يشاء من عباده ليتوبوا فإذا تابوا تقبل توبتهم وفرح بها فرحًا شديدًا ولطيفًا في وقت واحد، إذ يرد إليه عباده الشاردين من طاعته لئلا يضيعوا، وهو الذي لا تضره معصيتهم ولا تنفعه طاعتهم 21.

ففي هذا الحديث إثباتٌ لصفة الفرح لله تعالى، وشبه النبي صلى الله عليه وسلم فرح الله تعالى بتوبة عبده بفرح الذي ضلت راحلته وعليها طعامه وشرابه في أرض صحراء مهلكة، لا ماء فيها ولا طعام، فأيس منها، فنام وأيقن بالموت والهلاك، فاستيقظ فوجدها قائمة عند رأسه، فالله أشد فرحا من هذا براحلته.

قال ابن القيم: «والفرح صفة كمال، ولهذا يوصف الرب تعالى بأعلى أنواعه وأكملها، كفرحه بتوبة التائب أعظم من فرحة الواجد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة» 22.

قال الهراس: عند شرحه لهذا الحديث «وفي هذا الحديث إثبات صفة الفرح لله عز وجل، والكلام فيه كالكلام في غيره من الصفات، أنه صفة حقيقية لله عز وجل على ما يليق به، وهو من صفات الفعل التابعة لمشيئته تعالى وقدرته، فيحدث له هذا المعنى المعبر عنه بالفرح عندما يحدث عبده المثوبة والإنابة إليه، وهو مستلزم لرضاه عن عبده التائب، وقبوله توبته.

وإذا كان الفرح في المخلوق على أنواع، فقد يكون فرح خفة، وسرور، وطرب، وقد يكون فرح أشرٍ وبطر، فالله عز وجل منزه عن ذلك كله، ففرحه لا يشبه فرح أحد من خلقه، لا في ذاته، ولا في أسبابه، ولا في غاياته، فسببه كمال رحمته وإحسانه التي يحب من عباده أن يتعرضوا لها، وغايته إتمام نعمته على التائبين المنيبين» 23.

وأما تفسير الفرح بلازمه، وهو الرضا، وتفسير الرضا بإرادة الثواب، فكل ذلك نفيٌ وتعطيل لفرحه ورضاه سبحانه أوجبه سوء ظن هؤلاء المعطلة بربهم، حيث توهموا أن هذه المعاني تكون فيه كما هي في المخلوق، تعالى الله عن تشبيههم وتعطيلهم 24.

قال المناوي: «في الحديث إظهار صفة الكرم والحلم والغفران، ولو لم يوجد لانثلم طرفٌ من صفات الألوهية، والإنسان إنما هو خليفة الله في أرضه، يتجلى له بصفات الجلال والإكرام والقهر واللطف» 25.

فمن صفات الله تعالى الفرح والغضب والسخط. وغيرها، واحتجاج أصحاب الفرق الضالة، بأن هذا انفعال وتأثير من العبد، والمخلوق لا يؤثر في الخالق، فلو أغضبه أو فعل ما يفرح به لكان المحدث قد أثر في القديم.

فالله تعالى خالق كل شيء، وربه ومليكه، فهو سبحانه خالق الأسباب التي ترضيه وتغضبه، وتسخطه وتفرحه، فهو سبحانه خالق ذلك كله، والمخلوق أعجز من أن يؤثر فيه 26.

فالسلف الصالح لا يؤولون ولا يلحقون صفة بأخرى، وإنما يثبتونها لله تعالى كما هي، وما أثبتها الله تعالى لنفسه، وكما أثبتها له رسوله.

قال البغوي «فهذه ونظائرها صفاتٌ لله تعالى ورد بها السمع، يجب الإيمان بها وإمرارها على ظاهرها، معرضا فيها عن التأويل، مجتنبا عن التشبيه، معتقدا أن الباري سبحانه وتعالى لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات، قال الله سبحانه وتعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى:11] » 27.

فالفرقة الناجية، من أهل السنة والجماعة، يؤمنون به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهؤلاء هم الوسط في فرق الأمة، كما أن الأمة المرحومة هي الوسط في الأمم، فهم وسط الأمة في باب الصفات بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة» 28.

ومن الصفات القريبة لصفة الفرح، البش فعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما توطن رجلٌ مسلمٌ المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله له، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم) 29.

فقال ابن حبان «العرب إذا أرادت وصف شيئين متباينين على سبيل التشبيه أطلقتهما معا بلفظ أحدهما، وإن كان معناهما في الحقيقة غير سيين. فتبشبش الله جل وعلا لعبده الموطن المكان في المسجد للصلاة والخير؛ إنما هو نظره إليه بالرأفة الرحمة والمحبة لذلك الفعل منه» 30.

والبشبشة؛ معناها يقارب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيت لفلان بشاشة وهشاشة وفرحًا، ويقولون: فلان هش بش فرح، إذا كان منطلقًا، فيجوز إطلاق ذلك كما جاز إطلاق الفرح 31.

وقال المباركفوري: «إن هذا الفرح له شأن لا ينبغي للعبد إهماله والإعراض عنه، ولا يطلع عليه إلا من له معرفة خاصة بالله وأسمائه وصفاته وما يليق بعز جلاله» 32.

وقد فهم معنى أمثال هذه الصفات، الرجل الأعرابي الذي قال حينما سمع أن الله تبارك ينظر إليكم الرب قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب 33.

فقال له أبو رزين العقيلي يا رسول الله أو يضحك الرب؟ (قال: نعم قال: لن نعدم من ربٍ يضحك خيرًا) 34.

فجعل الأعرابي العاقل - بصحة فطرته - ضحكه دليلًا على إحسانه وإنعامه؛ فدل على أن هذا الوصف مقرونٌ بالإحسان المحمود وأنه من صفات الكمال والشخص العبوس الذي لا يضحك قط هو مذمومٌ بذلك وقد قيل في اليوم الشديد العذاب: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) } [الإنسان:10] 35.

والمسلم حين يعلم أن من صفات الله تعالى الفرح والبش، والضحك فعليه أن يزداد إيمانا بربه، ويزداد حبا وتقربا إليه، ويكون لسان حاله يقول كما قال الأعرابي «لن نعدم من رب يضحك خيرًا» .

ثانيًا: الفرح طبيعة إنسانية.

الفرح هو واحد من تلك العواطف والمشاعر القلبية، ولازم من لوازم الطبيعة الإنسانية فقد اعتنى القرآن ببيان أحواله، واعتنى بتوجيهه وضبط مساره، بل إن القرآن قد ارتقى به إلى مصاف الأعمال القلبية المطلوبة من أهل الإيمان.

فقد وجه القرآن الكريم المشاعر القلبية توجيهًا صحيحًا، ونظمها على أساس من التوازن والفاعلية المثمرة والفرح واحد من عدة انفعالات أساسية للنفس البشرية، وهي: الفرح، والحزن، والحب، والكره، والرغبة، والتعجب 36.

والفرح الفطري المعروف، كغيره من الانفعالات التي خلقت مع الإنسان، وجبلت عليها النفس، فما من إنسان إلا وهو يفرح ويحزن 37.

والإنسان بصفة عامة غير متزن تجاه انفعالاته، وما يعرض له، ويتأثر به، وهذ ما أكده القرآن الكريم فقال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) } [المعارج:19 - 22] .

وقال تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) } [الروم:36] .

لقد عزى الله تعالى المؤمنين رحمة بهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده، وفرحهم بحصول المحبوب لا يفيده، وبأن ذلك لا مطمع في بقائه إلا بإدخاره عند الله تعالى وذلك بأن يقول: المصيبة قدر الله تعالى وما شاء فعل ويصبر؛ وفي النعمة هكذا قضى وما أدري مآله هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر فلا يزال خائفًا عند النعمة قائلًا في الحالين ما شاء الله تعالى كان وما لم يشأ لم يكن، وأكمل من هذا أن يكون مسرورًا بذكر ربه في كلتا الحالتين، وقيمة الرجال إنما تعرف بالواردات المغيرة فمن لم يتغير بالمضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح ولكن المؤمن يجعل مصيبته صبرًا وغنيمته شكرًا والحزن والفرح المنهي عنهما هما اللذان تتعدى فيهما إلى ما لا يجوز» 38.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) } [يونس:22] .

فالله تعالى بقدرته يحملكم في البر على الدواب، وفي البحر على السفن التي تسير على وجه الماء، حتى إذا كنتم في البحر على ظهور هذه السفن وجرين بهم بالريح اللينة الطرية التي تسير السفن فمن فطرتهم فرحوا بها، وفجأة جآءتها ريح عاصف أي: جاءتها الريح الشديدة العاصفة المدمرة {وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ} أي وأحاطت بهم أمواج البحار من كل جهة {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} أي أيقنوا بالهلاك رجعوا إلى طبيعتهم فدعوا الله مخلصين له الدين، أي: أخلصوا الدعاء لله وتركوا ما كانوا يعبدون 39.

قال القرطبي: «وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافرًا، لانقطاع الأسباب، ورجوعه إلى رب الأرباب، {لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} أي: لئن أنقذتنا من هذه الشدائد والأهوال لنكونن من الشاكرين لك على نعمائك، والعاملين بطاعتك ومرضاتك» 40.

ومعنى الإخلاص إفراده بالدعاء من غير إشراك أصنام وغيرها وقال الحسن: مخلصين لا إخلاص إيمان ولكن لأجل العلم بأنهم لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جاريًا مجرى الإيمان الاضطراري {فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [يونس:23] .

أي: فلما خلصهم وأنقذهم إذا هم يعملون في الأرض بالفساد والمعاصي قال ابن عباس: يبغون بالدعاء فيدعون غير الله ويعملون بالمعاصي 41.

من طبيعة الناس إظهار الفرحة في المناسبات ومنه إظهار السرور في العيدين فهو من شعار الدين وإعلاء أمره، وفيه دليل أن العيد موضوع للراحات وبسط النفوس إلى ما يحل من الدنيا والأكل والشرب والجماع ألا ترى أنه أباح الغناء من أجل عذر العيد، فيجوز لهم إظهار الفرحة في مثل هذا اليوم 42.

فعن عائشة قالت: (دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا) 43.

فالفرح: انفعال جبل عليه الإنسان وتلبس به، ومن الخذلان بقاء النفس على ما جبلت عليه، فلابد من مقابلة هذا الفرح الفطري بشيء مكتسب؛ ليضبط هذا الانفعال، وهذا متوافر في توجيهات الشرع، وهي تؤدي هذه المهمة خير أداء، هذه المهمة التي أوكلها الفلاسفة وعلماء النفس إلى الإرادة، أو المكابدة، أو قوة التفكير فحرص الإسلام على تهذيب الفرح وتوجيهه؛ لإبراز الجانب الإيجابي منه، ولاستثماره بما يعود على النفس بالخير والسعادة 44.

بين القرآن الكريم أنواع الفرح فمنه ما يمدح أو يذم بحسب السياق الذي ورد فيه، وهذا يعني أن للفرح أنواعًا ثلاثة:

النوع الأول: المحمود، وهو ما يتعلق بالدين، وله آثاره الإيجابية.

النوع الثاني: المذموم، وقد تحدث عنه القرآن الكريم، فذكر صورًا منه، صدرت عن اليهود والمنافقين والكافرين والمترفين، وله آثار سلبية كثيرة.

النوع الثالث: الفرح المباح: هذ ينسجم مع طبيعة الإنسان السوية، مع ضرورة الاحتراز منه؛ لكيلا يؤدي التساهل فيه إلى الفرح المذموم.

أولًا: الفرح الممدوح:

إن أسمى درجات الفرح وأفضلها هو الفرح بالإسلام، فأمر الله به وأثاب عليه، ومن أعرض عنه كان له الضنك.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } [يونس:57 - 58] .

وعن أبي سعيدٍ الخدري، في تفسير قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ} ، قال: «فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله» 45.

قال ابن القيم: «يريد بذلك أمرين؛ الأول: الفضل في نفسه، والثاني: استعداد المحل لقبوله، كالغيث يقع على الأرض القابلة للنبات، فيتم المقصود بالفضل وقبول المحل له.

وهذا الفرح الذي يقتضيه اللفظ؛ هو بفضل الله وهو هداية الناس للقرآن، والرحمة هي التوفيق إلى اتباع السنة التي هي الرحمة في الدنيا والآخرة» 46.

قال الرازي في تفسير قوله تعالى {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا} : «يفيد الحصر؛ فيجب أن لا يفرح الإنسان إلا بذلك،. فثبت أن الفرح باللذات الجسمانية فرح باطل» 47.

فالتعبير في الآية غاية في البلاغة؛ لما فيه من التأكيد والمبالغة في التقرير؛ فإن أصل المعنى بدونهما: قل ليفرحوا بفضل الله وبرحمته، فأخر الأمر وقدم متعلقة؛ لإفادة الاختصاص، كأنه قال: إن كان في الدنيا شيء يستحق أن يفرح به؛ فهو فضل الله ورحمته 48.

والفرح بفضل الله وبرحمته أفضل وأنفع لهم مما يجمعونه من الذهب والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث، وسائر متاع الدنيا مع فقدهما، لا لأنه سبب سعادة الآخرة الباقية المفضلة على الحياة الدنيا الفانية - كما اشتهر فيما خطته الأقلام ولاكته الألسنة - بل لأنه هو الذي يجمع بين سعادة الدارين، كما حصل بالفعل؛ إذ كانت هداية الإسلام بفضل الله وبرحمته سببًا لما ناله المسلمون في العصور الأولى من الملك الواسع، والمال الكثير، مع الصلاح والإصلاح، والعدل والإحسان، والفوز الكبير، فلما صار جمع المال، ومتاع الدنيا، وفرح البطر به هو المقصود لهم بالذات، وتركوا هداية الدين في إنفاقه والشكر عليه؛ ذهبت دنياهم من أيديهم إلى أيدي أعدائهم 49.

إن الآيات هدفت أول ما هدفت إلى التنويه بالقيمة العليا لهذا الدين، الذي أخرج من آمن به من عالم الأموات إلى عالم الأحياء، وجعلهم يدركون أن للحياة معنى أسمى وأعظم مما يتصوره الكافرون الجامعون لمتاعها.

فبهذا الفضل الذي آتاه الله عباده، وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان، فبذلك - وحده - فليفرحوا، فهذا هو الذي يستحق الفرح، لا المال، ولا أعراض هذه الحياة، إن ذلك هو الفرح العلوي، الذي يطلق النفس من المطامع الأرضية والأعراض الزائلة، فيجعل هذه الأعراض خادمة لا مخدومة، ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها، لا عبدًا خاضعًا لها» 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت