فهرس الكتاب

الصفحة 1999 من 2431

الثبات

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (ثبت) تدل على دوام الشيء، ويقال: ثبت ثباتًا وثبوتًا 1، والثبات ضد الزوال 2، وجاءت بمعنى دام واستقر 3. ويقصد بالثبات الإقامة في المكان، فيقال: ثبت فلان في المكان: إذا أقام به 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الدالة على لزوم المكان دون تحرّك ولا تزلزل، ويستعار للدوام على الشيء، وعدم التردد فيه 5.

والمراد به في هذا البحث: الثبات على الدين والحق، وعدم التحول والانحراف عنه.

الثبات في الاستعمال القرآني:

وردت مادة (ثبت) في القرآن الكريم (87) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) } [الإسراء:74]

الفعل المضارع ... 7 ... {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم:27]

فعل الأمر ... 4 ... {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال:12]

المصدر ... 3 ... {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) } [النساء:66]

اسم الفاعل ... 2 ... {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) } [إبراهيم:24]

وقد استعمل الثبات في القرآن الكريم في الثبات الحسي والمعنوي.

فأما المعنوي: فنحو قوله تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال:12] .

وأما الثبات الحسي، فنحو قوله تعالى:: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال:11] ، أي: يشتد الرمل حتى تثبت أقدامهم.

الصبر:

الصبر لغة:

الحبس، صبر عنه يصبره: حبسه، والصبر في المصيبة، وأما في المحاربة فهو شجاعة، وفي إمساك النفس عن الفضول قناعة وعفة، والصّبر نقيض الجزع 7.

الصبر اصطلاحًا:

حبس النفس عند الجزع 8.

الصلة بين الثبات والصبر:

الثبات هو التمسك والالتزام عن طواعية ورضًى، وقد يكون بمبادرة ذاتية من الشخص، أما الصبر فهو إلزام النفس الهجوم على المكاره، وتمسّك ورضًى بأمر الله، وتلقي بلائه بالرحب والسعة، فقد يأتي الأمر رغمًا عن الشخص، فيصبر ويثبت على أمر الله تعالى 9.

الفرار:

الفرار لغة:

(فر) الفاء والراء، أصول ثلاثة: فالأول: الانكشاف وما يقاربه من الكشف عن الشّيء. والثاني: جنسٌ من الحيوان. والثالث: دالٌّ على خفّة وطيش 10. الفرّ والفرار بالكسر: الهرب 11.

الفرار اصطلاحًا:

الهرب، والجد في الذهاب مذعورًا 12.

الصلة بين الثبات والفرار:

الثبات اللزوم في المكان والإقامة فيه، أما الفرار فهو المغادرة وعدم الاستقرار، وكذلك الثبات فيه طمأنينة واستقرار وأمن، أما الفرار ففيه الخوف والذعر.

المكث:

المكث لغة:

المكث: الأناة واللّبث والانتظار، مكث يمكث، ومكث مكثًا ومكثًا ومكوثًا ومكاثًا ومكاثةً 13.

المكث اصطلاحًا:

ثباتٌ مع انتظار طويل 14.

الصلة بين الثبات والمكث:

المكث فيه البقاء في المكان وملازمته زمنًا، أما الثبات فهو لزوم دائم على الشيء، ولزوم دائم في المكان حتى انقضاء الغاية منه.

الرسوخ:

الرسوخ لغة:

رسخ الشيء يرسخ رسوخًا: ثبت في موضعه، وأرسخه هو، والراسخ في العلم الذي دخل فيه دخولًا ثابتًا، وكل ثابت راسخ 15.

الرسوخ اصطلاحًا:

الثبات والتمكّن. والراسخ في العلم: المتحقّق الذي لا يعترضه شبهة 16.

الصلة بين الرسوخ والثبات:

أن الرسوخ كمال الثبات، فيقال للشيء المستقر على الأرض: ثابت، وإن لم يتعلق بها تعلقًا شديدًا، ولا يقال: راسخ. ولا يقال: حائط راسخ؛ لأن الجبل أكمل ثباتًا من الحائط، قال الله تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] ، أي: الثابتون فيه، ويقولون: هو أرسخهم في المكرمات، أي: أكملهم ثباتًا فيها 17.

الرسوّ:

الرسوّ لغة:

أصل مادة (رسا) تدلّ على الثبات. تقول: رسا الشّيء يرسو، إذا ثبت. والله جلّ ثناؤه أرسى الجبال، أي: أثبتها. وجبلٌ راسٍ: ثابتٌ. ورست أقدامهم في الحرب. ويقال: ألقت السّحابة مراسيها، إذا دامت 18.

الرسوّ اصطلاحًا:

الثبات والتمكن في المكان 19.

الصلة بين الرسوّ والثبات:

أما الرسوّ فلا يستعمل إلا في الشيء الثقيل، نحو الجبل وما شاكله من الأجسام الكبيرة؛ يقال: جبل راسٍ، ولا يقال: حائط راسٍ، ولا عود راسٍ وفي القرآن: {بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} [هود: 41] .

شبهها بالجبل لعظمها، فالرسوّ هو الثبات مع العظم والثقل والعلو، فإن استعمل في غير ذلك فعلى التشبيه والمقاربة، نحو قولهم: أرست العود في الأرض 20؛ أما الثبات: فهو يستعمل للأشياء الثقيلة والخفيفة، وكذلك لا يكون إلا لمكلف.

العلاقة بين الثبات والصبر: العلاقة بينهما علاقة تلازم، فلا ثبات دون صبر، فهو من مقومات الثبات.

العلاقة بين الثبات والمكث: يشتركان في المعنى، فكلاهما ثبات وانتظار فيه صبر.

العلاقة بين الثبات والرسوخ: الثبات تواجد في المكان، وإقامة فيه مع حرية الحركة، أما الرسوخ فهو ثبات واستقرار دون تحرك.

العلاقة بين الثبات والمور: الثبات فيه استقرار وطمأنينة، أما المور فيه الاضطراب وعدم الاستقرار.

العلاقة بين الثبات والفرار: هما نقيضان.

العلاقة بين الثبات والرسوّ: كلاهما بمعنى واحد، وهو التمكّن في المكان.

المتأمل والمتدبر لكتاب الله تعالى يجد التلازم بين هذه المفردات القرآنية؛ لما لهذه المفردات من أثر في اعتماد بعضها على بعض، فالثبات بحاجة إلى صبر، وكذلك النصر بحاجة إلى صبر، فالصبر عامل مشترك بين النصر والثبات، والثبات والصبر نتيجتهما النصر.

يقول تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] .

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] .

وردت لفظة الثبات في هاتين الآيتين الكريمتين في سياق الصبر والنصر والدعاء، فالنصر نتيجة طبيعية للثبات والصبر بعد التوكّل على الله واللجوء إليه بالدعاء.

يقول صاحب الظلال رحمه الله تعالى: « {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} وهو تعبير يصوّر مشهد الصبر فيضًا من الله يفرغه عليهم فيغمرهم، وينسكب عليهم سكينة وطمأنينة، واحتمالًا للهول والمشقة.

{وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} ، فهي في يده سبحانه يثبتها، فلا تتزحزح ولا تتزلزل ولا تميد.

{وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} ، فقد وضح الموقف، إيمان تجاه كفر، وحق إزاء باطل، ودعوة إلى الله؛ لينصر أولياءه المؤمنين على أعدائه الكافرين، فلا تلجلج في الضمير، ولا غبش في التصوّر، ولا شك في سلامة القصد ووضوح الطريق. وكانت النتيجة هي التي ترقبوها واستيقنوها: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} » 21.

وعندما نتأمل كلمة: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} ، تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله قلوبهم بالصبر، ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} ؛ حتى يواجهوا العدو بالإيمان، وعند نهاية الصبر، وتثبيت الأقدام، يأتي نصر الله للمؤمنين على الكافرين، وتأتي النتيجة للعزم الإيماني في قوله الحق: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} 22.

العلاقة هنا دعاء وطلب من الله أن يملأ القلوب بالصبر، فينتج عن الصبر تثبيت الأقدام، وتكون النتيجة النصر وهزيمة الكافرين.

إن الناظر في القرآن الكريم يجد أن هناك مواطن يكون فيها الثبات، وهي متعددة في كتاب الله تعالى؛ لنوطن أنفسنا، ونثبت الأقدام، وهي على عدة مطالب على النحو الآتي:

أولًا: القتال:

لقد تعددت الآيات التي تتحدث عن القتال في كتاب الله تعالى، ولكننا نقف عند آيات القتال التي لها علاقة بالثبات، ولقد ذكر الثبات في مواطن القتال في مواضع متعددة.

منها: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] .

{فَاثْبُتُوا} ، أمر بالثبات عند قتال الكفار، و {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} ؛ فإنّ ذكره يعين على الثبات في الشدائد 23، والثبات في هذه الآية جاء في سياق الشرط {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} ، وكأنّ في ذلك إشارة من الله تعالى أنه يجب الاستعداد والأخذ بالأسباب التي تؤدّي إلى وجود التكافؤ بين المسلمين وأعدائهم.

ولا بد أن يكون الإعداد على قدر الاستطاعة؛ لقوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] ؛ لأن الاستعداد والأخذ بالأسباب من عوامل الثبات.

ومنها: قوله تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] .

يقول الطبري: قوّوا عزمهم، وصحّحوا في قتال عدوهم من المشركين، وقد قيل: إن تثبيت الملائكة المؤمنين كان حضورهم حربهم معهم 24.

ومنها: قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] .

أي: أنزل علينا صبرًا من عندك، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} ، أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز 25.

وتبين هذه الآية أن من عوامل الثبات في القتال، أن يتوجه المسلم بالدعاء والطلب من الله تعالى بأن يفرغ عليه صبرًا، وأن يثبت أقدامه في القتال، وهذا ما طلبته الفئة القليلة، ودعت به عند قتالها ولقائها جالوت وجنوده.

ومنها: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .

ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين إن نصروا ربهم نصرهم على أعدائهم، وثبّت أقدامهم، أي: عصمهم من الفرار والهزيمة 26.

ولو تأملنا هذه الآية لوجدناها جاءت في سياق الشرط، وذلك أن نصر الله محقق للمؤمنين، ولكن بشرط، وهو: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ} ، ويتحقق مع النصر تثبيت أقدام المؤمنين.

ثانيًا: الفتنة والابتلاء:

وقد ذكر الثبات عند الفتن في مواضع متعددة.

منها: قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] .

هذا دعاء في موطن صعب، وهو موطن بوارق السيوف والقتال، وفيه فتنة وابتلاء؛ يسأل فيه العبد ربّه الثبات؛ حتى لا يكون التولّي من الزحف، «ويفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله قلوبهم بالصبر، ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام؛ حتى يواجهوا العدو بإيمان» 27.

ومنها: قوله تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 102] .

جاءت هذه الآية ردًّا وجوابًا على زعم الكافرين، قال تعالى: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 101] .

أي: قل -يا محمد- للقائلين لك أنت مفترٍ فيما تتلو عليهم من كتابنا ... ، وقوله: {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا} ، قل: نزل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه روح القدس من ربي؛ تثبيتًا للمؤمنين، وتقويةً لإيمانهم 28.

ومنها: قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 155 - 156] .

تفيد الآيات أن صبرهم أكمل الصبر؛ إذ هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله تعالى، إذ يعلمون عند المصيبة أنهم ملك لله تعالى يتصرف فيهم كيف يشاء، فلا يجزعون مما يأتيهم، ويعلمون أنهم صائرون إليه، فيثيبهم على ذلك 29.

والصبر هنا يوحي بمعنى الثبات على أنواع متعددة من الابتلاءات التي قدرها الله تعالى على الناس.

ثالثًا: عند الموت والقبر:

أضعف ما يكون المسلم أمام ربه وخالقه عندما يخرج من الدنيا بالموت ليجد القبر وأهواله، والقبر أول منازل الآخرة؛ لذا يحتاج إلى التثبيت والتأييد من ربه وخالقه الرحيم بعباده.

يقول تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] .

روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى عن البراء بن عازب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم إذا سئل في القبر، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} ) 30.

وروى الإمام مسلم رحمه الله تعالى: عن البراء بن عازب: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيّي محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} ) 31.

ومعنى تثبيت الله الذين آمنوا بها: أن الله يسّر لهم فيهم الأقوال الإلهية على وجهها وإدراك دلائلها، حتى اطمأنت إليها قلوبهم ولم يخامرهم فيها شك، فأصبحوا ثابتين في إيمانهم غير مزعزعين، وعاملين بها غير مترددين.

وذلك في الحياة الدنيا ظاهر، وأما في الآخرة فبإلفائهم الأحوال على نحوٍ مما علموه في الدنيا، فلم تعترهم ندامةٌ ولا لهفٌ، ويكون ذلك بمظاهر كثيرة يظهر فيها ثباتهم بالحق قولًا وانسياقًا، وتظهر فيها فتنة غير المؤمنين في الأحوال كلها 32.

والتثبيت هنا من الله عز وجل، وهو ليس وليد اللحظة، إنما كان هذا الثبات بتوفيق الله، ثم باتباع أوامره، والتمسّك بنهجه وشرعه، والكلمة الطيبة التي ذكرت قبل هذه الآية، وهو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] .

الثبات المحمود: هو فضل وكرمٌ من الله تعالى على عباده، وحتى يتحصّل هذا الأمر لا بدّ من الأخذ بالأسباب لحدوثه، وهناك أسباب عديدة تحقق الثبات المحمود، ومنها:

أولًا: الإيمان بالله تعالى:

مثاله قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] .

تبين هذه الآية أن الإيمان من عوامل الثبات في الحياة الدنيا والآخرة؛ لأن الإيمان إذا رسخ وثبت في قلب العبد، وكان تعامله مع ربه، ونفسه، والناس نابع من إيمانه بالله تعالى كان ذلك ثباتًا له على الحق، وكانت ثمرته الثبات في الآخرة عند دخوله القبر، وسؤال الملكين العظيمين له، وقد بيّنّا -فيما سبق- أن ثبات المؤمن في الحياة الدنيا والآخرة هو ثباته وإيمانه بكلمة التوحيد، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وثباته في القبر الإجابة على سؤال الملكين: من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟ 33.

وما دام المؤمن قد ثبت قلبه بالإيمان وبالقول الثابت، فهو لا يتعرّض لزيغ القلب، ولا يتزعزع عن الحق 34.

والثبات يكون بتثبيت الله للذين آمنوا في الحياة الدنيا، وفي الآخرة بكلمة الإيمان المستقرة في الضمائر، الثابتة في الفطر، المثمرة بالعمل الصالح المتجدد الباقي في الحياة، ويثبتهم بكلمات القرآن وكلمات الرسول، وبوعده للحق بالنصر في الدنيا، والفوز في الآخرة، وكلها كلمات ثابتة، صادقة، حقّةٌ، لا تتخلّف ولا تتفرق بها السبل، ولا يمس أصحابها قلق ولا حيرة ولا اضطراب 35.

يقول السعدي في تفسيره: «يخبر تعالى أنه يثبت عباده المؤمنين، أي: الذين قاموا بما عليهم من إيمان القلب التام، الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها، وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي والخاتمة الحسنة، وفي القبر عند سؤال الملكين للجواب الصحيح، إذا قيل للميت: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ هداهم للجواب الصحيح بأن يقول المؤمن: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيّي» 36.

مما سبق يتبين أن الإيمان بالله تعالى له ثمرة ونتيجة يعيش المسلم ويتوجه بالدعاء إلى الله تعالى من أجلها، وهو الثبات في الدنيا والآخرة.

ثانيًا: الدعاء:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء بالثبات، فعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك) فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: (نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبهما كما يشاء) 37.

فهذا دعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبات، حريّ بنا أن نكثر منه وخاصة في أوقات الشدة كالقتال، وفي أي وقت، وهذا التوجه -وهو الدعاء- من أسباب الثبات المحمود، كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] .

إن فطرة الإنسان أن يتوجه إلى خالقه بالدعاء في حالة الكرب والشدة، ويجأر بالدعاء أكثر حين يكون الأمر فوق طاقته، وهذا ما فعلته الفئة المؤمنة حينما توجهت إلى ربها قائلة: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 250] .

وقوله تعالى: {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} هذه هي الشحنة الإيمانية لمن يريد أن يواجه عدوه، فهو ينادي قائلًا: {رَبَّنَا} ، إنه لم يقل: يا الله، بل يقول: {رَبَّنَا} ؛ لأن الرب هو الذي يتولى التربية والعطاء، بينما مطلوب (الله) هو العبودية والتكاليف؛ لذلك ينادي المؤمن ربه في الموقف الصعب: «يا ربنا» ، أي: يا من خلقتنا وتتولانا وتمدّنا بالأسباب، قال المؤمنون مع جالوت: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} .

وعندما نتأمل كلمة: {أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله قلوبهم بالصبر ويكون أثر الصبر تثبيت الأقدام {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} ؛ حتى يواجهوا العدو بإيمان، وعند نهاية الصبر وتثبيت الأقدام يأتي نصر الله للمؤمنين على القوم الكافرين.

وتأتي النتيجة للعزم الإيماني والقتال في قوله الحق: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 251] 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت