والآية تدل على أنه عليه السلام لبث عنده عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة على العشر، واعلم أن قوله: {فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ} بعد قوله: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} كالدلالة على أن لبثه في مدين من الفتون، وكذلك كان، فإنه عليه السلام تحمل بسبب الفقر والغربة محنا كثيرة، واحتاج إلى أن آجر نفسه 111.
أما سبب مكث موسى عليه السلام في مدين فهناك سبب رئيسي هو: هروبه من مصر بسبب قتله للقبطي، بالإضافة إلى أنه عمل أجيرا مع شعيب عليه السلام وارتبط بعقد عمل مع أبي الفتاتين عندما طلبت إحدى الفتاتين ذلك: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) } [القصص:26] ؛ لأنه القوي على حفظ الماشية والقيام بشؤونها، المؤتمن الذي لا تخاف خيانته، ومصدر هاتين الصفتين ما شاهدت من حاله، قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلف علي الطريق، فاقذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه.
مصاهرة موسى لشعيب: قال: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: إن شعيب اقتنع بأن موسى رجل قوي أمين، فقال له: أريد مصاهرتك وتزويجك إحدى هاتين البنتين، فاختر ما تشاء، وهما صفوريا وليا، والمهر: أن ترعى غنمي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين، فهو إليك، وإلا ففي الثماني كفاية.
وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل من هو؟ على أقوال:
أحدها: أنه شعيب النبي عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين.
وقد ذهب إلى ذلك الجمهورمن المفسرين - وهو المشهور عند كثير من العلماء- على أن الداعي أباهما هو شعيب عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين، وهما ابنتاه، وليس في ذلك شيء يأباه الدين، كما قال الإمام الرازي 112.
وقال القرطبي: «وأكثر الناس على أنهما ابنتا شعيب عليه السلام وهو ظاهر القرآن» 113.
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن مالك بن أنس أنه بلغه أن: شعيبًا هو الذي قص عليه موسى القصص، قال: لا تخف نجوت من القوم الظالمين 114.
وروى الطبراني عن سلمة بن سعد العنزي رضي الله عنه أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (مرحبًا بقوم شعيب وأختان موسى) 115116.
ورجح ابن عاشور بأنه شعيب النبي عليه السلام بقوله: «واسم المرأتين (ليا) و (صفورة) ، وفي سفر الخروج: أن أباهما كاهن مدين، وسماه في ذلك السفر أول مرة رعويل ثم أعاد الكلام عليه فسماه يثرون ووصفه بحمي موسى، فالمسمى واحد.
وقال ابن العبري في «تاريخه» : يثرون بن رعويل له سبع بنات خرج للسقي منهما اثنتان، فيكون شعيب هو المسمى عند اليهود يثرون، والتعبير عن النبي بالكاهن اصطلاح؛ لأن الكاهن يخبر عن الغيب، ولأنه يطلق على القائم بأمور الدين عند اليهود، وللجزم بأنه شعيب الرسول عليه السلام جعل علماؤنا ما صدر منه في هذه القصة شرعا سابقا، ففرعوا عليه مسائل مبنية على أصل: أن شرع من قبلنا من الرسل الإلهيين شرع لنا ما لم يرد ناسخ» 117.
القول الثاني: إنه كان ابن أخي شعيب، وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب، وعن ابن عباس هو يثري صاحب مدين، رواه ابن جرير وذكر أن رجاله ثقات إلا شيخه سفيان بن وكيع، وعن الحسن: هو سيد أهل مدين، وعن ابن إسحاق: أنه حبر أهل مدين وكاهنهم، وعن أبي عبيدة: أنه يترون ابن أخي شعيب 118 ..
القول الثالث: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ} ، وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وهذا ما رجحه الإمام ابن كثير بقوله: وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد، وما قيل إن شعيبا عاش مدة طويلة، إنما هو- والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن ههنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبا إن شاء الله، ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه ثيرون، والله أعلم» 119.
وممن رجح أن أبا المرأتين صاحب مدين المذكور في سورة القصص ليس شعيبًا الشيخ عبد الرحمن السعدي حيث قال: «وهذا الرجل أبو المرأتين صاحب مدين، ليس بشعيب النبي المعروف كما اشتهر عند كثير من الناس، فإن هذا قول لم يدل عليه دليل وغاية ما يكون أن شعيبا عليه السلام قد كانت بلده مدين وهذا قضية جرت في مدين، فأين الملازمة بين الأمرين، وأيضا فإنه غير معلوم أن موسى عليه السلام أدرك زمان شعيب عليه السلام فكيف بشخصه ولو كان ذلك الرجل شعيبًا لذكره الله تعالى، ولسمته المرأتان، وأيضًا فإن شعيبًا عليه السلام قد أهلك الله قومه بتكذيبهم إياه، ولم يبق إلا من آمن به، وقد أعاذ الله المؤمنين أن يرضوا لبنتي نبيهم بمنعهما عن الماء وصد ماشيتهما حتى يأتيهما رجل غريب فيحسن إليهما ويسقي ماشيتهما، وما كان شعيب ليرضى أن يرعى موسى عنده، ويكون خادما له وهو أفضل منه وأعلى درجة، إلا أن يقال هذا قبل نبوة موسى فلا منافاة، وعلى كل حال لا يعتمد على أنه شعيب النبي بغير نقل صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم» 120.
وكذلك سيد قطب في الظلال حيث قال: «كنت أعتقد أن هذا الرجل هو شعيب. وقلت مرة: إنه قد يكون النبي شعيبا أو لا يكون وأنا الآن أميل إلى ترجيح أنه ليس هو وإنما هو شيخ آخر من مدين. والذي يحمل على هذا الترجيح أن هذا الرجل شيخ كبير، وشعيب شهد مهلك قومه، المكذبين له، ولم يبق معه إلا المؤمنون به، فلو كان هو شعيب - النبي- بين بقية قومه المؤمنين، ما سقوا قبل بنتي نبيهم الشيخ الكبير، فليس هذا سلوك قوم مؤمنين، ولا معاملتهم لنبيهم وبناته من أول جيل! يضاف إلى هذا أن القرآن لم يذكر شيئا عن تعليمه لموسى صهره، ولو كان شعيبا النبي لسمعنا صوت النبوة في شيء من هذا مع موسى وقد عاش معه عشر سنوات» 121.
القول الرابع: التوقف عن الجزم بأنه شعيب أو غيره.
وهذا ما ذهب إليه ابن جرير الطبري حين ذكر الاختلاف المذكور في الرجل الذي قص عليه موسى القصص، بعد أن ذكر الخلاف في أسماء بنات شعيب عليه السلام بقوله: «وكان اسم إحداهما صفورا، واسم الأخرى ليا، وقيل: شرفا كذلك، قال: اسم الجاريتين ليا، وصفورا، وامرأة موسى صفورا ابنة يثرون كاهن مدين، والكاهن: حبر عن ابن إسحاق، قال: إحداهما صفورا ابنة يثرون وأختها شرفا، ويقال: ليا، وهما اللتان كانتا تذودان.
وأما أبوهما ففي اسمه اختلاف، فقال بعضهم: كان اسمه يثرون، وعن أبي عبيدة، قال: الذي استأجر موسى يثرون ابن أخي شعيب عليه السلام، وقال آخرون: بل اسمه: يثرى، قال ذلك ابن عباس قال: الذي استأجر موسى: يثرى صاحب مدين، وقال آخرون: بل اسمه شعيب، وقالوا: هو شعيب النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو جعفر: وهذا مما لا يدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب 122.
ويستدل بعض الفقهاء والمفسرين بهذه القصة على جواز مباشرة المرأة الأعمال والسعي في طرق المعيشة، ووجوب استحيائها، وولاية الأب في النكاح، وجعل العمل البدني مهرا، وجمع النكاح والإجارة في عقد واحد، ومشروعية الإجارة 123.
قال ابن عاشور: «وفي أدلة الشريعة الإسلامية غنية عن الاستنباط مما في هذه الآية إلا أن بعض هذه الأحكام لا يوجد دليله في القرآن ففي هذه الآية دليل لها من الكتاب عند القائلين بأن شرع من قبلنا شرع لنا.
وفي إذنه لابنتيه بالسقي دليل على جواز معالجة المرأة أمور مالها، وظهورها في مجامع الناس، إذا كانت تستر ما يجب ستره، فإن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكاه شرعنا ولم يأت من شرعنا ما ينسخه، وأما تحاشي الناس من نحو ذلك فهو من المروءة والناس مختلفون فيما تقتضيه المروءة والعادات متباينة فيه وأحوال الأمم فيه مختلفة وخاصة ما بين أخلاق البدو والحضر من الاختلاف» 124.
رابعًا: قصة موسى عليه السلام في مدين من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:
إن الآيات التي تبين أن قصة موسى عليه السلام في مدين من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم هي قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) } [القصص:44 - 46] .
والثاوي هو: المقيم أي: ماكنت مقيما في أهل مدين 125.
وهذه الآيات تبين الأحوال الثلاثة العظيمة التي اتفقت لموسى عليه السلام:
وأولها: إنزال التوراة عليه حتى تكامل دينه واستقر شرعه.
والثاني: مكثه وإقامته في مدين.
ثالثها: ليلة المناجاة.
ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الأحوال حاضرًا لهذه الأحوال، وبين الله تعالى أنه بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم وعرفه هذه الأحوال فكان الإخبار بها وبتفاصيلها من الدلائل الدالة على نبوته صلى الله عليه وسلم ومعجزة من معجزاته الشاهدة بصدق رسالته من غير أن يكون حاضرًا أو مشاهدًا أو مقيمًا في مدين مع موسى صلى الله عليه وسلم 126.
قال الإمام ابن كثير في تفيسر هذه الآيات: «يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم، وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، وقال ههنا بعد ما أخبر عن قصة موسى من أولها إلى آخرها، وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر، يعني: ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية على شاطئ الوادي، وما كنت من الشاهدين لذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى أوحى إليك ذلك، وأرسلك إلى الناس رسولا؛ ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج الله عليهم وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين» 127.
فالإخبار عن الغيب من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومن معجزاته الباهرة الدالة على صدق نبوته، لأنه صلى الله عليه وسلم ما طالع الكتب، ولم يتتلمذ لأحد، ولم يكن حاضرا معهم، فإخباره بهذه القصة الطويلة من غير تحريف ولا غلط، إعجاز، ومن أوضح الأدلة على أنه صلى الله عليه وسلم رسول كريم، وإن كانت المعجزات الباهرة الدالة على ذلك أكثر من الحصر؛ ليبين بذلك صدق نبوته، لأنه أمي لا يكتب، ولا يقرأ الكتب، ولم يتعلم أخبار الأمم وقصصهم، فلولا أن الله أوحى إليه ذلك لما علمه، كما قال تعالى عن إخباره بغيب آخر يتعلق بمريم وما حصل لها في قوله: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) } [آل عمران: 44] .
أي: فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما كان لك علم به، وقوله تعالى بعد ذكر الإخبار بالغيب عن الأنبياء والمرسلين: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) } [هود:49] .
وقوله أيضا: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120] .
وقوله تعالى بعد تمام قصة يوسف بطولها وأحداثها: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) } [يوسف:102] .
وقوله سبحانه: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) } [يوسف:3] .
إلى غير ذلك من الآيات 128.
وفي الإخبار بالغيب من قصص الأنبياء السابقين عليهم السلام إيناس لصاحب الرسالة المحمدية بأخبار إخوانه من المصطفين الأخيار، فقد كانت تلك الأخبار الصادقة غيبًا لم يشاهدها محمد ولا يعلمها هو ولا قومه، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم مقيما بين أصحابها حتى يخبر قومه بها ولم يتعلمها من غيره ولكن الله تعالى هو الذي أوحى بها لمحمد صلى الله عليه وسلم وأرسله إلى الناس رسولا، وجعل هذه الإخبار دليلا على صدق نبوته، فقد جاءت هذه الأحداث التي جاء القرآن الكريم بقصصها، صادقة وثابتة في الصادق من أخبار النبيين في كتبهم التي يتداولها أهل الكتاب، ولم يتناولها التحريف 129.
يمكن بيان الدروس المستفادة من قصة مدين في القرآن من خلال النقاط الآتية:
1.إن دعوة الرسل عليهم السلام واحدة في العقيدة؛ إذ كلها تقوم على أساس التوحيد لله تعالى والطاعة الخالصة له سبحانه، وأن ذلك أول ما يبدؤون به أولًا، ثم بعد ذلك الأهم فالأهم.
2.إن وظيفة الرسل عليهم السلام، وسنتهم في إرادة الإصلاح العام والشامل بحسب القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها، أو بتحصيل ما يقدر عليه منها وبدفع المفاسد وتقليلها ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة.
3.إن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح، لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه، فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه وبذلك يكون قد أدى الواجب الذي عليه 130.
4.حرمة نقص الكيل والوزن، وأن نقص المكاييل والموازين من كبائر الذنوب، وتخشى العقوبة العاجلة على من تعاطى ذلك، وأن ذلك من سرقة أموال الناس، وإذا كان سرقتهم في المكاييل والموازين، موجبة للوعيد، فسرقتهم - على وجه القهر والغلبة بقطع الطريق وأخذ العشور- من باب أولى وأحرى.
5.حرمة بخس الناس في جميع حقوقهم المادية: كالكيل والوزن وأجور العمال، وأسعار البضائع ونحو ذلك، وحرمة بخس الناس في حقوقهم المعنوية: كحق التأليف والمبتكرات والشهادات العلمية ونحوها.
6.حرمة السعي بالفساد في الأرض، بأي نوع من الفساد، وأعظمه تعطيل شرائع الله تعالى والصد عن سبيل الله بمنع الناس من التدين والالتزام بالشريعة ظاهرا وباطنا، والسعي في الأرض بالمعاصي، لاسيما البلاد التي طهرها الله بالإسلام وأصلحها بشرائعه.
7.حرمة التلصص وقطع الطرق وتخويف المارة.
8.أن على العبد أن يقنع بما آتاه الله، ويقنع بالحلال عن الحرام وبالمكاسب المباحة عن المكاسب المحرمة، وأن ذلك خير له لقوله: (بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ) ففي ذلك، من البركة، وزيادة الرزق ما
9.ليس في التكالب على الأسباب المحرمة من المحق، وضد البركة 131.
10.لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، كما لا يصح إيمان عبد يؤمن ببعض ما أنزل الله تعالى على رسله ويكفر ببعض.
11.مشروعية الدعاء وسؤال الله تعالى الحكم بين أهل الحق وأهل الباطل؛ لأن الله تعالى يحكم بالحق وهو خير الحاكمين.
12.التحذير من الطغيان، وهو الإسراف في الشر والفساد، فإنه موجب للهلاك والدمار في الدنيا، والعذاب في الآخرة.
13.تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه إذ كذبت قبل قريش ثمود وغيرها من الأمم كأصحاب مدين وقم لوط وفرعون.
14.بيان سنة بشرية وهي: أن الظلمة والمتكبرين يجادلون بالباطل حتى إذا أعياهم الجدال وأفحموا بالحجج بدل أن يسلموا بالحق ويعترفوا به ويقبلوه، فيستريحوا ويريحوا، يفزعون إلى القوة بطرد أهل الحق ونفيهم أو إكراههم على قبول الباطل بالعذاب والنكال.
15.الجزاء من جنس العمل، فمن بخس أموال الناس، يريد زيادة ماله، عوقب بنقيض ذلك، وكان سببا لزوال الخير الذي عنده من الرزق لقوله: (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ) أي: فلا تسببوا إلى زواله بفعلكم.
16.المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه.
17.الترهيب بأخذات الأمم، وما جرى عليهم، وأنه ينبغي أن تذكر القصص التي فيها إيقاع العقوبات بالمجرمين في سياق الوعظ والزجر كما أنه ينبغي ذكر ما أكرم الله به أهل التقوى عند الترغيب والحث على التقوى.
18.الحياء من الرجال الأجانب، وأن ذلك سنة المؤمنات من عهد قديم، وليس كما يقول المبطلون هو عادة جاهلية، فبنتا شعيب عليه السلام نشأتا في دار النبوة والطهر والعفاف وغطت إحداهما وجهها عن موسى حياء وتقوى.
19.تجلى كرم شعيب عليه السلام ومروءته وشهامته في تطمين موسى وإكرامه وإيوائه.
20.بيان أن الكفاءة شرط في العمل، ولا أفضل من القوة وهي القدرة البدنية والعلمية والأمانة.
21.مشروعية عرض الرجل ابنته على من يرى صدقه وأمانته ليزوجه بها.
22.مشروعية إشهاد الله تعالى على العقود بمثل: (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) .
23.فضيلة موسى عليه السلام بإيجار نفسه على شبع بطنه وإحصان فرجه 132.
24.قصة موسى عليه السلام في مدين من دلائل نبوة محمد لأن الإخبار بالغيب من أوجه الإعجاز في القرآن الكريم، لأن الله نفى أن يكون النبي محمد في مدين حتى يخبر بهذه القصة بتفاصيلها مما يدل على أن القرآن كلام الله تعالى.
موضوعات ذات صلة:
شعيب عليه السلام، موسى عليه السلام، عاد، ثمود
1 انظر: جامع البيان، الطبري 18/ 652، النكت والعيون، الماوردي 2/ 494، التفسير الوسيط، الواحدي 2/ 509، المحرر الوجيز، ابن عطية 3/ 57، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 401، التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 240.
2 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 3/ 401، التحرير والتنوير، ابن عاشور 8/ 240، معجم البلدان، ياقوت الحموي 5/ 77، الإشارات إلى معرفة الزيارات، الهروي ص 81، آثار البلاد وأخبار العباد، القزويني ص 249، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، القطيعي 3/ 1246، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المقريزي 1/ 345.
3 انظر: معجم البلدان، ياقوت 5/ 153، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق البلادي ص 300.
4 انظر: معجم البلدان 4/ 471، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب 10/ 331، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 614، التفسير المنير، الزحيلي 20/ 83.
5 انظر: معجم البلدان 4/ 471، تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة، عبدالعزيز بن صالح ص 135، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جواد علي 1/ 455، دراسات في تاريخ العرب القديم، محمد بيومي مهران ص 171.
6 انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي 4/ 471، آثار البلاد وأخبار العباد، زكريا القزويني ص 249، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد حسن شراب ص 243، أطلس القرآن، شوقي أبو خليل ص 71.
7 انظر: معجم المعالم الجغرافية في السيرة، عاتق البلادي ص 284، أطلس تاريخ الأنبياء والرسل، سامي الملغوث ص 139.
8 انظر: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد حسن شراب ص 243، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق البلادي ص 284.
9 انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي 5/ 77، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المقريزي 1/ 345.