فهرس الكتاب

الصفحة 2044 من 2431

غير أننا نرى أن نجاة موسى عليه السلام من الغم هي غير نجاته من الخوف والقتل التي سنأتي على ذكرها، فحين وكز ذلك القبطي، فوجئ به وقد فاضت روحه بين يديه، فأدرك أن ما أقدم عليه كان من عمل الشيطان وأنه اتبع عدو الله حين أضله من حيث لا يقصد: (قَالَ هَ?ذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) [القصص:15] .

فأحس بالندامة على فعلته وتملكه شعور بأنه ظلم نفسه وأنه كان ظهيرًا للمجرمين وأنه فقد نعمة الله عليه بذلك القتل وأنه معاقب عليه من الله لا محالة، فتوجه إلى ربه بالاعتراف بخطئه والدعاء بالمغفرة (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي [القصص:16] .

فاستجاب الله له دعاءه من فوره فغفر له ورفع عنه الغم فحين ذكر الله سبحانه لموسى عليه السلام مننه عليه كان من جملتها قوله: (فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ) [طه:40] .

أي: من شعورك بالحزن والندامة وظلم النفس ومخافة عقوبة الله إذ غفرنا لك.

الأصل في الكرب «الشدة والقوة .. ومن الباب الكرب وهو الغم الشديد» 59، وهو كذلك عند الراغب الأصفهاني 60.

أما ابن حجر فيعرف الكرب بأنه: «ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه» 61.

وقد وردت النجاة من الكرب في القرآن الكريم في أربعة مواضع، ثلاثة منها اختصت بأنبياء الله وجاء (الكرب) فيها بصيغة التعريف، وقد لازم الكرب صفة واحدة هي كونه عظيمًا، وجاء في الموضع الرابع في سياق عام بصيغة التنكير من غير تخصيص.

وقد ارتبطت مواقف النجاة من (الكرب) في القرآن الكريم بمواقف الخوف والشدة التي تعصف بالنفوس وتحملها على الاغتمام، فنوح عليه السلام كان يتملكه الخوف على قومه من عذاب الله، قال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأعراف:59] .

وقد لبث فيهم «ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله عز وجل فلم يؤمن به منهم إلا القليل وكانوا يتصدون لأذاه ويتواصون قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل على خلافه» 62 ويمعنون في السخرية منه وتكذيبه واتهامه بالجنون.

قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر:9] .

فنادى نوح عليه السلام ربه بندائه الأول الذي جاء بسبب شعوره بالبؤس مما يفعله قومه: (قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ?117?فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ?118?) [الشعراء:117 - 118] .

فاستجاب الله تعالى لندائه إذ طلب (الفتح والنجاة) فأجابه أولًا بالفتح وذلك بقوله: (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ?11?وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى? أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ?12?وَحَمَلْنَاهُ عَلَى? ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ?13?) [القمر:11 - 13] .

ثم أجابه ثانية بالنجاة مما كان يخيم عليه وأهله من حزن وكرب عظيم ومن الأذى والمكروه الذي كان يصيبهم من الكافرين والعذاب الذي أحل بالمكذبين من طوفان وغرق 63، وذلك بقوله: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى? مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) [الأنبياء:76] .

حتى إذا جرت بهم الفلك في البحر تملكه وأهله الحزن والغم ثانية من أمر ابنه الذي لم يركب معهم وآوى إلى جبل يعصمه، وحال بينه وبين أبيه وأهله الموج، فجاء النداء الثاني: (وَنَادَى? نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ?45?قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ? إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ? فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ? إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ?46?) [هود:45 - 46] .

فرفع الله بجوابه هذا الغم والحزن الشديد عن نوح عليه السلام وأهله وخلصهم مما كان يعتصر قلوبهم من هم وكرب.

قال تعالى: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ?75?وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ?76?) [الصافات:75 - 76] .

يلاحظ أن هناك اختلافًا واضحًا في صورتي النجاة الآنفتين من جهتين: أن النجاة في الأولى جاءت في شكل استجابة لنداء نوح عليه السلام وطلبه النجاة، فقال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا) ، وأنها جاءت متصلة بـ (الفتح) فقال «فنجيناه» بالفاء على الترتيب.

في حين جاءت النجاة في الثانية في شكل جواب على سؤال نوح عليه السلام في شأن ابنه وليست استجابة، فقال تعالى: (فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ) فجاءت النجاة من الله متصلة بالنجاة الأولى فقال: «ونجيناه» بالواو، أي: مرة أخرى.

وقد وقع الخلط عند كثير من المفسرين بين نداءات نوح عليه السلام ودعائه ففسروا هذي بتلك، والفرق واضح بينهما في سياقات كل منهما وفي طبيعة الاستجابة الإلهية إلى كل منهما.

وترد النجاة من الكرب في موضع آخر من القرآن الكريم وهو قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى? مُوسَى? وَهَارُونَ ?114?وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ?115?) [الصافات:114 - 115] .

قيل في معنى (الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) : من الغرق 64.

وقال ابن كثير: أي «من قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النساء واستعمالهم في أخس الأشياء» 65.

غير أن المتتبع لقصة موسى عليه السلام يجد أن النجاة هنا توحي بالخلاص من مواقف شديدة وعصيبة، فحين أمر الله تعالى موسى وهارون (عليهما السلام) فقال: (اذْهَبَا إِلَى? فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى? ?43?فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى? ?44?قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى? ?45?) [طه:43 - 45] .

فقد كان الخوف يخيم عليهما وبالأخص موسى عليه السلام الذي تعددت أسباب الخوف عنده (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ?12?وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى? هَارُونَ ?13?وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ?14?) [الشعراء:12 - 14] .

ثم إذا انتهيا إلى فرعون وحدثاه بما أمرهما الله به أمعن فرعون في جدال موسى عليه السلام والسخرية منه وتهديده (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَ?هًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) [الشعراء:29] .

فأنجاه الله من هذا الموقف بما أظهره لفرعون من معجزات، غير أن الموقف أفضى إلى اتساع رقعة التحدي فجمع السحرة فلما ألقوا حبالهم وعصيهم (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) [الأعراف:113] .

فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى?) [طه:67] .

فأنجاه الله ثانية من الخوف ومن هول ذلك الموقف، ثم توعد فرعون قوم موسى عليه السلام (ں قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الأعراف:120] .

فبلغ ذلك الوعيد بني إسرائيل (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى? إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى? خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ? وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ?83?) [يونس:83] .

وكانوا في شدتهم تلك يتوجهون إلى الله تعالى بالدعاء بالنجاة: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?85?وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ?86?) [يونس:85 - 86] .

فاستجاب الله لهم وخلصهم من خوفهم وشدتهم وأنقذهم من فرعون وجنوده، فلما أراد الله تعالى أن يذكر مننه على موسى وهارون جمع كل مواقف النجاة الآنفة في قوله: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى? مُوسَى? وَهَارُونَ ?114?وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ?115? ( [الصافات:114 - 115] .

أي: أنجيناهما وقومهما المرة تلو الأخرى من لحظات الخوف والرعب التي كانت ترافقهم في تلك المواقف الشديدة.

ولم تكن النجاة من الكرب مختصة بالمواقف التي يواجهها الأنبياء ومن آمن معهم بالله، بل لقد جاء في كتاب الله تعالى ما يثبت أنها رحمة الله التي لا تستثني أحدًا من الناس يخلصهم بها من خوفهم وما يعتصر قلوبهم من حزن وغم.

قال تعالى: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَ?ذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ?63?قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ?64?) [الأنعام:63 - 64] .

قيل: إن الله سبحانه خاطب بهذه الآية أهل الشرك 66 يسائلهم عن من يكون وراء نجاتهم إذ يدعونه في شدائدهم التي تصيبهم أو حين يحاطون بظلمات البر والبحر والليل والغيم فيخطئون الطريق ويخافون الهلاك 67، ويعدونه بأن يشكروا نعمته إن نجاهم من تلك الشدائد، ثم يجيبهم بأنه هو من ينجيهم من تلك الشدائد، ويذكرهم بأن نعمته عليهم بالنجاة لا تقف عند حدود المواقف العصيبة التي يدعونه بها، بل هي أوسع من ذلك بكثير.

حاصل ذلك أنه ما من كرب نمر به إلا وكان الله تعالى وراء خلاصنا ونجاتنا وفك أسرنا من ضيقه وشدته سواء دعوناه للنجاة منه أم لم ندعه، وعدناه بالشكر أم لم نعده، شكرناه بعد نجاتنا أم لم نشكره، فالله تعالى رحيم بالعباد، ذو مغفرة للناس على ظلمهم، فحري بنا أن ننقاد إليه في شدتنا ورخائنا.

الفقر مشكلة إنسانية فردية كانت أم مجتمعية لها تبعاتها وتأثيراتها النفسية التي يمكن من خلالها أن يتولد الضعف في العقيدة والشك والارتياب في عدالة التوزيع الإلهي للرزق، ما قد يؤدي إلى الانحراف العقائدي 68، أو الانجراف مع التيارات الفكرية الخطيرة التي تحيد بالمرء عن عقيدته من جراء ما يعانيه من ضنك الفقر ومرارته، وتدفع به إلى الكفر أحيانًا. ويقينًا أن للفقر تأثيرات عدة في تقويض شخصية الفرد وتشتيت أفكاره وتقييد إبداعه، فضلًا عن تأثيره البالغ في هشاشة العلاقات الأسرية وتفتيتها، فالفقر سبب رئيس في نشوء كثير من الخلافات الأسرية والمشاكل المؤدية إلى التفكك والتشرد وأحيانا إلى بيع الأبناء أو قتلهم.

ولم يغفل كتاب الله تعالى عن هذه المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تسهم إلى حد كبير في تهديد الأفراد والمجتمعات وتقوض أمنها واستقرارها، فسعى في كثير من آياته إلى وضع حلول وسبل كفيلة بالنجاة من هيمنة الفقر وسطوته، ليؤكد بذلك أن الفقر ليس قدرًا محتومًا على الناس، وليس أمرًا مقسومًا «لا راد له ولا حيلة في دفعه، وأن غنى الغني بمشيئة الله وفقر الفقير بمشيئة الله، ومشيئته تعني رضاه، فليرضى كل واحد بوضعه لا يطلب له تبديلًا أو تغييرًا» 69.

بل لقد وضع الله تعالى حلولًا ناجعة لكل مشكلة تهدد صلاح الإنسان وصلاح مجتمعه، فمن أراد الخلاص من الفقر سلك طريق الله الموصلة إلى النجاة منه، ومن رغب عن ذلك الطريق فقد رضي بالخضوع والاستسلام إلى هيمنة الفقر وتبعاته.

والجدير بالذكر أن لفظة النجاة لم ترد صريحة بأية صيغة من صيغها في الآيات التي تحدثت عن سبل الخلاص من الفقر، بل يمكننا أن نفهم من سياقات تلك الآيات ما ترمي إليه من غرض يقصد به موضوعه النجاة.

وأولى تلك السبل هي تقوى الله.

قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ?2?وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ?) [الطلاق:2 - 3] .

فقد جعل التقوى شرطًا في تحقيق النجاة من الشدائد والفقر، والتقوى -كما مر بنا سابقًا- تتحقق بأمور عدة كالتورع عن المحارم واحترام حدود الله وشرائعه وعدم تجاوزها وكثرة الذكر والاستغفار أما المراد بالمخرج في الآية الكريمة: فالنجاة من كل كرب سواء في الدنيا أو الآخرة، وأما الرزق: فالخلاص من ضائقة الفقر وضنكه، فقد قيل: إن الآية «نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر العدو ابنًا له فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الفاقة، فقال اتق الله واصبر وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله ففعل الرجل ذلك، فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة» 70.

فالملاحظ أن أول ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشجعي تقوى الله، ثم الصبر على البلاء، وقرن ذلك كله بالانقطاع إلى الله بالذكر والدعاء المستمر.

والسبيل الأخرى هي السعي إلى العمل وطلبه والهجرة إليه إن اقتضى الأمر قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ? وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ?15?) [الملك:15] .

فالله تعالى وإن جعل الأرض ذلولًا لعباده إلا أن ذلك التذليل لا يمثل إلا جزءًا من مهمة تحصيل الرزق التي لا تتم إلا بتحقق الجزء الآخر وهو السعي والكد والعمل الدؤوب الذي أمر الله تعالى به، فالسعي هو الذي يفضي بنا إلى أن ننعم بخيرات الله ونأكل من رزقه، وعلى النقيض منه يكون القعود والاتكال الذي لا يفضي إلا إلى الفقر والذلة والمسكنة.

فإذا ضاقت سبل العيش في البلاد وشحت فرص العمل فلا سبيل للعبد إلى النجاة من الفقر غير الهجرة إلى مكان آخر طلبًا للرزق قال تعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) [النساء:100] .

وقال أيضًا: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ?) [المزمل:20] .

فهذه النصوص وغيرها تقدم دروسًا بليغة للعباد في تحدي صعوبة الظروف وقساوتها، وإيجاد الحلول البديلة لمواجهة خطر الفقر، وتدعونا إلى عدم الاستسلام إلى تلك الظروف أو انتظار الفرج من غير سعي، فالسعي يمثل خطوة أساسية في طريق الخلاص من آفة الفقر.

والسبيل الثالثة للنجاة من الفقر هي الإنفاق وتحقيق التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، فقد أمر الله تعالى عباده بالإنفاق في كثير من آياته من ذلك قوله تعالى: (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ?) [الحديد:7] .

ثم جعل لتلك النفقات أبوابًا كالزكاة والصدقات وغيرها، وشرع لها أحكامها، وحدد المكلفين بها والقائمين عليها وميز مستحقيها من الفقراء من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل وغيرهم، وبين للناس أهمية الإنفاق في بناء المجتمعات وصلاح أمورها، وما ينتظر المنفقين من أجر عظيم في الدنيا والآخرة، وما يجازى به من تخلف عن أداء واجبه الشرعي من الإنفاق.

قال تعالى:) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى? وَاتَّقَى? (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى? (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى? (7) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى? (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى? (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى? (10 ) ) [الليل:5 - 10] .

والإنفاق بالنسبة إلى المؤمن يمثل سلاحًا ذا حدين، ففي الوقت الذي يسهم فيه بنجاة المجتمع وخلاص أفراده من الفقر، يعمل على وقاية النفس ونجاتها من كرب الدنيا والآخرة.

قال تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [التغابن:16] .

في مقابل ذلك نرى من ينأون بأنفسهم عن مجتمعهم لا يهمهم شيء من إصلاح شأنه، ولا يفكرون في إنقاذ أفراده ونجاتهم من الفقر، وبسبب ضعف إيمانهم نجدهم لا يتصدقون (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) [التوبة:54] .

وبعد ذلك كله يحسبون أنهم بمفازة من عذاب الله، إن هم إلا يظنون قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة:34] .

فالإنفاق في سبيل الله فريضة على المسلمين؛ لبناء مجتمع قائم على إشاعة المحبة والإخاء والمساواة والعمل على القضاء على الطبقية باتباع المنهج الإسلامي الداعي إلى تحقيق التكافل ووحدة الصف في مكافحة آفة الفقر.

يزخر كتاب الله تعالى بمشاهد مختلفة تصور لنا مواقف الظلم في مختلف مراتبه وأحواله منذ بدء الخليقة وتعرض لنا أحداثًا وقصصًا شهدت صراعات مستمرة جسدت أدوار الظلم التي خاضها الإنسان بغروره وكبره ودور عدالة السماء في إيقاف تجاوزاته والحد من ظلمه ليعتبر بها المعتبرون.

في الوقت نفسه تطرح آيات الكتاب المبين حلولًا وسبلًا شتى لاجتناب الوقوع في الظلم بإتيانه أو الإعانة عليه أو السكوت عنه، أما وسائل النجاة من الظالمين فيمكن تلخيصها في ثلاثة أمور:

الأول: عدم الركون إلى من يظلم أو مجالستهم: قال تعالى: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) [هود:113] .

فالنهي هنا يتناول كل ما من شأنه أن يؤدي إلى الانحطاط «في هواهم والانقطاع إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم والتزيي بزيهم ومد العين إلى زهرتهم وذكرهم بما فيه تعظيم لهم» 71. من جانب آخر نهانا الله تعالى بما نهى عنه نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم عن القعود مع الذين يخوضون في آياته ووجوب الإعراض عنهم.

قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأنعام/68] .

فالإعراض عن مجالس الظالمين هو إجراء وقائي يمثل وسيلة من وسائل النجاة من مظاهرتهم والاتصاف بصفتهم ورفضًا قاطعًا لما يصدر عنهم من ظلم، أما المكوث بينهم فلن يؤدي إلا إلى التفاعل مع ذلك الخوض واستطابته بمرور الزمن والانحدار بالنفس إلى القناعة بما يصدر عن أصحابه من ظلم.

الثاني: اجتناب إعانة الظالمين على ظلمهم: فالظالم لا يقوى إلا بأعوانه الذين يتنافسون في التودد إليه من خلال ما يزينونه له من الحق في تبرير ظلمه وجبروته، فمثل هؤلاء الأعوان لا يقلون شأنًا عند الله من الظالم نفسه لأن «الظالم والمعين على الظلم والمحب له سواء» 72.

ولا أدل على ذلك من قصة فرعون والملأ من حوله الذين كانوا يحرضونه على موسى وقومه، الذين يذكرهم الله تعالى بقوله: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى? وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ? قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) [الأعراف:127] .

فلما شاء الله أن ينزل عقابه بفرعون لم يخصه وحده به، بل بمن ناصره وأعانه على ظلمه قال تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ? فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [القصص:40] .

لذا لا يتصور الخلاص من الظلم وفتنته ما لم يسع المرء إلى النجاة بنفسه من مناصرته أو إتيانه.

الثالث: الدعاء إلى الله: وقد سبقت منا الإشارة إلى فضل الدعاء في النجاة عمومًا، ونقف هاهنا لنسلط الضوء على أهمية الدعاء في الخلاص من الظالمين وظلمهم، إذ لا شك أن الله سبحانه كرم بني آدم وخلقهم أحرارًا يحيون في ملكوته ويبتغون من فضله، وزرع فيهم بذرة الرفض لمظاهر الظلم، وقد لا يكون الرفض وحده كافيًا للنجاة من الظلم، فيحتاج إلى تدخل إرادة الله ونصره ولا يتم ذلك إلا بإخلاص النية والتوجه إليه بالدعاء إلى النجاة من الظالمين.

ويمكننا بالعودة إلى قصتي نبيي الله نوح وموسى (عليهما السلام) أن نرصد أهمية (دعائهما) في نجاتهما من القوم الظالمين بعد أن استعرضنا في ما مضى من الكلام أهمية (ندائهما) في النجاة من الكرب العظيم. فقد شكا نبي الله نوح عليه السلام قومه إلى الله تعالى: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا [نوح:21] .

ثم دعا ربه بدعاءين رغبة في الخلاص من ظلمهم كان أحدهما حين أحاط به قومه ليقتلوه إذ طلب النصرة لنفسه مستغيثًا (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) [القمر:10] .

فاستجاب له ربه، فأنجاه والنفر الذين آمنوا معه من القوم الكافرين قال تعالى: فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ?) [الأعراف:72] .

فقوله: (فَأَنجَيْنَاهُ) دال على أن الله تعالى هدى نوحًا عليه السلام والذين آمنوا معه إلى سرعة النجاة من العذاب استجابة لدعائه، ثم إذا استأصل شوكة الذين كذبوه فلم يصلوا إليه قال تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [المؤمنون:28] .

ثم إذا غمرهم الطوفان دعا نوح عليه السلام ربه بدعائه الآخر (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ?26?) [نوح:26] .

فاستجاب له ربه فأغرقهم ونجاه ومن معه (منهم ومن الطوفان) .

قال تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) [يونس:73] .

فدل بقوله: (نجيناه) على حصول النجاة أكثر من مرة ومن أكثر من شيء، ودل بالاسم الموصول (من) على الشمول، فالنجاة هنا لم تختص بنوح عليه السلام والذين معه من المؤمنين، بل به وبجميع من معه في السفينة من بشر ودابة.

فهذه المشاهد القرآنية البليغة تدعونا إلى التفكر في أهمية الدعاء في الانتصار من الظالمين والنجاة منهم ومن ظلمهم وتؤكد لنا بالدليل القاطع أن الله قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه.

أما نبي الله موسى عليه السلام فقد قيل إنه لما عرف ما هو عليه من الحق في دينه، عاب ما عليه قوم فرعون من عبادته وعبادة الأصنام، وفشا ذلك منه فأخافوه وخافهم، فكان لا يدخل المدينة إلا خائفًا مستخفيًا 73.

فدخلها يومًا على حين غفلة من أهلها وجرى ما جرى من أمر الإسرائيلي الذي استغاثه على القبطي الذي قتله، فأصبح في المدينة خائفًا يترقب، فجاءه رجل من شيعته، قال: (يَا مُوسَى? إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ. فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ? قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?21?) [القصص:20 - 21] .

يلاحظ أن نبي الله موسى عليه السلام استعان بالدعاء للنجاة من قوم فرعون بعد أن تملكه الخوف من بطشهم به، وإنما وصفهم بالظالمين في ما يبدو لأحد أمرين: إما أنهم ظالمون لأنهم لم يهتدوا إلى الحق لما دعاهم إليه بادئ الأمر أو لأنهم أرادوا أن يقتلوه ظلمًا بفعلة لم يتعمد إتيانها، فلما كان قصاصهم غير مكافئ لفعلته وصفهم بالظالمين وفي ذلك يقول الرازي في قوله: (نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) «وهذا يدل على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذنبًا وإلا لكان هو الظالم وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم إياه ليقتلوه قصاصًا» 74.

فلما بلغ أرض مدين ولقي النبي شعيب عليه السلام وقص عليه القصص، جاءه جواب الله على لسانه حين قال له: (نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص:25] .

وإنما كانت نجاة موسى عليه السلام بصدق دعائه وعظيم ثقته بالله.

الصدق إذن منجاة العباد، فمهما بلغت مستويات الظلم والتنكيل، تبقى إرادة الإنسان الصادقة أقوى في مواجهتها إذا استندت إلى قوة الله وعقدت الصلة بين القوتين بحبل من الإيمان والتقوى، فقوى الظلم التي تهدد العباد وتستبيح البلاد لم تسطع على مر العصور والأزمان أن تحافظ على أمنها ولم تتمكن من الاستمرار في نهجها الظالم، إذ لا زالت هنالك في كل مكان وزمان قوى إيمانية رافضة للاستبداد ترخص الأنفس في سبيل إعلاء كلمة الحق والدفاع عن كرامة الإسلام والمسلمين أينما خيم الظلم على الأمة.

وقد ورد الضلال بصيغه المختلفة في القرآن الكريم بمعان عدة منها الغواية والاستنزال عن الشيء والخسران والشقاء والهلاك والإبطال والخطأ والنسيان والجهل فضلًا عن المعنى الرئيس الذي يدل عليه أي: نقيض الهدى 75. ويفهم من ذلك أن الإنسان كلما نهج سبيل الحق والعدل والصواب كان على هدى، وكلما وقع في الخطأ عمدًا أو سهوًا أو جهلًا كان على ضلال، ولكن لكل ضلال رتبته ونسبته كما يصف لنا القرآن ذلك فالضلال بذاته منه المبين والبعيد والكبير، ويقينًا أن لكل واحد منها درجاته ونسبه، أما النجاة منه فتتحقق بأمور عدة يمكن إجمالها بما يأتي:

أولًا: الإيمان المطلق بوحدانية الله تعالى والتسليم له بالعبودية: فالشرك بالله لا يؤدي إلا إلى الضلال.

قال تعالى: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء:116] .

ثانيًا: إخلاص الدين والموالاة لله: فقد أمر الله الناس بعبادته وحده، فهو الخالق القاهر فوق عباده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت