والنبي صلى الله عليه وسلم في تدبير شؤون السياسة، وفي تنظيم الأمور الخاضعة للمباديء المقررة الثابتة النازلة بوحي من السماء كان يعمل الاستشارة دائمًا، لا على أنها تبرعٌ يتبرع به، بل على أنها واجبٌ عليه بصفته حاكمًا. وإن الشورى فوق أنها تعريف للصواب، هي تربية للأمة على الإدراك الصحيح في عامة الأمور، وهي التي تتفق مع النظام الحر السليم، وخيرٌ للجماعة أن تخطيء في رأيٍ تبديه وهي حرةٌ من أن تفرض عليها آراء صائبة، فإن صوابها يكون مقترنًا بإرهاقٍ نفسيٍ وضغطٍ للإرادة، وذلك أشد ضررًا في تكوين الأمم وفي حاضرها ومستقبلها 101.
ومن الوقائع في عهد الخلافة الراشدة: أن الخلفاء الراشدين بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، أقاموا دعائم الشورى، في أصل اختيار الحاكم، وفي تنظيم الأمور، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وخصوصًا الأمور التي تكون أصلًا لنظام معين يريد اتباعه، ويرسم فيها منهاجًا، فإن الراشدين كانوا يستشيرون فيه.
وقد كانت الأمور في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه تسير بالشورى، فيما فيه مجال للرأي، وفيما التبست فيه الأمور، فإن الشورى كانت أساس حكمه، وعلى هذا النهج سار سائر الخلفاء الراشدين: عمر وعثمان وعليٌ رضوان الله عليهم، وهم في كل ما تشاوروا فيه مع الصحابة كانوا يأخذون بما تنتهي إليه الشورى، سواء كانت النتيجة التي انتهوا إليها مما يراه الخليفة قبل الشورى أم كانت مخالفة واقتنع بما يراه أهل الشورى، وبخاصة عندما يتأيد رأي أهل الشورى بدليل، وهذا كله يدل على الالتزام بالشورى، ولولا أنها ملزمة ما التزموا بها 102.
ومن الأدلة العقلية: أن الشورى -وقد ألمحنا إلى وجوبها ابتداءً على الأرجح من الرأيين في حكمها- لا يكون لها معنًى ولا فائدةٌ إذا لم يؤخذ بها، أو برأي الأكثرية إن لم يكن هنالك اتفاق في الرأي، فوجوب الشورى على الأمة الإسلامية يقتضي التزام رأي الأكثرية، وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك عندما نزل على رأي الأكثرية في خروجه لغزوة أحد، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم أول من التزم رأي الأكثرية، وأول من تجهز للخروج إلى أحد، وهو الرسول الموحى إليه، فغيره أولى بأن يكون ملزمًا بنتيجة الشورى 103.
كما أن المقصد من الشورى لا يتحقق ما لم تكن واجبةً ابتداءً وملزمة انتهاءً لرئيس الدولة في الأمور التي هي مجال للشورى؛ فإنه إن لم يلتزم برأي أهل الشورى -بعد بذل غاية جهدهم ونصحهم- كانت الشورى عبثًا، ومضيعة للوقت والجهد، ومناقضة للغاية والمقصد والحكمة من تشريعها والأمر بها، فيعود هذا عليها بالإبطال لها، وما كان كذلك فهو باطل 104.
وفي هذا قال الإمام المفسر الفقيه أبو بكر الرازي الجصاص- وهو يرد على من قال بأن الشورى لمجرد تطييب نفوس أهل الشورى-، وننقل النص بكامله لما فيه من فوائد وأحكام تتصل بهذه المسألة من وجوه متعددة، قال رحمه الله: «وغير جائزٍ أن يكون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب نفوسهم، ورفع أقدارهم؛ ولتقتدي الأمة به في مثله؛ لأنه لو كان معلومًا عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط ما استشيروا فيه وصواب الرأي فيما سئلوا عنه، ثم لم يكن ذلك معمولًا عليه، ولا متلقًى منه بالقبول بوجهٍ لم يكن في ذلك تطييبٌ لنفوسهم، ولا رفعٌ لأقدارهم، بل فيه إيحاشهم وإعلامهم بأن آراءهم غير مقبولة، ولا معول عليها، فهذا تأويل ساقط لا معنى له! فكيف يسوغ تأويل من تأوله لتقتدي به الأمة مع علم الأمة -عند هذا القائل- بأن هذه المشورة لم تفد شيئًا، ولم يعمل بشيء أشاروا به؟ فإن كان على الأمة الاقتداء به فيها فواجبٌ على الأمة أيضًا أن يكون تشاورهم فيما بينهم على هذا السبيل، وأن لا تنتج المشورة رأيًا صحيحًا ولا قولًا معمولًا؛ لأن مشاورتهم عند القائلين بهذه المقالة كانت على هذا الوجه، فإن كانت مشورة الأمة فيما بينها تنتج رأيًا صحيحًا، وقولًا معمولًا عليه فليس في ذلك اقتداء بالصحابة عند مشاورة النبي صلى الله عليه وسلم إياهم» .
ثم يقول: «وإذ قد بطل هذا فلابد من أن تكون لمشاورته إياهم فائدةٌ تستفاد منها، وأن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم معهم ضربٌ من الرأي والاجتهاد، فجائزٌ حينئذٍ أن توافق آراؤهم رأي النبي صلى الله عليه وسلم، وجائزٌ أن يوافق رأي بعضهم رأيه، وجائزٌ أن يخالف رأي جميعهم، فيعمل صلى الله عليه وسلم حينئذٍ برأيه، ويكون فيه دلالة على أنهم لم يكونوا معنفين في اجتهادهم، بل كانوا مأجورين فيه لفعلهم ما أمروا به، ويكون عليهم حينئذٍ ترك آرائهم واتباع رأي النبي صلى الله عليه وسلم» 105.
ثالثًا: تعقيب وترجيح:
وبعد عرض هذين المذهبين، وما استند إليه أصحابهما من أدلة متنوعة يحسن أن نذكر كلمات موجزة تعقيبًا على ذلك.
1.التفريق بين الحكم التكليفي للشورى وهو الوجوب على ما تقدم ترجيحه، وبين موجب الشورى وأثرها بعد القول بوجوبها ابتداءً، فهما مسألتان متباينتان، وإن كان بينهما صلة ما، ولكنهما متغايرتان وغير متلازمتين بإطلاق، فلا يلزم من القول بوجوب الشورى القول بالإلزام بنتيجتها، فقد ينفك هذا عن ذاك، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في أول هذه النقاط؛ ولذلك لا يصح القول بأن الشورى غير ملزمة؛ لأنها غير واجبة ابتداءً، على سبيل المثال.
2.استدل أصحاب المذهبين بالأدلة النصية والوقائع من السيرة النبوية، ومن عهد الخلافة الراشدة، وهي في أصلها متفقة غالبًا، لكن كل فريقٍ حملها على غير محمل الآخر للاختلاف في بعض الروايات والألفاظ، وقد يكون في وجه الاستدلال ببعضها قياس مع الفارق، فمن ذا الذي يقول: إن النبي عليه السلام يجب عليه أن يلتزم بما قال به أصحابه في كل أمر يعرضه للشورى، كما يلتزم به خلفاؤه أو من بعده؟ وأما بعد عهد النبوة فإن المتأمل في الوقائع من العهد الراشدي يجد الخلفاء الراشدين قد عملوا بها والتزموا برأي أهل الشورى أو أكثرية أهلها.
3.ولذلك فإن ما استند إليه أصحاب مذهب التخيير وعدم الإلزام من أن الكثرة لا عبرة فيها؛ لأن الأمر يناط بموافقة الدليل ولا عبرة للكثرة والقلة، إن هذا الكلام كله ليس على إطلاقه، فإن كانت الأدلة متوفرة فلا مجال للشورى إلا في فهم النص، وهذه قضية تخرج عن محل النزاع، وإن كانت الأدلة غير متوفرة، والقضية تعود إلى الاجتهاد والتدبير في الأمور العامة فلا ريب أن رأي الأكثرية ورأي الجماعة خير من رأي الفرد، وهي أبعد عن الخطأ، وأقرب إلى الصواب، وقد عمل فريق من علماء الحديث وعلماء الأصول بالترجيح بكثرة الرواة، وكثرة الأدلة 106.
4.إن كثيرًا من أدلة القائلين بالتخيير وعدم الإلزام ليست منتجة لهذا القول، ولا تنهض للحجية والدلالة عليه؛ لأنها إما في أمور لا مجال للشورى فيها، أو لأنها مما يتصرف فيها النبي صلى الله عليه وسلم بما أنه مبلغ عن ربه تبارك وتعالى، لا بكونه حاكمًا ورئيسًا للدولة، أو لأن ما استندوا إليه منها كان رأيًا مخالفًا لرأي الأكثرية والجمهور من الصحابة.
5.وأما الأدلة العقلية التي استدل بها القائلون بالتخيير وعدم الإلزام فليست على إطلاقها؛ لأن الخليفة أو الرئيس الذي تجب له الطاعة إنما تجب له هذه الطاعة وغيرها من الحقوق مقيدة بشروط وضوابط قال بها العلماء، كما هو معروف ومشهور، وعندما نلزمه بالشورى فإنما يكون ذلك إلزامًا بأحكام مقررة، فلا يتنافى ذلك مع طاعته فيما تجب فيه الطاعة له.
6.وأما ما يقال عن الخليفة أو ولي الأمر الذي تجب طاعته ولا يكون ملزمًا برأي أهل الشورى؛ لأنه هو نفسه من أهل الاجتهاد والعلم والنظر والتقوى، فإن هذا القول الجميل إنما يصح عندما ننظر إلى الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فهم، الذين بلغوا الدرجة العليا في ذلك، وقد أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام باتباع سنتهم، ويصح كذلك عندما ننظر إلى الخلفاء في صدر الدولة الإسلامية، وقد كانوا أو كان كثير منهم يرحل في طلب العلم قبل الخلافة، ومنهم من له رواية للحديث وسماع، مع ما هم عليه من دين وصلاح وتقريب للعلماء، وتوفيق بين القواعد الفقهية النظرية والحياة العملية 107. ولكن أين تجد في العصور المتأخرة وفي عصرنا هذا مثلًا من يستجمع تلك الصفات والمؤهلات أو بعضها، أو يقاربها ويدانيها! فيبقى الكلام نظريًا لا يتصل بالواقع، ويبقى الأمر بحاجة إلى ضمانة للالتزام بالرأي الأقوم، وهو رأي أهل الشورى بصفاتهم ومؤهلاتهم في النظام الإسلامي.
7.ومن الجدير بالاهتمام أيضًا: التفريق بين الشورى في الأمور الشخصية الفردية التي تتصل بتصرفات الأفراد ورغباتهم وأمورهم الخاصة التي سماها بعض الباحثين استشارة، وبين الشورى في الأمور العامة التي تمس مصالح الأمة والجماعة المسلمة وكيانها، فإن الخطأ في الأولى أيسر وأقل أثرًا من الخطأ والانحراف في الثانية، والمصلحة التي تفوت بعدم الشورى في الأولى أقل من المصلحة التي تفوت في الثانية، فلئن جاز القول بعدم الإلزام في الأولى فلا يصح أن يقال ذلك في الثانية لما لها من أهمية؛ ولما يتحقق من آثار، والشريعة الإسلامية -كما قال العلماء- إنما جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإنها ترجح خير الخيرين، وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما.
8.وهذا التفريق بين أنواع الشورى ومجالاتها كان منطلقًا لبعض الباحثين للتفريق بين المصطلحات التي تطلق على عملية التشاور والأحكام المتعلقة بكل نوع منها، فقد ذهب الدكتور توفيق الشاوي إلى وجوب التفريق بين أنواع ثلاثة من القرارات الناتجة عن «التشاور» وهي:
أولًا: المشورة الجماعية التي لابد من الالتجاء إليها للحصول على قرار جماعيٍ ملزم في شأن من الشؤون المهمة للجماعة، وهي التي سماها «الشورى» بالمعنى الضيق أو المعنى الخاص، وهي الشورى الواجبة والملزمة.
ثانيًا: الاستشارة الحرة الاختيارية، أي: طلب الرأي والنصيحة من ذوي التجربة أو الخبرة، وهي اختيارية لمن طلبها، وتسفر عن رأي غير ملزم، وهي التي سماها «استشارة» .
ثالثًا: طلب الفتوى الفقهية، وهي نوع من الاستشارة في أحكام الفقه، وهي مشورة اختيارية، لكن لها أحكام خاصة 108.
9.ولعل هذا الرأي والاتجاه يجمع بين الرأيين، وعندئذٍ يحمل رأي القائلين بالإلزام على حالات محددة، هي «الشورى» ويحمل رأي القائلين بالتخيير، وعدم الإلزام على حالات مغايرة، وعندئذٍ يكون الخلاف يسيرًا، ويلتقي المذهبان.
10.وإن جاز لنا أن نضيف رأيًا في التقريب بين المذهبين -يعمل الأدلة كلها دون إهمال شيء منها- فيمكن أن أفرق بين حالتين حسب طريقة تنظيم الشورى والجهة التي تقدم الرأي، فإن الشورى قد تتناول الأمور الفردية والجماعية، والسياسية وغير السياسية، وأمور النظام التأسيسي وغير التأسيسي، ومن جهة أخرى قد تكون مبادرة فردية، وقد تكون عن طريق مجلس متخصص، وليست هذه النواحي والمجالات على مرتبة واحدة، ولا بمنزلة واحدة من حيث الإلزام بنتيجة الشورى وموجبها. فإن المصلحة قد تقتضي تكوين مجلس للشورى أو أكثر -كما تقدم-، ويكون اختصاص المجلس بحكم تكوينه والغاية من إنشائه تقديم الرأي والدراسات حيال قضية معينة دون أن يكون رأيه ملزمًا. وهنا يقال: إن رأيه استشاري. وعلى هذا يحمل ما تقدم من أمثلة في الشورى لم يأخذ فيها النبي صلى الله عليه وسلم برأي من استشارهم. ونجد في بعض الدول والأنظمة السياسية أمثلة لذلك. وعلى هذا يتنزل الرأي القائل بأن الشورى معلمة غير ملزمة. وقد يكون من اختصاصه بحسب تكوينه تقديم الرأي حيال قضايا معينة تتسم بالأهمية والخطورة، ولا يجوز أن ينفرد رئيس الدولة بالبت فيها، وقد ينص النظام الأساس للدولة (الدستور) عليها وعلى عرضها على مجلس الشورى، فيكون رأي المجلس بالإجماع أو الأغلبية ملزمًا، وهنا يقال: إن الشورى ملزمة، ويجب على رئيس الدولة الالتزام بها؛ لأنها صدرت عن هيئة أو مجلس يكون رأيه أو قراره -بحكم النظام أو القانون الذي تسير عليه الدولة- ملزمًا لرئيس الدولة والحكومة، وعلى هذا يحمل ما تقدم من أمثلة أخذ بها النبي صلى الله عليه وسلم برأي من استشارهم، وكانوا أغلبية، أو ليس لرأيهم معارض، وهذا أيضًا نجد له أمثلة في بعض الدول والأنظمة السياسية المعاصرة، والله أعلم.
تنوعت مجالات الشورى التي مارسها الرسول عليه السلام والصحابة، وسوف نتناول هذه المجالات فيما يأتي:
أولًا: في الغزوات:
في مجال الجهاد والغزوات يتسع نطاق العمل بالشورى، ونجد في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أمثلةً كثيرة وفيرة، تظهر فيها أهمية التشاور وإبداء الرأي؛ حيث يقود ذلك إلى اتخاذ القرار المناسب، ويترك أثره في العملية الحربية نصرًا وثقةً بالنفس واستقرارًا.
أ. ففي غزوة بدر الكبرى في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، شاور النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، وتلقى منهم المشورة والرأي لما بادروا بعرضه ابتداءً قبيل المعركة، وفي أثنائها وسيرها، وفي نهايتها وآثارها:
1.قبل المعركة: استشار عليه الصلاة والسلام في خوض المعركة وفي مسير الاقتراب 109. وكان ذلك لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر القافلة التجارية المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا؛ لأنه خرج مسرعًا في قلة من العدد والعدة، فاستنصر أبو سفيان قريشًا، فنهضوا مسرعين إلى ذلك، وخرجوا من ديارهم، كما قال تعالى: {بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ} [الأنفال: 47] .
وأقبلت عصابة الكفر والشرك؛ ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قريش استشار أصحابه، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانيًا، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذٍ فقال: يا رسول الله! كأنك تعرض بنا؟ وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه ويدافعوا عنه وينصروه في ديارهم، فلما عزم على الخروج، استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارها! وإني أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبعٌ لأمرك، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان 110 لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك.
وقال له المقداد بن الأسود: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك.
فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسر بما سمع من أصحابه، وقال: (سيروا وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيت مصارع القوم) ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر» 111.
وكان لهذه الشورى العسكرية أثرها العظيم في إبراز إرادة القتال في المسلمين، واستعدادهم للجهاد بقيادة واحدة لتحقيق هدف واحد، كما رفعت معنويات المسلمين بعد انكشاف نياتهم، ولم يبق لدى المهاجرين شكٌ في نيات الأنصار، وموقفهم الإيماني البطولي الصادق، فازداد التلاحم بينهم، كما كان قد ازداد بعد الهجرة ارتباطًا ورسوخًا في الإسلام 112.
2.في موقع النزول والقيادة: روى الواقدي: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار بعد ذلك حتى نزل عشيًا أدنى ماءٍ من مياه بدر إلى المدينة، فقال:(أشيروا علي في المنزل) . فأشار عليه الحباب بن المنذر بن الجموح بغير ذلك الموضع، فقال: يا رسول الله! أنا عالمٌ بها وبقلبها 113! إن رأيت أن نسير إلى قلب قد عرفناها، فهي كثيرة الماء عذبة، فننزل عليها، ونسبق القوم إليها ونغور 114 ما سواها من المياه) 115.
وقال محمد بن إسحاق: (إن الحباب ابن المنذر قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال:(بل هو الرأي والحرب والمكيدة) . فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد أشرت بالرأي) . فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماءٍ من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضًا على القليب الذي نزل عليه، فمليء ماء، ثم قذفوا فيه الآنية، قال ابن إسحاق: قال سعد بن معاذٍ رضي الله عنه: يا نبي الله، ألا نبني لك عريشًا 116 تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام، يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا، ودعا له بخير، ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشٌ فكان فيه) 117.
ويستوي في هذا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم طلب المشورة والرأي في النزول بذلك الموضع، أو أن الحباب رضي الله عنه ابتدأ بالرأي وتقديم المشورة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أخذ بتلك المشورة، وأثنى على صاحبها، كما أخذ برأي سعد بن معاذ في بناء العريش؛ ليكون مقر القيادة يقومون عليه بالحراسة، واختياره بتلك الطريقة والكيفية يؤدي إلى السيطرة على ساحة المعركة، ثم إلى السيطرة على القتال بيسر وسهولة، وأعلن عليه الصلاة والسلام أن الأمر شورى بينهم، فهو لا يقطع برأي في أمر الحرب وسيرها دونهم، وكان لهذا الموقف أثره الكبير في الانتصار في المعركة بعون الله وتأييده ونصره 118.
3.بعد المعركة في شأن الأسرى وتقرير مصيرهم 119: فقد انجلت معركة بدر عن كثير من الغنائم، وعن سبعين قتيلًا، وسبعين أسيرًا، فقام عليه الصلاة والسلام بتوزيع الغنائم، كما قسمها الله تعالى في سورة الأنفال، واستشار أصحابه في تقرير مصير الأسرى، ولم يستبد عليه السلام بذلك 120. وهذا طرف من الروايات بهذا الشأن:
روى مسلمٌ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر:(ما ترون في هؤلاء الأسارى؟) فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، ً فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب؟) فقال: لا، والله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان (وكان نسيبًا لعمر) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده.