فهرس الكتاب

الصفحة 750 من 2431

ولما أفاق موسى عليه السلام من غشيته كان أول ما نطق به تسبيح الله عز وجل {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} ، سبح ربه في هذا الموقف الجليل الهائل الذي رأى فيه من عظمة ربه وجلاله ما يستدعي التسبيح؛ تعظيمًا لله عز وجل، وتنزيهًا له عما لا يليق بكماله وعظمته سبحانه، ومن أن يقوى أحد من الخلق على رؤيته عيانًا في هذه الحياة الفانية.

ولهذا أتبع التسبيح بقوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} ، أي: تبت إليك من مسألتي إياك ما سألتك من الرؤية، وأنا أول المؤمنين بأنه لا يراك أحد في الدنيا إلا مات، وقيل: المراد أول المؤمنين من بني إسرائيل بما توحيه إلى 69.

أما الموضع الثاني: فهو قول الله تعالى على لسان موسى عليه السلام: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} [طه: 29 - 35] .

ففي الآيات بيان أن موسى عليه السلام طلب من الله تعالى أن يجعل له من أخيه هارون معينًا على تبليغ الرسالة وتحمل أعبائها، يتقوى به ظهره، وذلك بأن يكون معه نبيًا مرسلًا من الله عز وجل، وعلل موسى عليه السلام طلبه هذا بقوله: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا} ، حيث علم موسى عليه السلام أن مدار العبادات كلها والدين كله على ذكر الله عز وجل وتسبيحه؛ فسأل الله أن يجعل أخاه معه يساعده ويعاونه على البر والتقوى، فيكثر منهما ذكر الله من التسبيح والتهليل وغيره من أنواع العبادات 70.

ثالثًا: تسبيح داود عليه السلام.

ذكر الله عز وجل تسبيح عبده ونبيه داود عليه السلام من خلال ذكر تسبيح الجبال والطير معه، وقد جاء ذلك في كتاب الله عز وجل في ثلاثة مواضع وهي:

1.قوله تعالى: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ? وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ? وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ? وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 79] .

2.وقوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ? يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ? وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) [سبأ: 10] .

3.وقوله تعالى: (?اصْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ(17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ? كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ) [ص: 17 - 19] .

فهذه الآيات الثلاث بينت تسبيح نبي الله داود عليه السلام، حيث كان عليه السلام إذا سبح الله تعالى وأثنى عليه، سبحت بتسبيحه الجبال والطير، وجاوبته بالذكر والثناء على الله تبارك وتعالى 71.

وقد ذكر المفسرون أن الله عز وجل منح نبيه داود عليه السلام من الصوت الحسن العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات، تسبيحًا معه لله رب العالمين 72.

رابعًا: تسبيح زكريا عليه السلام.

ذكر الله عز وجل تسبيح عبده ونبيه زكريا عليه السلام، وجاء ذلك في سياق ذكر قصته عليه السلام حينما طلب من الله عز وجل أن يهب له ذرية طيبة، فاستجاب الله عز وجل دعاءه، وبشره بالولد على لسان الملائكة، وحينها طلب زكريا من ربه أن يجعل له علامة يستدل بها على حصول الولد، فجعل الله عز وجل له علامة ذلك أن ينحبس لسانه عن الكلام مع الناس من غير آفة أو مرض، فلا يستطيع النطق إلا رمزًا وإشارة.

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] .

ولقد أمره الله عز وجل بكثرة التسبيح والذكر في هذه الحال، فرغم أن لسانه في هذه الحال ممنوع من كلام الناس؛ إلا أنه لم يكن ممنوعًا من التسبيح والتهليل وذكر الله عز وجل، فعكف زكريا عليه السلام في محرابه وقد اطمأن قلبه، واستبشر بهذه البشارة العظيمة، وامتثل أمر الله عز وجل له بكثرة الذكر، والتسبيح، والصلاة والعبادة 73.

ولم يكتف زكريا بأن يسبح وحده لله عز وجل؛ بل خرج على قومه وأمرهم -بالإشارة- بتسبيح الله عز وجل؛ مزيدًا من شكر الله عز وجل على ما بشر به من نعمة الولد 74، قال تعالى عن نبيه زكريا: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم: 10 - 11] .

وفي هذا بيان لعظم تسبيح نبي الله زكريا عليه السلام لربه عز وجل، وفيه بيان أن التسبيح من أجل العبادات التي يشكر بها العبد ربه عز وجل على ما أولاه من نعم.

خامسًا: تسبيح عيسى عليه السلام.

ورد في القرآن الكريم تسبيح عبد الله ورسوله عيسى عليه السلام لربه عز وجل، وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116] .

ويكون هذا يوم القيامة، يوم يجمع الله الرسل ويسألهم ماذا أجبتم؟ ويسأل عيسى بمفرده توبيخًا للنصارى -الذين اتخذوه إلهًا- على شركهم، فيقول الله عز وجل هذا لعيسى عليه السلام، فيتبرأ عليه السلام من شركهم ومن مقولتهم الكفرية، وينزه الله عز وجل عن ذلك بالتسبيح له سبحانه 75.

لقد بدأ عيسى عليه السلام كلامه مع رب العزة سبحانه بالتسبيح -قبل أن يبرأ نفسه- تنزيهًا له سبحانه عما افتراه المفترون، وتعظيمًا له وإجلالًا، وثناءً عليه، وخضوعًا له وخوفًا منه، وهذا التسبيح من عيسى عز وجل متضمن لبراءته من أن يكون قال للناس شيئًا من ذلك؛ لأنه إذا كان قد نزه الله عز وجل عن ذلك فلاجرم أنه لم يأمر أحدًا به 76.

سادسًا: تسبيح النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين وسيدهم، وهو أعظم من نزه الله وسبحه من الخلائق، ولقد ورد في كتاب الله عز وجل كثير من الآيات التي جاء فيها ذكر تسبيح النبي صلى الله عليه وسلم 77.

والملاحظ أنه في كل هذه الآيات كان الأمر موجهًا للنبي صلى الله عليه وسلم بتسبيح ربه عز وجل، وبتأمل هذه الآيات نقف على بعض الحقائق المستفادة من تسبيح النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك فيما يأتي:

1.جميع الآيات التي ورد فيها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسبيح هي آيات مكية، ما عدا آية سورة الإنسان 78، وآية سور النصر.

2.أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمداومة التسبيح؛ في الليل والنهار. قال تعالى: فَاصْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ? وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى?) [طه: 130] . وقال سبحانه: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [غافر: 55] . وقال عز وجل: (فَاصْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ(39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) [ق: 39 - 40] .وفي ذلك بيان لعظيم عبادة التسبيح عند الله عز وجل، وحثٌ للمؤمنين بمداومة التسبيح لربهم سبحانه.

3.كثيرًا ما يقرن الأمر بالتسبيح مع الأمر بالصبر، كقوله تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى? مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ(39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) [ق: 39 - 40] . وقوله: وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ? وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) [الطور: 48 - 49] . ويفهم من ذلك أن التسبيح معينٌ على الصبر، وأن في ملازمة التسبيح كشفًا للضيق، وتسلية عند الشدائد، ولعل ذلك مفسرٌ لكثرة ورود الأمر بالتسبيح في القرآن المكي، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض في مكة لأذي المشركين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم (إذا حزبه أمر صلى) 79. والصلاة فيها تسبيح لله تعالى بالقول والفعل.

4.قرن الله عز وجل الأمر بالتسبيح مع الأمر بالتوكل عليه سبحانه. قال تعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ? وَكَفَى? بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 58] . وفي ذلك بيان أن التسبيح فيه العون الكبير للعبد على الثبات والصبر 80.

5.التسبيح شكر لله عز وجل على نعمه العظيمة. قال تعالى: (? ? ? إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ? إِنَّهُ كَانَ تَوَّابً) [النصر: 1 - 3] . فلقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بمداومة التسبيح والتحميد لله عز وجل مع مداومة الاستغفار؛ شكرًا له سبحانه على نعمة النصر والفتح المبين، قال الدكتور وهبة الزحيلي: «أمر الله تعالى بالتسبيح أولًا: ثم بالحمد ثم بالاستغفار؛ لأنه قدم الاشتغال بما يلزم للخالق وهو التسبيح والتحميد على الاشتغال بالنفس، والسورة تدل على فضل التسبيح والتحميد، حيث جعل كافيًا في أداء ما وجب على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته من شكر نعمة النصر والفتح» 81.

ثالثًا: تسبيح المؤمنين:

تسبيح الله عز وجل من هدي أصفياء الله المرسلين، ودأب عباد الله المؤمنين، وشغل أوليائه المتقين، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه تسبيح عباده المؤمنين له سبحانه، وذلك في عدد من الآيات التي مدحت المسبحين، والتي أمرت المؤمنين بالمداومة على التسبيح.

أولًا: مدح المسبحين من المؤمنين:

جاءت عدة آيات في كتاب الله عز وجل تمدح المؤمنين الذين يسبحون الله عز وجل.

وأول هذه الآيات -من حيث ترتيب المصحف الشريف- قول الله عز وجل: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191] .

ففي هاتين الآيتين أخبر الله عز وجل عن آياته العظيمة، ودلائل قدرته الباهرة؛ من خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وما في ذلك كله من آيات عجيبة، تبهر الناظرين، وتقنع المتفكرين، وتجذب أفئدة الصادقين، ففي هذا الكون من العظمة والسعة، وانتظام السير والحركة، وبديع الصنع، ولطائف الفعل، والمنافع للخلق، ما يدل على عظمة خالقه، وعظمة سلطانه، وشمول قدرته، وعظيم حكمته، وسعة رحمته، وعموم فضله، وشمول بره، ووجوب شكره 82.

هذه الآيات التي بثها الله عز وجل في السماوات والأرض إنما يعقلها أولوا الألباب والنهى، الذين استنارت قلوبهم بنور الإيمان، فأبصرت حقيقة الأشياء، إنهم المؤمنون الموقنون، الذين يتفكرون في خلق الله عز وجل، ويقفون على آياته؛ فيزيدهم ذلك إيمانًا على إيمانهم، فتخشع قلوبهم، وتنشط ألسنتهم بذكر ربهم وتسبيحه في كل أحوالهم، ويديمون التفكر والنظر في عظيم خلق الله عز وجل، ولسان حالهم ومقالهم يقول: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} ، أي: لم تخلق يا ربنا هذا الخلق عبثًا ولا لعبًا، ولم تخلقه إلا لأمر عظيم؛ من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، فأنت سبحانك منزه عن اللعب والعبث، ومنزه عن كل نقص أو عيب، لا يكون خلقك إلا لحكمٍ عظيمةٍ 83.

لقد مدح الله عز وجل المؤمنين المتفكرين في آياته، المسبحين له على الدوام، الذين دفعهم تفكرهم وتسبيحهم إلى الرغبة في ثواب ربهم عز وجل، والنجاة من عذابه {سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .

والموضع الثاني الذي مدح فيه الله عز وجل عباده المؤمنين المسبحين هو قوله تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 107 - 108] .

ففي هاتين الآيتين يخبر الله عز وجل عن تسبيح مؤمني أهل الكتاب، وابتدأ الله عز وجل في فيهما بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار المكذبين بالقرآن الكريم: {آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا} ، وهذا على وجه التبكيت لهم والتهديد، لا على وجه التخيير.

والمعنى: سواء آمنتم بالقرآن أم لم تؤمنوا، فهو حق في نفسه، أنزله الله عز وجل، وإن إيمانكم لا يزيده كمالًا، وتكذيبكم به لا يلحق به نقصًا.

{إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} ، أي: إن العلماء الذين أوتوا الكتب السابقة من قبل القرآن، وعرفوا حقيقة الوحي من مؤمني أهل الكتاب إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون سجدًا تعظيمًا له وتكريمًا، وعلمًا منهم بأنه من عند الله عز وجل 84.

ثم ذكر الله عز وجل تسبيحهم له مادحًا لهم فقال: {وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} ، أي أنهم عندما يخرون سجدًا لسماع القرآن، يسبحون ربهم عز وجل في سجودهم؛ تسبيح تنزيه لله تعالى عن تكذيب المكذبين بالقرآن، وتعظيم وتبجيل لله عز وجل على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء السابقين المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا قالوا: {إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} 85.

ومن الآيات التي ورد فيها مدح الله عز وجل لعباده المؤمنين المسبحين له سبحانه قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [النور: 36 - 38] .

ففي هذه الآية مدح لأولئك المسبحين لربهم عز وجل، الذين لم تلههم الدنيا وما فيها من تجارة وبيع ومتاع عن عبادة ربهم، وعن صلاتهم، وزكاتهم، وتسبيحهم، وقد وعدهم الله عز وجل بحسن الجزاء وعظيم الثواب، مع الزيادة بغير حساب؛ لأنهم قدموا طاعته ورضاه على كل ما سواه.

وفي قول الله عز وجل: {رِجَالٌ} مدح لهم، وإشعار بهمتهم العالية، وعزيمتهم الصادقة، التي بها صاروا عمارًا للمساجد التي هي بيوت الله في أرضه 86.

وفي سورة السجدة مدحٌ آخر للمؤمنين الساجدين لله، المسبحين له سبحانه، قال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] .

فلقد أثنى الله عز وجل على هؤلاء المؤمنين الذين يؤمنون بآياته، ووصفهم بالصفة الحسنى بسجودهم عند التذكير والوعظ بآياته، وبتسبيحهم لربهم، وعدم استكبارهم، بخلاف ما يصنع الكفار من الإعراض عند التذكير، وإظهار التكبر 87.

ولقد وعد الله عز وجل أولئك المؤمنين المسبحين ربهم عز وجل، والذين {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16] .

وعدهم بعظيم المثوبة والجزاء، فقال سبحانه: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]

وبمدح الله عز وجل لعباده المؤمنين المسبحين نعلم علم اليقين مدى عظم التسبيح، ومدى محبة الله عز وجل لعباده المسبحين له على الدوام، ونعلم أن التسبيح عبادة جليلة، ترفع مقامات العبد عند ربه عز وجل، وهذا كله يدفع العباد الصادقين إلى الحرص الشديد على ملازمة تسبيح الله عز وجل في كل الأوقات، وعلى كل الأحوال.

ثانيًا: أمر المؤمنين بالمداومة على تسبيح الله عز وجل:

لقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بأن يسبحوه بكرةً وأصيلًا، في الصباح والمساء، في الشدة والرخاء، في كل أوقاتهم، وعلى كل أحوالهم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41 - 42] .

يأمرهم سبحانه أن يذكروه ذكرًا كثيرًا؛ من تهليل، وتحميد، وتسبيح، وتكبير، وغير ذلك من كل قول فيه قربةً إلى الله سبحانه وتعالى، وينبغي مداومة ذلك في جميع الأوقات، وعلى جميع الأحوال؛ فإن ذكر الله عبادة عظيمة، يفوز بها العبد برضوان ربه عز وجل، وينال محبته، ويفوز بأعلى الدرجات في جنته، وذكر يعين العبد على الخير، ويعينه على كف لسانه عن الكلام القبيح 88.

ولقد أردف الله عز وجل الأمر بالإكثار من ذكره بالأمر بتسبيحه، مع أن التسبيح داخل في الذكر، وفي ذلك بيان لشرف التسبيح وعظمه عند الله عز وجل.

قال الزمخشري: «والتسبيح من جملة الذكر؛ وإنما اختصه من بين أنواعه ليبين فضله على سائر الأذكار؛ لأن معناه تنزيه الله عز وجل عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال» 89.

ومن الآيات التي ورد فيها أمر المؤمنين بالتسبيح في كل الأوقات قول الله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 8 - 9] .

ففي الآية الأولى من هاتين الآيتين بين الله عز وجل الوظيفة التي كلف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أن يكون صلى الله عليه وسلم شاهدًا على الناس؛ شاهدًا بالإيمان لمن آمن منهم، وشاهدًا بالكفر لمن كفر منهم، بعد أن بلغهم رسالة ربه تبليغًا تامًا كاملًا، ومن مهمته أيضًا تبشير المؤمنين برضا الله عز وجل، وبما أعد الله لهم من النعيم المقيم، ومن مهمته أيضًا: أن يكون نذيرًا للكافرين وللعصاة بسوء المصير، إذا ما استمروا على كفرهم وعصيانهم.

ثم بين الله عز وجل الحكمة من إرسال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ، أي: لتؤمنوا بالله سبحانه وبرسوله صلى الله عليه وسلم، وتعزروا الرسول صلى الله عليه وسلم وتوقروه، أي: تعظموه، وتفخموه، وتجلوه، وتقوموا بحقوقه صلى الله عليه وسلم، ولتسبحوا الله عز وجل بكرة وأصيلًا، أي تنزهوه سبحانه وتصلوا له، وتديموا ذكره وتسبيحه، في أول النهار وآخره 90.

قال السعدي: «ذكر الله عز وجل في هذه الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله، وهو الإيمان بهما، وذكر الحق المختص بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو التعزير والتوقير، وذكر الحق المختص بالله عز وجل، وهو التسبيح له والتقديس بالصلاة وغيرها» 91.

وهناك آيتان في كتاب الله عز وجل أمر الله سبحانه فيهما عباده المؤمنين بأن يسبحوه في حالات مخصوصة -زيادة على التسبيح العام في كل حال-، والآيتان هما:

الآية الأولى: قوله تعالى في سياق الحديث عن حادثة الإفك: {وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} [النور: 16] .

لقد أمر الله عز وجل عباده المؤمنين في هذه الآية بأن يحسنوا الظن بإخوانهم عند سماع شيء يطعن في أعراضهم، وأن لا يخوضوا في حديث ينتهك أعراض إخوانهم من غير بينة أو دليل، وبين لهم سبحانه أنه كان الواجب عليهم عند سماع خبر الإفك في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكذبوه ويكذبوا قائله، وأن يبادروا إلى تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم وزوجه من هذا البهتان العظيم 92.

قال القرطبي: «الآية عتاب لجميع المؤمنين، أي: كان ينبغي عليكم أن تنكروه، ولا يتعاطاه بعضكم من بعض على جهة الحكاية والنقل، وأن تنزهوا الله تعالى عن أن يقع هذا من زوج نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن تحكموا على هذه المقالة بأنها بهتان» 93.

وفي الآية: إرشاد حكيم من رب العزة سبحانه لعباده المؤمنين؛ بأن يسبحوه عند سماع مثل هذه الأخبار المكذوبة التي تطعن في عرض النبي صلى الله عليه وسلم، أو عرض المؤمنين الصالحين، ومناسبة التسبيح في مثل هذه الحالة: تنزيه الله عز وجل من أن يقال مثل هذا الكلام في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو في نساء صالحي المؤمنين، ولبيان التعجب من تجرؤ الخائضين في مثل هذا الإفك والبهتان العظيم 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت