ووردت هذه الصيغة أيضًا في سياق أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخبر عن دعوته التي يدعو هو وأتباعه الناس إليها، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] .
فقوله تعالى: {وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يعلن تسبيحه وتنزيهه لربه عز وجل كما أمر أن يعلن عن دعوته 116.
ووردت هذه الصيغة كذلك في سياق أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بتسبيحه في أوقات مخصوصة، قال تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17 - 18] .
قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره: فسبحوا الله أيها الناس: أي صلوا له، {حِينَ تُمْسُونَ} ، وذلك صلاة المغرب، {وَحِينَ تُصْبِحُونَ} ، وذلك صلاة الصبح، {وَعَشِيًّا} يقول: وسبحوه أيضًا عشيًا، وذلك صلاة العصر، {وَحِينَ تُظْهِرُونَ} يقول: وحين تدخلون في وقت الظهر» 117.
ففي هذه الآية: إخبار عن تنزه الله عز وجل عن السوء والنقص، وعن أن يماثله أحد من الخلق، وفيها أيضًا: أمر للعباد أن يسبحوا ربهم عز وجل حين يمسون وحين يصبحون، ووقت العشي ووقت الظهيرة؛ فهذه الأوقات هي أوقات الصلوات الخمس، أمر الله عباده بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك الواجب منه، كالمشتملة عليه الصلوات الخمس، والمستحب كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات، وما يقترن بها من النوافل 118.
رابعًا: التسبيح بصيغة: (سبحان الذي) (الاسم الموصول العائد على الله عز وجل) .
ورد التسبيح بهذه الصيغة في أربع آيات من كتاب الله عز وجل؛ وكل هذه الآيات قد وردت في سياق بيان بعض مظاهر قدرة الله عز وجل وعظمته سبحانه، وبيان بعض نعمه على عباده؛ وهذه الآيات هي: قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] .
وقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 36] .
وقوله: {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 12 - 13] .
وقوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 82 - 83] .
خامسًا: التسبيح بصيغة: (سبحان ربي) ، و (سبحان ربك) ، و (سبحان ربنا) .
ورد التسبيح مضافًا إلى الرب -جل وعلا- في خمسة مواضع من كتاب الله عز وجل، في موضعين من هذه المواضع ورد بصيغة الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، في قوله تعالى: {وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 178 - 182] .
وفي قوله سبحانه: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 90 - 93] .
ففي هذه الآيات الأخيرة أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزه ربه عز وجل عما طلبه أولئك الكفار السفهاء من مطالب فيها سوء أدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، طلبوها على سبيل التعنت والتعجيز له صلى الله عليه وسلم؛ حيث طلبوا منه أمورًا لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، وليست في مقدور أحد سواه، فأمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزهه عن أقوالهم الباطلة، ومطالبهم السفيهة، فتنزه الله سبحانه عن أن تكون أحكامه وآياته تابعة لأهوائهم الفاسدة، وآرائهم الضالة 119.
وورد التسبيح مضافًا إلى رب السماوات والأرض في موضع واحد، وهو قول الله عز وجل: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الزخرف: 81 - 82] .
وهذه الآية من الآيات التي نزه الله عز وجل فيها نفسه عما افتراه عليه المفترون من اتخاذ الولد، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
وفي ذكره عز وجل في هذا الموضع بصفته رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم -وهذه المخلوقات أعظم ما خلق الله سبحانه- يفيد انتفاء أن يكون له سبحانه ولد؛ فهو سبحانه مستغنٍ عن الولد؛ وهو سبحانه رب كل شيء، قال ابن عاشور: «ووصفه -في هذه الآية- بربوبية أقوى الموجودات وأعظمها؛ يفيد انتفاء أن يكون له ولد؛ لانتفاء فائدة الولادة، فقد تم خلق العوالم ونظام نمائها ودوامها، وعلم من كونه خالقها أنه غير مسبوق بعدم، وإلا لاحتاج إلى خالق يخلقه، واقتضى عدم السبق بعدم أنه لا يلحقه فناء؛ فوجود الولد له يكون عبثًا» 120.
وورد التسبيح بصيغة: (سبحان ربنا) في موضعين من كتاب الله عز وجل.
الموضع الأول: على لسان مؤمني أهل الكتاب، وذلك في قول الله تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 107 - 108] .
لقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول للكافرين الذين كفروا بالقرآن الذي أنزل: {آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا} ، أي سواء آمنتم به أم لا فهو حق في نفسه، أنزله الله، ونوه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المنزلة على رسله، ولهذا قال: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} أي من صالحي أهل الكتاب، الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه ولم يبدلوه {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} أي لله عز وجل شكرًا على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلًا أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب، ولهذا يقولون: {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} أي تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم 121.
والموضع الثاني: هو قول الله عز وجل إخبارًا عن أصحاب الجنة: {قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [القلم: 29] .
فبعد أن ذكرهم أوسطهم، وعادوا إلى رشدهم، سارعوا إلى تنزيه ربهم عز وجل وتسبيحه، نزهوه سبحانه عن أن يكون ظالمًا فيما فعل بهم؛ بل هم الذين ظلموا أنفسهم بتركهم قول: إن شاء الله، وبما قصدوا من حرمان المحتاجين 122.
سادسًا: التسبيح المقرون بالحمد (سبحان الله وبحمده) .
ورد الأمر بقرن التسبيح لله عز وجل بحمده سبحانه في سبع آيات من كتاب الله عز وجل؛ حيث قال تعالى في أربع آيات منها: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} 123، وفي آيتين: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} 124، وفي آية واحدة قال سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان: 58] .
كما جاء في كتاب الله عز وجل الخبر عن قرن التسبيح بالتحميد في مواضع متعددة، مثل قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] .
وقوله عز وجل: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] .
وقوله تعالى عن ملائكته: {وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [الشورى: 5] وغير ذلك من الآيات.
وتسبيح الله عز وجل بهذه الصيغة يكون بأن يجمع بين التسبيح والتحميد، وذلك بأن يقول القائل: سبحان الله وبحمده، وهذا ما دل عليه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنه جاء في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم ما صلى صلاة بعد أن نزلت عليه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إلا يقول فيها: (سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) 125.
وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضح لنا تسبيح الملائكة لربها عز وجل، وذلك عندما سئل: أي الكلام أفضل؟ فقال: (ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده) 126.
وهذا التسبيح المقرون بالحمد يتضمن التعظيم لله تعالى على الإجمال والكمال؛ وذلك لأن التسبيح مع التحميد يجمع النفي والإثبات: نفي المعايب كلها عنه سبحانه، وإثبات المحامد كلها له سبحانه 127.
وإن تسبيح الله عز وجل بهذه الصيغة هو أحب الكلام إليه سبحانه، ففي الحديث عن أبى ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله) ؟ قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحب الكلام إلى الله. فقال: (إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده) 128.
سابعًا: التسبيح باسم الله العظيم.
ورد الأمر بالتسبيح باسم الله العظيم في ثلاث آيات من كتاب الله عز وجل، وذلك في قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} 129، وفي موضع واحد ورد الأمر بقوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1] .
وليس المراد من التسبيح باسم الله أن يقول العبد: سبحان اسم الله؛ وإنما المراد بذلك التسبيح أن يسبح العبد بقلبه ولسانه لله عز وجل 130.
قال ابن القيم: «إن الذكر الحقيقي محله القلب؛ لأنه ضد النسيان، والتسبيح نوع من الذكر، فلو أطلق الذكر والتسبيح لما فهم منه إلا ذلك دون اللفظ باللسان، والله تعالى أراد من عباده الأمرين جميعًا، ولم يقبل الإيمان وعقد الإسلام إلا باقترانهما واجتماعهما، فصار معنى الآيتين: سبح ربك بقلبك ولسانك، واذكر ربك بقلبك ولسانك، فأقحم الاسم تنبيهًا على هذا المعنى، حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان» 131.
ومما يؤيد أن المراد من التسبيح باسم الله العظيم هو قول: (سبحان ربي العظيم) ذكرًا بالقلب واللسان ما جاء في الحديث عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: لما نزلت: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوها في ركوعكم) ، فلما نزلت: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال صلى الله عليه وسلم: (اجعلوها في سجودكم) 132.
1.إن المتدبر للآيات التي ورد فيها التسبيح في كتاب الله عز وجل يجد أن التسبيح يشرع في مواطن مخصوصة -فضلًا عن التسبيح العام في كل وقت وعلى كل حال-، ومن خلال استقراء تلك الآيات نجد أن معظم التسبيح الوارد فيها جاء في مواطن تنزيه الله عز وجل عن شرك المشركين، وافتراء المفترين، أو في مواطن الحديث عن عظمة الله تعالى وجلاله، وبيان آياته الباهرة في خلقه، ويشرع التسبيح أيضًا في مواطن التعجب، وعقيب الطاعات، وبعد الفوز بنصر الله عز وجل.
ونقف فيما يأتي على بيان هذه المواطن، مستشهدين ببعض الآيات في ذلك:
أولًا: التسبيح في موطن تنزيه الله عز وجل:
لقد سبح الله عز وجل نفسه العلية عن كل نقص أو عيب نسبه إليه الكفار المشركون الجاهلون بربهم عز وجل؛ فنزه سبحانه نفسه عن اتخاذ الصاحبة والولد، ونزه نفسه عن الشريك والند والمثيل، والآيات في ذلك أكثر من أن تحصى في بحث واحد.
فمن الآيات التي نزه الله عز وجل فيها نفسه عن اتخاذ الولد، قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] .
وقوله عز وجل: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يونس: 68] .
وقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} [النحل: 57] .
أما الآيات التي سبح الله عز وجل فيها نفسه عن شرك المشركين، وعن أن يكون له شريك في ملكه أو ألوهيته، فهي أيضًا كثيرة في كتاب الله عز وجل، منها -على سبيل المثال-: قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} [الإسراء: 42 - 43] .
وقوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الروم: 40] .
ولقد أمر الله عز وجل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يسبحه عندما طلب منه سفهاء المشركين -على سبيل الاستهزاء- أن يأتيهم بمعجزات لا يقدر عليها البشر، قال تعالى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 90 - 93] .
فأمر الله عز وجل نبيه أن يسبحه في موطن خاض فيه أولئك المشركون فيما ينافي تنزيه الله عز وجل وإجلاله.
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، القائلين لك هذه الأقوال، {سُبْحَانَ رَبِّي} تنزيهًا لله عما يصفونه به، وتعظيمًا له من أن يؤتى به أو بملائكته، أو يكون لي سبيل إلى شيء مما تسألونيه، {هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} يقول: هل أنا إلا عبد من عبيده من بني آدم، فكيف أقدر أن أفعل ما سألتموني من هذه الأمور، وإنما يقدر عليها خالقي وخالقكم، وإنما أنا رسول أبلغكم ما أرسلت به إليكم، والذي سألتموني أن أفعله بيد الله عز وجل، الذي أنا وأنتم عبيد له، لا يقدر على ذلك غيره» 133.
وقد ذكر الله عز وجل تسبيح عبده ونبيه عيسى عليه السلام له سبحانه يوم القيامة عما افتراه المبطلون؛ من عبادته عليه السلام من دون الله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ} [المائدة: 116] .
وكذلك الملائكة المكرمون يسبحون ربهم عز وجل، منزهين له سبحانه عن افتراء المفترين وشرك المشركين، قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 40 - 41] .
«وفي هذه الآية: دليل على أن العبد المؤمن يسبح الله تعالى عند حدوث ما ينافي تنزيهه وتعظيمه سبحانه؛ من قول أو فعل أو اعتقاد» 134.
ثانيًا: التسبيح في المواطن الدالة على قدرة الله عز وجل وعظمته:
إن المواطن التي يستشعر فيها العبد عظمة ربه عز وجل، ويرى من عجيب قدرة الله عز وجل؛ لا يمكن لمخلوق حصرها، ولا يحيط بها إلا الذي خلقها سبحانه وتعالى، وكم من عجائب لله تعالى في العالمين يتغافل عنها الناس ويتجاهلونها؛ إلا أولي الألباب منهم، الذين قال الله عز وجل فيهم: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190 - 191] .
إن هؤلاء المتفكرين في خلق الله عز وجل من أولي الألباب لما استشعروا عظمة الخالق امتلأت قلوبهم تنزيهًا له سبحانه، وانطلقت ألسنتهم بتسبيحه {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} ، فإن المواطن التي يقف فيها العبد على شيء من عظيم قدرة ربه وبديع صنعه، لا يملك العبد فيها إلا أن يلهج بتسبيح ربه وتنزيهه عن كل نقص أو عيب نسبه إليه المبطلون.
«إن المؤمن المتفكر بعد أن تدبر ونظر، ودقق وتفكر، يتوجه إلى الله تعالى متضرعًا معلنًا قناعته بحكمة الله العليا في خلق المخلوقات» 135.
ولقد افتتح الله عز وجل سورة الإسراء بالتسبيح؛ لأن السياق يتحدث عن معجزة عظيمة لا يقدر عليها أحد إلا الله سبحانه، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] .
فالإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم آية من آيات الله دالة على عظيم قدرته سبحانه.
قال ابن عاشور: «الافتتاح بكلمة التسبيح من دون سبق كلام يؤذن بأن خبرًا عجيبًا يستقبله السامعون، دالًا على عظيم القدرة من المتكلم سبحانه» 136.
ومن الآيات التي ورد فيها التسبيح في موطن بيان عظمة الله عز وجل، قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 36] .
وقوله في ذات السورة: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 82 - 83] .
قال ابن كثير: «أي تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء للحي القيوم الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه رجع الأمر كله، وله الخلق والأمر، وإليه يرجع العباد يوم المعاد، فيجازي كل عامل بعمله وهو العادل المنعم المتفضل» 137.
ثالثًا: التسبيح في مواطن التعجب:
ومن المواطن التي يرد فيها التسبيح ويشرع: مواطن التعجب، وقد ورد التسبيح في عدد من الآيات في موطن التعجب -سواء كان التعجب من عظمة قدرة الله عز وجل أو تعجبٌ من غير ذلك-، ومن الآيات في ذلك قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] .
فتسبيحه تعالى لنفسه في هذه الآية كما يتضمن تنزيهه عن اتخاذ الولد، يتضمن كذلك التعجب من هذه المقولة الباطلة 138.