فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 2431

والصديد: «هو ما يسيل من الدمل والجروح من القيح» 116. وهذا الماء يكون في نفسه صديدًا؛ لأن كراهته تصد عن تناوله 117.

وقد اشتملت هذه الآية على بيان قبح هذا الشراب وشدة إيذائه بوجوه بليغة، منها 118:

••أنه جعل الصديد ماء على التشبيه البليغ في الإسقاء؛ لأن شأن الماء أن يسقى، والمعنى: ويسقى صديدًا عوض الماء إن طلب الإسقاء.

••أنه عطف جملة (وَيُسْقَى) على جملة (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ) لأن السقي من الصديد شيء زائد على نار جهنم، فإسقاؤه من ماء الصديد عذاب فوق دخوله النار.

••أن هذا الصديد يسقاه بعنف فيتجرعه غصبًا وكرهًا، وأنه (وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) أي: لا يقارب أن يسيغه فضلًا عن أن يسيغه بالفعل لقذارته ومرارته، والتقزز والتكره باديان، نكاد نلمحهما من خلال الكلمات.

••ماء كالمهل.

قال تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ? بِئْسَ الشَّرَابُ) [الكهف: 29] .

والمهل هو عكر الزيت المغلي شديد الحرارة، وتشبيه هذا الماء بالمهل في سواد اللون وشدة الحرارة، فلا يزيدهم إلا حرارة 119. فهو كالمهل في سواده ونتنه وغلظته وحرارته 120.

وقد بينت الآية من آثار هذا الشراب أنه يشوي الوجوه شيًا والتعبير بالوجه؛ لأنه «أشد الأعضاء تألمًا من حر النار.

قال تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ) [المؤمنون: 104] » 121.

وإذا كان يشوي الوجوه عند الاقتراب منه «فكيف بالحلوق والبطون التي تتجرعه؟!» 122.

ومما يجلي لنا أثر هذا الماء في أهل النار ما ذكره سعيد بن جبير قال: «إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارًا مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود» 123.

كما حكم الله على هذا الشراب بأنه (بِئْسَ الشَّرَابُ) [الكهف: 29] .

فيا لله ما أقبح هذا الشراب! وما أقبح وصفه ونعته! وهل هناك شراب أقبح من شرابٍ وصفه الله بالقبح والسوء؟!

وذكر لهذه الأنواع من الشراب أوصافًا، وهي:

••شدة الحرارة.

••نتن الرائحة وشدة البرودة.

••سواد اللون.

ثالثًا: اللباس:

مما ذكره الله تعالى في القرآن من ألوان العذاب للكفار والمجرمين في النار اللباس، حيث بين تعالى أنه أعد للمعذبين في النار لباسًا، هذا اللباس لا يقيهم بردًا ولا حرًا، وإنما لباسٌ يحرق أبدانهم، ويأكل جلودهم، ويذيب لحومهم.

وقد جاء الإخبار عن هذا اللباس في قوله تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ [الحج: 19] .

قال ابن كثير رحمه الله: « (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ) أي: فصلت لهم مقطعات من نار، قال سعيد بن جبير: من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي» 124.

وكان إبراهيم التيمي يقول: «(فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ سبحان من قطع من النيران ثيابًا» 125.

وقد جاء في الحديث أن أول من يكسى من حلل النار إبليس، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول من يكسى حلةً من النار إبليس فيضعها على حاجبه، ويسحبها وهو يقول: يا ثبوراه، وذريته خلفه، وهم يقولون: يا ثبورهم، حتى يقف على النار، ويقول: يا ثبوراه، ويقولون: يا ثبورهم، فيقال:(لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ?14?) [الفرقان: 14] ) 126.

وجاء بيان مادة هذا اللباس في قوله تعالى: « (سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ) [إبراهيم: 50] .

أي: ثيابهم التي يلبسونها عليهم من قطران 127، وهو الذي تطلى به الإبل، وهو ألصق شيء بالنار ... » 128.

وقد جعل ثيابهم من قطران؛ لأنه «شديد الحرارة يؤلم الجلد الواقع عليه» 129؛ ولأن «النار إذا لفحته قوي اشتعالها» 130.

والقطران تجتمع فيه صفات أربع: أنه يحرق الجلد؛ ولذا تطلى به الإبل الجرب، وأنه يسرع فيه اشتعال النار، وأنه أسود اللون، منتن الريح، فإذا طليت به جلود أهل النار عاد طلاؤه لهم كالسرابيل -وهي القمص-؛ لتجتمع عليهم الأربع: لذع القطران وحرقته، وإسراع النار في جلودهم، واللون الوحش، ونتن الريح 131.

«فمشهد المجرمين اثنين اثنين مقرونين في الوثاق، يمرون صفًا وراء صف، مشهد مذل دال كذلك على قدرة القهار، ويضاف إلى قرنهم في الوثاق أن سرابيلهم وثيابهم من مادةٍ شديدة القابلية للالتهاب، وهي في ذات الوقت قذرة سوداء من قطران، ففيها الذل والتحقير، وفيها الإيحاء بشدة الاشتعال بمجرد قربهم من النار» 132.

رابعًا: سكن أهل النار:

النار هي الدار التي أعدها الله للكافرين والمجرمين، فهي سكنهم ومستقرهم، وهي مأواهم الذي لا مأوى لهم سواها، ولا مولى لهم إياها، جعلها الله سجنًا لهم، لا يجدون لهم منه مفرًا ولا مخرجًا.

قال تعالى: (أُولَ?ئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [يونس: 8] .

وقال: (وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ? وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 151] .

وقال أيضًا: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ?28?جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا ? وَبِئْسَ الْقَرَارُ ?29?) [إبراهيم: 28 - 29] .

وقال: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى? ?37?وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ?38?فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى? ?39?) [النازعات: 37 - 39] .

وإذا كان السكن غايته تحصيل معاني الطمأنينة والسكينة والراحة، فإن سكن أهل النار ليس فيه شيء من ذلك ألبتة، ففيه يعذبون أشد العذاب، ويلاقون من أنواع المهانة والصغار ما تعجز عن وصفه أكثر أقلام الكاتبين تشاؤمًا، فهو سكنٌ لا راحة فيه، ولا نوم فيه، طعامهم فيه عذاب، وشرابهم فيه عذاب، وثيابهم فيه عذاب، وفرشهم فيه عذاب. وصدق الله العظيم إذ يقول: (. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا) [الفرقان: 66] .

ويمكننا أن نستخرج من آيات القرآن أهم صفات هذا المسكن من خلال ما يأتي:

••محيطة بساكنيها.

لما كانت جهنم سجنًا لساكنيها فقد جعلها الله محيطة بهم إحاطة السوار بالمعصم.

قال تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ?) [الكهف: 29] .

والمراد من ضرب هذا السرادق «ألا يكون لهم مخلص منها ولا فرجة يتفرجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار، بل هي محيطةٌ بهم من كل الجوانب» 133.

فلا فرجة لهم ينظرون منها إلى ما وراءها من غير النار، ولا هي تطال أحدًا غيرهم، فقد اجتمع عذابها بكامل لهبها ودخانها وشررها عليهم، لا يضيع منه شيء في هواء أو فضاء؛ لأنها محيطة بهم، مغلقة عليهم.

••ضيقة على سكانها.

جهنم مسكن لمن قدر الله عليه أن يكون من أهلها، وهذا المسكن على سعته واتساعه إلا أنهم فيها في ضيق، ضيقٌ يحيط بأبدانهم زيادة على الضيق الذي يملأ صدورهم.

قال تعالى: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) [الفرقان: 13] .

وقد ذكر بعض العلماء في قوله: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ?8?فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ?9?) [الهمزة: 8 - 9] .

أن العمد بمعنى القصبة المجوفة تضيق عليهم 134.

وإذا كان من «جمع في مكانٍ يجمع بين ضيق المكان وتزاحم السكان، وتقرينهم بالسلاسل والأغلال» 135، فهل بعد هذا عذاب؟!

••مغلقة على سكانها.

أهل النار مقيمون فيها إقامة جبرية لا خيار لهم في الخروج منها إلى غيرها؛ لأنها مغلقة عليهم، فلا يجدون سبيلًا للخروج، ولا طريقًا للخلاص.

قال تعالى: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ?8?) [الهمزة: 8] . ومعناه: مطبقة أو مغلقة 136.

و «معنى إيصادها عليهم: ملازمة العذاب واليأس من الإفلات منه، كحال المساجين الذين أغلق عليهم باب السجن» 137.

وبهذا يسد عليهم كل طريقٍ للفرار إلا طريقًا واحدًا وهو الفرار إلى وادٍ من الحميم.

قال تعالى: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: 44] .

يقول ابن عاشور رحمه الله: «يمشون بين مكان النار وبين الحميم، فإذا أصابهم حر النار طلبوا التبرد، فلاح لهم الماء، فذهبوا إليه فأصابهم حره، فانصرفوا إلى النار دواليك» 138. ففرارهم من عذابٍ إلى عذاب.

بين القرآن الكريم سبل الوقاية من النار حتى يسلكها العبد للنجاة من النار وعذابها، وسوف نتناولها بالبيان فيم يأتي:

أولًا: توحيد الله:

التوحيد هو إفراد الله بالعبادة، وتنزيهه عن كل ند وشريك ومثيل، وهو أشرف المقامات وأعلاها على الإطلاق، وهو رأس الأمر، وأصل الدين الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين دينًا غيره، ولأجله أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] .

وهو أعظم حقٍ لله تعالى على عبيده، ففي الصحيحين من حديث معاذٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) 139.

ولما كان توحيد الرب جل جلاله بهذه القيمة وذاك الشرف كان -لا شك- أعظم أسباب النجاة من النار، ويتبين ذلك من خلال ما يأتي:

••التوحيد مفتاح المغفرة.

باب مغفرة الذنوب والطمع في تجاوز الله عنها مفتاحه واحد هو توحيد الله، ولا يغلق هذا الباب إلا بقفل واحد هو بالموت على الشرك، وقد جاء بيان هذه الحقيقة في القرآن في كثير من الآيات، أظهرها قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ?لِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى? إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء: 48] .

وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَ?لِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء: 116] .

«فالمشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئًا؛ ولهذا قال تعالى: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى? إِثْمًا عَظِيمًا) [النساء: 48] .

وفي الحديث القدسي قال رب العزة: (ومن لقيني بقراب الأرض خطيئةً لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرةً) » 140.

••التوحيد مفتاح دخول الجنة.

إذا كان التوحيد مفتاح المغفرة فلازم ذلك أنه مفتاح الجنة، فالجنة مفتوحة أبوابها للموحدين مهما كثرت ذنوبهم، مغلقة أبوابها أمام المشركين مهما كثرت فضائلهم، فالجنة محرمة عليهم؛ لأنهم اخترقوا حرمة التوحيد، وتنكروا لنعم الله وأفضاله عليهم.

قال تعالى: (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [المائدة: 72] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار) 141.

فالتوحيد من أعظم الأمور التي تكفل له النجاة يوم أن يلقى خالقه، ويقبل على ربه ومولاه، وقد أمر الله كل من يرجو لقاءه ويخاف عقابه بالتخلص من الشرك قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى? إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف: 110] .

يقول ابن عاشور: «المعنى: يوحي الله إلي توحيد الإله، وانحصار وصفه في صفة الوحدانية دون المشاركة، وتفريع (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ) [الكهف: 110] .

هو من جملة الموحى به إليه، أي يوحى إلي بوحدانية الإله، وبإثبات البعث، وبالأعمال الصالحة، فجاء النظم بطريقة بديعة في إفادة الأصول الثلاثة؛ إذ جعل التوحيد أصلًا لها، وفرع عليه الأصلان الآخران، وأكد الإخبار بالوحدانية بالنهي عن الإشراك بعبادة الله تعالى» 142.

وهكذا يظهر ما للتوحيد من أثرٍ عظيم في نجاة العبد يوم القيامة، ووقايته من الجحيم.

••التوحيد سبب الأمن في الدنيا والآخرة.

الآخرة فيها أهوال جسام وشدائد عظام يشيب من هولها الولدان، والناس فيها سيكونون في فزعٍ عظيم، ورعبٍ شديد.

قال تعالى: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ? وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ?87?) [النمل: 87] .

وتوحيد الرب جل وعلا ونفي الشريك عنه من أعظم ما ينجي العبد ويؤمنه في الدنيا قبل الآخرة.

قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَ?ئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام: 82] .

(وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) ، أي: «لم يخلطوا إيمانهم بشرك» 143.

(لَهُمُ الْأَمْنُ) ، أي: «الأمن من عذاب الدنيا بالاستئصال ونحوه، ومن عذاب الآخرة» 144.

فلا أمن ولا أمان من النار إلا لمن وحد ربه وأفرده وأخلص له عمله، وكلما كان العبد أكثر تحققًا بمقام التوحيد كان أكثر أمانًا يوم القيامة ولا شك.

ولما كان التوحيد هو سبب الأمن كان الشرك على نقيضه، يقول جل جلاله: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: 31] .

«هذه هي صورة من تزل قدماه عن أفق التوحيد، فيهوي إلى درك الشرك، فإذا هو ضائع ذاهب بددًا، كأن لم يكن من قبل أبدًا، إنه الهوي من أفق الإيمان السامق إلى حيث الفناء والانطواء؛ إذ يفقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها، قاعدة التوحيد، ويفقد المستقر الآمن الذي يثوب إليه فتتخطفه الأهواء تخطف الجوارح، وتتقاذفه الأوهام تقاذف الرياح، وهو لا يمسك بالعروة الوثقى، ولا يستقر على القاعدة الثابتة التي تربطه بهذا الوجود الذي يعيش فيه» 145.

وهكذا يظهر أن التوحيد هو أعظم أسباب الوقاية من النيران، جعلنا الله من أهل توحيده وطاعته.

ثانيًا: اتباع الرسل:

اتباع الرسل وطاعتهم من أعظم أسباب نجاة العبد من النيران وإسكانه الجنان؛ ولذا حض الله في القرآن على لزوم طاعة الأنبياء والرسل، وبين أنه من أعظم أسباب النجاة في الآخرة.

قال عز وجل: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَ?ئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 152] .

فالإيمان بالله تعالى وبرسله واتباعهم، وعدم التفريق بين أحد منهم في أصل الإيمان بهم، يوجب أجرًا عظيمًا بقدر عظمة الواعد سبحانه.

ولاشك أن الإيمان بالرسل عامة واجب لا ينجو الإنسان يوم القيامة إلا بتحقيقه، وقد دلت الآيات الكثيرة على ذلك -كما سبق بيانه- غير أنه من الضروري أن ننبه على أهمية الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم خاصة؛ لأنه خاتم الأنبياء، وتكذيبه يعني: تكذيب كل الأنبياء والمرسلين، ومن كفر به وبما جاء به فقد بين الله تعالى في غير آية أنه من أهل النار، كما بين سبحانه أن طاعته تورث صاحبها جنات النعيم.

وقد اتخذت صور الإثابة المترتبة على طاعة النبي صلى الله عليه وسلم صورًا عدة، منها:

••الوعد بالخلود في الجنة.

الخلود في الجنة لاشك من أرفع ما تشرئب إليه الأعناق، ومنتهى ما تصل إليه الهمم، وقد وعدها الله من اتبع الرسول وأطاعه.

قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ? وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? وَذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [النساء: 13] .

«فهذا الجزاء الحسن قد أعده الله تعالى لمن أطاعه وأطاع رسوله صلى الله عليه وسلم الذي حمل إليه ما أمر الله به وما نهى عنه، إنه جنات تجرى من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإنه الخلود في هذه الجنات والعيش الدائم في نعيمها» 146.

وقال تعالى: (سَابِقُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ? ذَ?لِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ?21? [الحديد: 21] .

فهذه الجنة العظيمة، الجنة التي عرضها كعرض السماء والأرض، أعدها الله لمن آمن واتبع الرسل (أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) وتأمل كيف أنه خص جل جلاله العرض بالذكر؛ «ليكون أبلغ في الدلالة على فرط اتساع طول الجنة؛ لأنه إذا كان عرضها كعرض السماء والأرض فإن العقل يذهب كل مذهب في تصور طولها، فقد جرت العادة أن يكون الطول أكبر من العرض» 147.

فالإيمان بالرسل واتباعهم وطاعتهم إذًا من أعظم ما ينجي العبد يوم القيامة من النار، ويجعله من سكان جنة الأبرار.

••صحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

صحبة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين من أعظم الأمور التي قد يتطلع إليها الإنسان، فهي صحبة لأعظم ركب ميمون، ولأجل موكب ظهر في هذا الوجود، وهذه الصحبة الكريمة جعلها الله لمن أطاع النبي صلى الله عليه وسلم، وتقفى خطاه.

يقول تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَ?ئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ? وَحَسُنَ أُولَ?ئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69] .

فأنعم به من جزاء! فهل هناك صحبة أعظم من هذه الصحبة؟ بل إن صحبة الفريق الواحد من أعظم ما يبهج النفوس، ويشرح الصدور، فكيف بالمجموع؟!

••غفران الذنوب والوقاية من العذاب.

وهذا من الخير العظيم والبركة الكبيرة لطاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه.

يقول تعالى: (. يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأحقاف: 31] .

فقد بينت هذه الآية الكريمة أن إجابة النبي صلى الله عليه وسلم وطاعة أمره، وتلبية دعوته، مما تغفر به الذنوب، ومما يجير العبد من عذاب الله، وهذا من الخير العظيم، فإنه متى «أجارهم من العذاب الأليم، فما ثم بعد ذلك إلا النعيم، فهذا جزاء من أجاب داعي الله» 148.

فطاعة الرسول إذًا سبيل الوقاية من النيران، ونيل السعادة في الدنيا والآخرة.

وكما أن طاعة الرسول خلفها خير عظيم فإن عصيانه والكفر به يهلك العبد، ويجعله من أهل النار، وقد جاءت العديد من الآيات التي تحذر من مغبة الكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو تكذيبه وعدم اتباعه.

ومن ذلك: قوله تعالى: (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ [النساء: 14] .

وهذه الآية تبين مغبة عصيان النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها مع عصيان الله تدخل صاحبها النار، وتورثه العذاب الأليم فيها.

وقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى? يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ?27?يَا وَيْلَتَى? لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ?28?) [الفرقان: 27 - 28] .

فهذه الآية تبين حسرة من أعرض وخسرانه عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم لما عاين أهوال القيامة، وأنه يتمنى ساعتها أن لو عاد إلى الدنيا؛ ليتخذ مع الرسول سبيلًا «فهي حالة تكشف عن سبب الحسرة التي تملأ قلب الظالم في هذا اليوم، وهو أنه قد كان على طريق مخالف لطريق النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه دعي إلى الإيمان فأبى، ولم يتخذ مع الرسول سبيلًا، بل اتخذ سبيله مع الضالين والظالمين من أمثاله الذين أغووه وأغواهم، فكانوا حزبًا على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وهذا ما يشير إليه قوله جل جلاله على لسان هذا الظالم: (لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا) » 149.

وقال سبحانه أيضًا مبينًا ما يتمناه أهل النار وهم يعذبون فيها: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ?66?) [الأحزاب: 66] .

«إنهم يتمنون أن لو أطاعوا الرسول لكنها أمنية ضائعة، لا موضع لها ولا استجابة، فقد فات الأوان، وإنما هي الحسرة على ما كان» 150.

فهذه الآيات وغيرها تبين جميعًا سوء عاقبة من كذب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن به، ولم يتبعه فيما أمر به ونهى عنه، فكان مرده إلى خسران مبين كما أوضحت الآيات الكريمات.

ولما كانت طاعة الرسل وحسن اتباعهم سبيل عظيم للوقاية من النيران، كان تكذيبهم من أكثر ما يورد الإنسان النار، ولقد توعد الله المكذبين للرسل بعقوبات أخروية.

قال سبحانه: (الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا ? فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ?70?إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ ?71?فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ?72?ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ?73?مِنْ دُونِ اللَّهِ ? قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا ? كَذَ?لِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ?74?) [غافر: 70 - 74] .

ففي هذه الآيات بين سبحانه العاقبة الوخيمة لمن كذب بالكتاب وكذب الرسل، وتأمل كيف أن الله قال:(فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ففي «هذا تهديدٌ شديدٌ، ووعيدٌ أكيدٌ من الرب -جل جلاله -لهؤلاء» 151.

والمعنى: أنهم سوف يعلمون «سوء عاقبة تكذيبهم لأنبياء الله تعالى، ولكتبه التي أنزلها عليهم» 152.

وشرعت الآيات بعد ذلك في بيان عاقبتهم وكيف أنها إلى جهنم، حيث تجعل السلاسل في أعناقهم وأرجلهم، ويسحبون في الحميم، أي: «الماء الذي اشتد غليانه وحره» 153. ومما يظهر شدة إهانتهم وإذلالهم ذكر الآيات أنهم يسجرون في النار، أي: «يوقد عليهم اللهب العظيم، فيصلون بها، ثم يوبخون على شركهم وكذبهم، ويقال لهم: أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ) [غافر: 73] » 154 إنها -كما يقول صاحب الظلال-: «الإهانة والتحقير في العذاب، لا مجرد العذاب» 155. وهكذا تظهر شؤم عاقبة التكذيب بالرسل، وأنها سبب العذاب والخزي في الدنيا والآخرة.

••فعل الخيرات وترك المنكرات.

فعل الخيرات والإكثار من الصالحات من أكثر الأمور التي تقي العبد من النيران، وأما اقتراف المنكرات والسيئات فمن أكثر ما يزج به في السعير.

قال تعالى مرغبًا في فعل الخير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77] .

وقال جل جلاله آمرًا بالاحتراز من بعض المنكرات: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [الحج: 30] .

وقد ذكر عز وجل في كتابه الكثير من الخيرات، ورغب في فعلها؛ لتقود العبد إلى جنة ربه، كما ذكر العديد من المنكرات وحذر منها؛ لأنها تقود العبد إلى النار.

وفيما يلي إشارة إلى بعض هذه المنكرات وتلك الخيرات دون استقصاء لها؛ لأن استقصاءها يطول، ويخرجنا عن المقصود، وإنما هي شارات على منارات.

••خيرات وصالحات ينبغي الإكثار منها.

إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيمان بالرسل ونصرتهم، والتصدق.

قال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ? وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ? لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ?12?) [المائدة: 12] .

(? ? ? ?) «وعد عظيم، فمن كان الله معه فلا شيء إذن ضده، ومهما يكن ضده من شيء فهو هباء لا وجود -في الحقيقة- له ولا أثر، ومن كان الله معه فلن يضل طريقه، فإن معية الله جل جلاله تهديه كما أنها تكفيه، وعلى الجملة فمن كان الله معه فقد ضمن وقد وصل، وما له زيادة يستزيدها على هذا المقام الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت