أولًا: المعنى اللغوي:
الهاء واللام والكاف: يدل على كسرٍ وسقوط. منه الهلاك: السقوط، ولذلك يقال للميت هلك 1، وهلك يهلك هلكًا وهلكًا وهلاكًا: مات. ورجلٌ هالكٌ. وهلك الشيء: يهلك هلاكًا وهلوكًا ومهلكًا ومهلكًا ومهلكًا وتهلكةً، والاسم الهلك، بالضم؛ وأهلكه غيره واستهلكه. وفي التنزيل: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} [الكهف: 59] .واستهلك المال: أنفقه وأنفده. وأهلك المال: باعه. والمهلكة والمهلكة: المفازة؛ لأنه يهلك فيها كثيرًا. والهلكون: الأرض الجدبة. والهلك والهلكات: السنون؛ لأنها مهلكةٌ. والهلاك: الجهد المهلك. والهلك: جيفة الشيء الهالك. والتهلكة: الهلاك. وفي التنزيل: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] . والمهتلك: الذي ليس له همٌ إلا أن يتضيفه الناس. والهلاك: الصعاليك، وقيل: الهلاك المنتجعون الذين قد ضلوا الطريق 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه البركتي فقال: «الهلاك أعم من الفناء وهو خروج الشيء عن الانتفاع المقصود به سواء بقى. أو لم يبق أصلًا بأن يصير معدومًا بذاته أو بأجزائه وهو الفناء، ويطلق أيضًا على الموت» 3
وفي التوقيف: «الهلك: تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى» 4
وعرف ابن عاشور الإهلاك بأنه: الاستئصال والأخذ والإبادة 5.
وردت مادة (هلك) في القرآن الكريم (65) مرة، يخص موضوع الإهلاك منها (58) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 37 ... {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) } [الحجر: 4]
الفعل المضارع ... 14 ... {أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) } [المرسلات: 16]
اسم الفاعل ... 6 ... {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) } [الأنعام: 131]
اسم المفعول ... 1 ... {فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) } [المؤمنون: 48]
وجاء الإهلاك في القرآن على ثلاثة أوجه 7:
الأول: الموت، مثل قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) } [الإسراء: 58] . أي: مميتوها.
الثاني: الفساد، مثل قوله تعالى: {يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) } [البلد: 6] . أفسدت مالًا كثيرًا.
الثالث: العذاب، مثل قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) } [الكهف: 59] . أي: عذبناهم.
العذاب:
العذاب لغة:
العين والذال والباء أصل صحيح، وأصل العذاب الضرب 8، والعذاب: النكال والعقوبة. ومنه قوله تعالى {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ} [المؤمنون: 76] 9.
العذاب اصطلاحًا:
كل مؤلم للنفس إذا كان جزاء على سوء 10.
الصلة بين الإهلاك والعذاب:
أن العذاب من المعاني المقاربة للإهلاك فكلاهما قد يستعمل في العقاب والنكال وكل ما شق على النفس 11، كما أن العذاب وسيلة من وسائل الإهلاك، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ} [طه: 134] .
فدل على أن له سبحانه الإهلاك في الدنيا والاستئصال بالعذاب 12، وقال تعالى: {فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} [الحاقة: 5] .
يعني: صيحة العذاب 13. و {الصَّاعِقَةُ} [الذاريات: 44] .
هي العذاب الذي فيه هلاك 14.
ويمكن القول بأن كل إهلاك فيه عذاب وليس في كل عذاب إهلاك.
قال الكفوي: «كل عذاب في القرآن فهو التعذيب إلا: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] . فإن المراد: الضرب» 15.
الموت:
الموت لغة:
الميم والواو والتاء أصل صحيح يدل على ذهاب القوة من الشيء. والموت: ضد الحياة. يقال: مات يموت فهو ميتٌ وميتٌ. والميت: هو الذي فارق الحياة 16.
الموت اصطلاحًا:
مفارقة الروح للجسد 17.
الصلة بين الإهلاك والموت:
أن الإهلاك والموت بينهما مقاربة فقد يستعمل أحدهما مكان الآخر في مواضع. فيقال هلك فلانٌ: بمعنى مات ومنه: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الانفال: 42] - {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} [النمل: 49] . وأهلك الله الظالمين: جعلهم يهلكون أو يموتون، أبادهم ولم يترك لهم أثرًا، ومنه: {نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية: 24] 18. كما نجد أن من أسماء الموت: الهلاك 19.
الاستئصال:
الاستئصال لغة:
القطع من الأصل. واستأصلته قلعته بأصوله، ومنه قيل: استأصل الله تعالى الكفار أي: أهلكهم جميعًا، واستأصل الله شأفته، أي: قطع أصله أو أذهب أثره 20.
الاستئصال اصطلاحًا:
لا يختلف عن معناه اللغوي.
الصلة بين الإهلاك والاستئصال:
أن بينهما مقاربة؛ حيث إن الإهلاك والاستئصال قد يدلان على دلالة واحدة وهي الاقتلاع من الأصل. جاء في المصباح: «استأصلته: قلعته بأصوله، ومنه قيل: استأصل الله تعالى الكفار أي: أهلكهم جميعًا» 21. كما يستعمل الاستئصال مع الإهلاك ليبين أن هذا الإهلاك إنما هو فناءٌ تام، فيقال: «سأهلكه الإهلاك المستأصل» 22.
التدمير:
التدمير لغة:
من دمر. والدمار: استئصال الهلاك.
قال تعالى: {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان: 36] 23.
التدمير اصطلاحًا:
قال تعالى: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل: 51] 24.
الصلة بين الإهلاك والتدمير:
واضحة جلية وخاصة إذا قصد من الإهلاك الإبادة والاستئصال؛ لذلك استعمل القرآن الكريم المعنيين عند ذكر إهلاك الأمم الكافرة، قال تعالى: {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} [الفرقان: 36] .
قال تعالى: {أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ} [النمل: 51] {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: 25] : أي: تهلك وتحطم 25.و قال تعالى: {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [محمد: 10] أي: أهلك واستأصل 26.
القصم:
القصم لغة:
من قصم، القصم: دق الشيء. وقصمه يقصمه قصمًا: أهلكه 27.
وقال الزجاج في قوله تعالى {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ} [الانبياء: 11] : ومعنى قصمنا: أهلكنا وأذهبنا» 28
القصم اصطلاحًا:
كسر الشيء حتى يتبين 29.
الصلة بين الاهلاك والقصم:
أن القصم قد يكون صفة من صفات الإهلاك؛ لأن في الإهلاك كسرًا مع الإبانة، وفيه الدق الشديد وفيه الإذهاب، ورأينا أنه قد يستعمل القصم بمعنى الإهلاك.
الأخذ:
الأخذ لغة:
الهمزة والخاء والذال أصل واحد 30، وهو: حوز الشيء. وفي الأصل بمعنى القهر والغلبة، واشتهر في الإهلاك والاستئصال 31، وجاء بمعنى العذاب في قوله تعالى {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ} [هود: 102] .
وقوله {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} [الحجر: 73] 32 وأخذه بذنبه: عاقبه، وفي التنزيل: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40] . {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا} [الحج: 48] 33 وأخذ الله الظالم: أهلكه 34.
الأخذ اصطلاحًا:
هو الإهلاك والاستئصال 35.
الصلة بين الإهلاك والأخذ:
من خلال التأمل في المعنى اللغوي والاصطلاحي للفظين نجد أنهما قد يتواردان على معنى واحد، مثل: الهلاك، والاستئصال، و العذاب، والعقوبة، و الموت، والقتل. كما أن القرآن الكريم استعمل اللفظين للتعبير عن عقوبة القرى والأمم وإهلاكهما.
مما يلفت انتباهنا ونحن نستقرئ آيات الكتاب المبين التي تحدثت عن الإهلاك أن هناك عشرة مواضع 36 اقترنت فيها «كم» التكثيريه مع الإهلاك، وسنحاول في السطور الآتية استلهام الحكمة من وراء ذلك.
أولًا: بيان أن (كم) في هذه الآيات أفادت التكثير:
قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} [يس: 31] .
قوله تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا} ، يفيد التكثير 37.
وقال تعالى: {كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ} [ص 3] .
(كم) هي الخبرية الدالة على التكثير 38.
وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [السجدة: 26] .
وكم هنا تفيد الاستفهام عن العدد، وهي بمعنى كثير 39.
وقس على ذلك المواضع العشر تجد أن كم فيها أفادت التكثير.
ثانيًا: بيان الحكمة من هذا التكثير:
أولًا: الاعتبار بكثرة الإهلاك وكثرة المهلكين.
قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الانعام: 6] .
والاعتبار هنا لأنهم: أمروا باستقراء الديار وتأمل الآثار، وفيها كثرة 40 فقال {أَلَمْ يَرَوْا} أي: ألم يعتبروا 41.
وقال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} [يس: 31] .
والمعنى: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم، ألم يروا ذلك فيعتبروا 42.
وقال تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [طه: 128] .
أي: أفلم يبين لهم كثرة إهلاكنا القرون قبلهم فيعتبروا 43.
ثانيًا: الاعتبار بكثرة فنون العذاب والحوادث الخارقة في إهلاك الامم.
قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ} [الانعام: 6] .
ونلحظ من كلام المفسرين أن كم هنا-التكثيريه- تفيد كثرة وسائل الإهلاك. فهنا استفهام إنكاري عن عدم رؤية القرون الكثيرة الذين أهلكتهم حوادث خارقة للعادة تدل على أنها مسلطة عليهم من الله عقابًا لهم 44.
قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [مريم: 26] .
أي: كثيرًا أهلكنا بفنون العذاب قبل هؤلاء القريش، من أمم عاتية كعاد، وثمود وأمثالهم، هم أحسن منهم أمتعة ومنظرًا 45.
ومن خلال ما سبق يتبين لنا: أن الحكمة من ذكر كم التكثيرية مع الإهلاك هو الاعتبار بكثرة الإهلاك وكثرة المهلكين سواء في عدد القرى المهلكة أو عدد أهل تلك القرى، وكذلك الاعتبار بكثرة وسائل الإهلاك المستخدمة في إهلاك الأمم كالصيحة والحجارة من السماء والصاعقة وغيرها.
لقد آثر القرآن الكريم ذكر (القرى) مع (الإهلاك) عن ذكر (الأمم) ، وذلك في خمسة عشر موضعًا 46.
ولفظ (القرية) في القرآن له دلالة غير المستعملة في عرفنا المعاصر. وتذكر المعاجم أن (قرى) يدل على جمع واجتماع، من ذلك «القرية» ، سميت قرية لاجتماع الناس فيها 47.
وعليه فالقرى في القرآن يقصد بها: «المنازل لجماعات من الناس ذوات البيوت المبنية، ويستعمل لفظ القرية مجازًا ليدل على سكانها» 48.
ومن الحكم التي من أجلها ذكر القرى مع الإهلاك وليس الأمم:
1.أن العبرة مع ذكر القرى أظهر وذلك لبقاء آثارها وأطلالها وأخبارها أمام المارين.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى? حَتَّى? يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ? وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى? إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) [القصص: 59] .
يقول ابن عاشور: «والقرى: ... وخصت بالذكر؛ لأن العبرة بها أظهر لأنها إذا أهلكت بقيت آثارها وأطلالها ولم ينقطع خبرها من الأجيال الآتية» 49.
ويؤكد ذلك المعنى الأستاذ سيد قطب فيقول: «وحين تجول العين والقلب في مصارع القرون، وحين تطالع العين آثارهم ومساكنهم عن كثب، عندئذ يدرك يد القدرة التي أخذت القرون الأولى وهي قادرة على أن تأخذ ما يليها. وعندئذ يعي معنى الإنذار، والعبرة أمامه معروضة للأنظار» 50.
والقرآن الكريم يظهر هذا المعنى صراحة في كثير من آياته:
فيقول الله تعالى: (وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(35 ) ) [العنكبوت: 35] .
(وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ(137) وَبِاللَّيْلِ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الصافات: 137 - 138] .
أي: تمرون في ذهابكم ومجيئكم إلى الشام للتجارة على قراهم وآثارهم ومنازلهم المهلكة 51.
2.أن في ذكر القرى مع الإهلاك دون الأمم إشارة إلى شدة الإهلاك والمبالغة في الاستئصال.
ففي التحرير والتنوير: «وإنما علق الإهلاك بالقرى للإشارة إلى شدة الإهلاك بحيث يأتي على الأمة وأهلها وهو الإهلاك بالحوادث التي لا تستقر معها الديار، بخلاف إهلاك الأمة فقد يكون بطاعون ونحوه فلا يترك أثرًا في القرى 52.
وفي تفسير قوله تعالي: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى? وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ?27?) [الاحقاف: 27] .
يقول ابن عاشور: «وكنَى عن إهلاك الأقوام بإهلاك قراهم مبالغة في استئصالهم؛ لأنه إذا أهلكت القرية لم يبق أحد من أهلها» 53.
3.أن في ذكر القرى مع الإهلاك وليس الأمم إشارة إلى شدة غضب الله تعالى على أهلها الأولين.
حيث تجاوز غضبه الساكنين إلى نفس المساكن.
ويدل على ذلك: قول الله تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص 58] .
وهو كناية عن حرمان تلك المساكن من الساكن. وتلك الكناية إشارة إلى شدة غضب الله تعالى على أهلها الأولين، بحيث تجاوز غضبه الساكنين إلى نفس المساكن، فعاقبها بالحرمان من الساكن؛ لأن بهجة المساكن سكانها 54. وفي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر، قال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم؛ أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين) ، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي» 55.
1.أولًا: الإهلاك بأمر الله:
قال تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} [الأنعام: 131 - 133] .
في الآيات بيان أن الإهلاك لا يكون الا بأمر الله تعالى وحده، فقد نسب إهلاك القرى إلى الرب فبين سبحانه بأن الشأن والحديث لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، كما أنه سبحانه علق مشيئة الإذهاب والإهلاك بأمره فقال: إن يشأ يذهبكم ثم يميتكم ويهلككم 56.
قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} [الإسراء: 16] .
يقول ابن عاشور: «فكان وإذا أردنا أن نهلك قرية شريطة لحصول الإهلاك، أي: ذلك بمشيئة الله ولا مكره له، كما دلت عليه آيات كثيرة كقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128] .
وقوله: {أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} [الأعراف: 100] .
وقوله: {وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا} [الإنسان: 28] » 57.
وهذا يعلمك أن من هلك فإنما هلك بإرادته وبأمره 58.
ويقول صاحب الظلال: «فإذا قدر الله لقرية أنها هالكة هلكت، فإن إرادة الله وأمره قد جعلت للحياة البشرية نواميس وسننًا لا تتبدل» 59.
وقال تعالى: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: 17] .
أي: ولو كان المسيح إلهًا لقدر على دفع أمر الله إذا أتى بإهلاكه وإهلاك غيره 60.
وقال تعالى: {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ} [الأعراف: 155] .
فهو التسليم المطلق بأن الإهلاك بأمر الله 61.
وقال تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [يونس: 49] .
أي: ولكل أمة أجلٌ ينزل بالذين كفروا فيها العذاب بأمر الله وحده 62.
وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} [هود: 40] .
أي: أمرنا بعذابهم وإهلاكهم 63.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود: 58] .
أي: ولما جاء أمرنا بهلاك عاد 64.
و {أمرنا} : عذابنا الذي أمرنا به، أو الإذن بالعذاب والأمر به 65.
قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود: 66] أي: فلما جاء أمرنا بإهلاكهم. والتقدير: يوم إذ جاء أمرنا 66.
وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} [هود: 82] .
أي: جاء أمرنا إلي الملائكة بالعذاب والإهلاك 67.
وبالجملة: يتبين لنا أن الإهلاك بأمر الله وحده من خلال: ذكر القرآن الكريم ذلك صراحة: باستخدام لفظ {أَمْرُنَا} في آيات الإهلاك والأخذ والعذاب، ومنها:
قوله تعالي: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا} [هود: 94] .
وقوله تعالي: {فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ} [المؤمنون: 27] .
وقوله تعالي: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50] .
وقوله تعالي: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ} [الحجر: 66] .
كذلك إسناد أمر الإهلاك وفعله إلى الله وحده في آيات منها:
قوله تعالي: {أَهْلَكْنَا} [الأنعام: 6] .
وقوله تعالي: {أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4] .
وقوله تعالي: {لَنُهْلِكَنَّ} [إبراهيم: 13] .
فالإهلاك كله بأمر الله وحده ومشيئته، والتعبير بنون العظمة بيان لعظمة الأخذ والآخذ.
ثانيًا: لا إهلاك إلا بعد إقامة الحجة بإرسال الرسل:
قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [القصص 59] .
أي: ما كان الله ليهلك القرى الكافرة حتى يبعث في أعظمها رسولًا ينذرهم 68 بالعذاب حجة عليهم 69.
والمعنى: ما صح وما استقام، أو ما كان في حكمه الماضي وقضائه السابق أن يهلك القرى قبل الإنذار، بل كانت سنته عز وجل التي لا تتخلف ودستوره الذي لا يتغير ألا يهلكها حتى يبعث في أصلها وحاضرتها التي ترتجع تلك القرى إليها رسولًا، وإنما أهلكهم بعد إلزامهم الحجة بإرسال الرسول كيلا يقولوا: {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} [طه: 134] . وتحقيقًا لوعده الذي لا يتخلف: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] . 70
قال تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131] .
أي: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسلا تنبههم على حجج الله عليهم 71.
فيبين سبحانه أن من سننه في إهلاك الأمم أنه لا إهلاك إلا بعد إقامة الحجة بإرسال الرسل 72.
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} [طه: 134] .
أي: إنما أرسلناك قطعًا لعذرهم وإلزامًا للحجة عليهم 73.
وقال تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الشعراء: 208 - 209] أي: وما أهلكنا من قرية إلا ولها رسلًا ينذرونهم بالعذاب أنه نازل بهم، وإنذارنا ذكرى 74.
وقال تعالى: {وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} [الفرقان: 39] .
قال الواحدي: «وكلًا ضربنا له الأمثال أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار 75.