فهرس الكتاب

الصفحة 1600 من 2431

العلاقات الدولية

أولًا: المعنى اللغوي:

العلاقات في اللغة: العلاقات والعلائق جمع لكلمة «علاقة» ، مشتقة من العين واللام والقاف، وهو أصلٌ كبير صحيح يرجع إلى معنىً واحدٍ، وهو أن يناط الشيء بالشيء العالي أو ينشب فيه ويتشبث به، ثم يتسع الكلام فيه، والمرجع كله إلى الأصل الذي ذكرناه، تقول: علقت الشيء أعلقه تعليقًا، وقد علق به، إذا لزمه، وعلق فلانٌ بفلانٍ: خاصمه، و «علق» القاضي الحكم: لم يقطع به، وعلق على كلام غيره: تعقبه بنقدٍ أو غيره، والعلاقة -بفتح العين-: تستعمل في المعقولات والأمور الذهنية، كالحب والخصومة، وأما بكسر العين فإنها تستعمل في المحسات والأمور الخارجية المادية 1.

الدولية في اللغة: الدولية: مصدر صناعي لكلمة الدولة، وهي من «دول» ، وهو أصل واحد يدل على تحول شيء من مكانٍ إلى مكان، ويقال: الدولة والدولة، وهما بمعنى واحد، وقيل: الدولة هي العقبة في المال، والدولة في الحرب، والجمع دولٌ ودولات ودولات، وينسب إليها فيقال: الدولية والدولية، وتطلق الدولة على الاستيلاء والغلبة وانقلاب الزمان، وعلى الشيء المتداول، والإدالة: الغلبة، يقال: أديل لنا على أعدائنا، أي نصرنا عليهم 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال أبو البقاء الكفوي: «والعلاقة -بالفتح- هي اتصال ما بين المعنى الحقيقي والمجازي، وذلك معتبر بحسب قوة الاتصال، ويتصور ذلك الاتصال من وجوه خمسة: الاشتراك في شكل، والاشتراك في صفة، وكون المستعمل فيه -أعني المعنى المجازي- على الصفة التي يكون اللفظ حقيقة فيها، وكون المستعمل فيه آيلًا غالبا إلى الصفة التي هي المعنى الحقيقي والمجاورة، فالأولان يسميان مستعارًا، وما عداهما مجازًا مرسلًا» 3.

والعلاقات الثقافية أو التجارية بين بلدين: وجود تبادل ثقافي أو تجاري بينهما، والعلاقات الدبلوماسية أو السياسية بين بلدين: وجود سفارة أو قنصلية لكلٍ منهما في الأخرى، وتربط بينهما علاقة قربى: تجمعهم علاقة عائلية، وتوتر العلاقات: سوء العلاقات واضطرابها بين دولتين أو أكثر وهي حالة قد تؤدي إلى قطع العلاقات، وقطعت دولة علاقاتها الدبلوماسية بدولة أخرى: أغلقت سفارتها أو قنصليتها في تلك الدولة 4.

والدولة في الاصطلاح: جماعة من الناس، يقيمون على إقليم معين، تحكمهم سلطة واحدة.

وهذا تعريف للدولة بإطلاق، سواء كانت دولة مسلمة أو غير مسلمة. فإذا نظرنا إليها بهذا الاعتبار أو من هذه الحيثية «الإسلام» ، فإن الدولة تتحدد صفتها بنوع السلطة التي تحكمها؛ فإن كانت سلطة إسلامية تقوم على التزام عقيدة التوحيد وأحكام الشرع الإسلامي، فهي الدولة الإسلامية. وإن كانت سلطة تقوم على أحكام وضعية بمعزل عن دين الله تعالى وشرعه، فهي عندئذ دولة غير إسلامية.

وأما العلاقات الدولية:

العلاقات الدولية تأخذ بالاعتبار طبيعة المجتمع الدولي ومنطق المعاملات والصلات التي تتم في إطار القانون الدولي الذي يعنى بتنظيم العلاقات بين الدول أو الهيئات الدولية، وقد اختلف علماء القانون في تحديد مضمونها وطبيعتها ومنهجها، كما اختلفوا في تعريف القانون الدولي؛ بسبب عوامل عديدة تضافرت فساعدت على الخلاف والغموض، فهي حديثة العهد نسبيًا مقارنة بغيرها من العلوم المهتمة بدراسة الظواهر الدولية، كما أن اتصالها الوثيق واختلاطها بعلوم أخرى أقدم منها عهدًا وأرسخ قدمًا يجعلها أقل وضوحًا وتميزًا 5.

ويقصد بالعلاقات الدولية: سائر أنواع الروابط والمبادلات التي تتم خارج حدود دولة واحدة، وبعضهم يقصد بالعلاقات الدولية ما يكون بين الدول من روابط تقوم على أساسٍ من قواعد عامة، وضوابط تحكم تعاملها فيما بينها باعتبارها مستقلة ذات سيادة 6.

القرية:

القرية لغة:

البلد المسكون؛ مأخوذة من القري. وهو التجمع؛ وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس بها 7.

القرية اصطلاحًا:

لا يختلف عن المعنى اللغوي 8.

الصلة بين الدولة والقرية:

جاء في القرآن الكريم كلمة تعبر عن الدولة وهي القرية، كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} [الأنعام: 123] .

وهذا يصف الصورة التي كانت غالبة على الدولة في القديم؛ إذ كانت المدينة تكون دولة، وكان يطلق عليها: الدولة والمدينة، والقرآن الكريم في تسميته للدولة بالقرية يقدم لنا الدولة في أصغر صورها حتى يمكن البناء أو القياس عليها 9.

السلم:

السلم لغة:

السِلم: ضد الحرب 10.

السلم اصطلاحًا:

السلم ضد الحرب، وهو الصلح 11.

وقيل: هو حالة نفسية تسود أفراد المجتمع نتيجة وحدة الأهداف والغايات والتصورات، تجعلهم يشعرون بالأمان والسكينة في كل نواحي الحياة.

الصلة بين العلاقات الدولية والسلم:

يعتبر السلم من العلاقات الحميمة بين الدول، فالسلم جزء من العلاقات الدولية.

إن التعريف السابق للدولة يشير إلى ثلاثة مقومات لا بد من توفرها لقيام الدولة، فهي أركانها، مهما اختلفت التعاريف. بل إن بعض الشراح القانونيين الذين يكتبون في الدولة وتعريفها يكتفون بتعداد هذه الأركان بدلًا من تعريف الدولة؛ لصعوبته أو للاختلاف فيه.

وهذه المقومات الثلاثة هي:

الأول: الركن الاجتماعي، وهو الشعب أو الرعية أو الأمة.

الثاني: الركن المادي، وهو الإقليم الذي يقطنه الشعب.

الثالث: الركن القانوني، وهو السلطة التي تقوم على شؤون الدولة 12.

وقد استخرج بعض علماء القانون الدولي هذه المقومات أو الأركان للدولة من مفهوم قوله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75] .

يقول الدكتور محمد طلعت الغنيمي: فالقرية هنا - وهي الدولة- ذات شعب هم أهلها الظالمون، ولا بد أن يكون لها إقليم، إذ لا يتم الإخراج إلا من مكان محدد ومعين، أما السلطة فقد عبرت عنها الآية بالنصير، حتى يمكن أن يحمي المظلومين من السلطة الظالمة في تلك القرية 13.

وكانت دولة المدينة أول تصور إسلامي للدولة، وقد تبدت إرهاصاتها في بيعة العقبة؛ فالذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم هناك لم يبايعوه على الولاء الديني فحسب، بل على أن يمنعوا الرسول صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه أنفسهم. ثم تأكد ذلك في عهد المدينة «الصحيفة» حيث جعل المؤمنين من المهاجرين والأنصار أمة واحدة، فكانوا بذلك عنصر شعب الدولة الناشئة إلى جانب اليهود كأقلية محمية، وكانت «المدينة» إقليم الدولة. وتذكر بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم اهتم ببيان حدود المدينة؛ فقد روى كعب بن مالك رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم على أشراف مخيضٍ وعلى الحفياء وعلى ذي العشيرة وعلى تيم) 14 وهي جبال المدينة 15.

وفيما يلي بيان لهذه المقومات الثلاثة بما يناسب المقام والموضوع.

أولًا: الأمة:

جاء في القرآن الكريم -كما تقدم آنفًا- وفي الحديث الشريف كلماتٌ أو مفردات تدل على هذا المقوم أو الركن من أركان الدولة، مثل الأمة والقبيلة والجماعة والناس والمؤمنين، ففيها إشارة إلى ذلك، وإن كانت تختلف معانيها ودلالاتها باختلاف السياق. وحسبنا الإشارة إلى كلمتين تدلان على ما وراءهما، وهما (الأمة) و (القبيلة) ، وقد تنطوي كلٌ منهما على معاني بعض الكلمات الأخرى التي أشرت إليها.

و (الأمة) راجعة في معناها اللغوي إلى القصد. وهي: الجماعة التي تقصد الأمر بتضافرٍ وتعاون. وقولنا: أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، معناه: الجماعة القاصدة لتصديقه، المتفقة في أصول دينه، وإن اختلفت في الفروع. ويجوز أن يكون أصل الكلمة الجمع. فقيل للرجل: أمة؛ لأنه يسد مسد الجماعة. وقيل للإمام: إمام؛ لاجتماع القوم عليه. والأم؛ لجمعها أمر الولد. والذي ينتهي إليه البحث في معنى «الأمة» أنها جماعة من الناس لها رؤية شاملة للإنسان والحياة والكون ينبثق عنها منهج متكامل يصبغها بصبغته ويميزها بطابعه 16.

وجاءت كلمة «الأمة» في القرآن الكريم على عشرة أوجه 17. أربعةٌ منها تتصل بهذا المعنى الذي نريده في هذا الموضع:

1.الجماعة.

قال تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128] .

قال الإمام الطبري رحمه الله: «وأما الأمة في هذا الموضع، فإنه يعني بها الجماعة من الناس، من قول الله: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159] » 18.

ومثله: قوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134] .

وقوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113] .

وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66] .

وقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «والأمة اسم مشترك يطلق على معان كثيرة، والمراد منها هنا: الجماعة العظيمة التي يجمعها جامع له بال من نسب أو دين أو زمان، ويقال: أمة محمدٍ -مثلًا- للمسلمين؛ لأنهم اجتمعوا على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهي بزنة فعلة، وهذه الزنة تدل على المفعول مثل: لقطة وضحكة وقدوة، فالأمة بمعنى مأمومة، اشتقت من الأم -بفتح الهمزة- وهو القصد؛ لأن الأمة تقصدها الفرق العديدة التي تجمعها جامعة الأمة كلها، مثل الأمة العربية؛ لأنها ترجع إليها قبائل العرب، والأمة الإسلامية؛ لأنها ترجع إليها المذاهب الإسلامية. وأما قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38] .

فهو في معنى التشبيه البليغ، أي: كأمم إذا تدبرتم في حكمة إتقان خلقهم ونظام أحوالهم وجدتموهم كأمم أمثالكم؛ لأن هذا الاعتبار كان الناس في غفلة عنه» 19.

2.الملة.

قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213] .

يعني: أهل أمة واحدة، أي: ملة، فحذف؛ لبيان المعنى. وسميت الملة أمة؛ لاجتماع أهلها عليها، ويجوز أن يقال: إنها سميت أمة؛ لأنها تقصد وتتبع. والمراد: أن الناس كانوا على الكفر فيما بين آدم ونوح، أو ما بين نوح وإبراهيم، فبعث الله النبيين عليهم السلام بالأوامر والنواهي والبشارات والزواجر، {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ} الذي فيه الحق؛ لكون فصلا بين المختلفين بما فيه من التمييز بين الصواب والخطأ، وهو مثل قولك: ذهب به، وخرج به، وما أشبهه.

3.أهل الإسلام.

قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] .

يعني: حالهم على عهد آدم، وما كانوا عليه في سفينة نوح. ومثله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] .

أي: لو شاء الله لجعلكم متفقين على الإسلام قهرًا.

4.الملة الواحدة.

كما في قوله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92] .

أي: ملتكم، فهي هاهنا الملة بعينها، وفي الأول: الجماعة المتفقة على الملة الواحدة كما بينا.

وأما القبيلة: فقد قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبًا، وهي أعم من القبائل، وبعد القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر والعمائر والأفخاذ وغير ذلك.

وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ولهذا قال الله تعالى بعد النهي عن الغيبة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبها على تساويهم في البشرية: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} أي: ليحصل التعارف بينهم، كلٌ يرجع إلى قبيلته. قال مجاهد في قوله {لِتَعَارَفُوا} : كما يقال: فلان بن فلان من كذا وكذا، أي: من قبيلة كذا وكذا. وقال سفيان الثوري: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها، وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها.

ويعبر المعاصرون عن معنى «الأمة» ومفهومها بكلمة أخرى هي «الشعب» . وهو مجموع الذكور و الإناث الذين يقطنون بصفة دائمة في الإقليم، دون اشتراط لعدد معين، وإن كانت الكثرة تعطي الدولة قوة أكبر ومكانة أعظم بين الدول.

والشعب في الدولة الإسلامية قد يكون كله من المسلمين، وقد يتكون من المسلمين ومن غير المسلمين الذين يقيمون إقامة دائمة وهم الذميون، وهؤلاء جميعًا مواطنون أو رعايا في الدولة الإسلامية. و قد يقيم غير المسلمين إقامة مؤقتة وهم المستأمنون، وهؤلاء أجانب عن الدولة وليسوا من رعاياها. ونخصص لكل صنف من مكونات الشعب كلمةً موجزة:

1.المسلمون.

والمسلمون المؤمنون الذين يكونون الأمة المسلمة بمعناها الديني: هم المعترفون بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، والمصدقون بكل ما أخبر به. وقد وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم، وحدد سماتهم فقال: (الم ?1? ذَ?لِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ? فِيهِ ? هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ?2?الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ?3? وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ?4? أُولَـ?ئِكَ عَلَى? هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ? وَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. [البقرة: 1 - 5] .

وهذا الإيمان يترتب عليه عصمة الدم والمال والعرض، ويجعل المؤمنين سواسية في الحقوق والواجبات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما لنا وعليه ماعلينا) 20.

وينبغي أن يلاحظ هنا أن الإسلام يعتبر في آنٍ واحد عقيدةً وجنسية، فالمسلمون أينما كانوا إخوةٌ في العقيدة والجنسية.

وبما أن الإسلام لا يتعرف إلى فكرة الجنسيات وفقًا لمعناها الاصطلاحي السائد لدى التشريعات الوضعية، أو غيرها من أسباب التمييز بين الناس 21.

فإن جميع المسلمين يعتبرون متساوين في نظر الشريعة، إذ تجري عليهم أحكامها، مهما كان جنسهم أو لونهم أو عنصرهم، وأينما كانت إقامتهم. فالعصبية الدينية هي التابعية الأصلية التي تعطي صفة المواطن الكاملة في دار الإسلام.

فإذا أقام المسلم في دار الإسلام وجب عليه اتباع أحكام الشريعة الإسلامية في جميع الأمور، فيلتزم بما توجبه من التزامات، ويتمتع بما تعطيه من حقوق، حسب شروطها الشرعية من دون تقييد ولا تخصيص.

وفي هذه الحالة يرادف قانون المسلم الشخصي القانون الإقليمي أو المحلي لدار الإسلام. وبناءً على هذا: إذا عقد المسلم في دار الإسلام عقدًا مع مسلم آخر أو ذمي أو مستأمن، فتطبق عليه الأحكام الشرعية وحدها.

فالمسلمون في دار الإسلام أمة واحدة، تربط بينهم العقيدة والإيمان مهما اختلفت أقطارهم وتناءت بلادهم وتنوعت لغاتهم وأجناسهم، فهم إخوة في الإيمان لا تفرقهم الأوطان ولا العصبيات ولا المذاهب: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10] .

والقاعدة التي ينطلق منها الإسلام في بناء المجتمع وإقامة الدولة الإسلامية، وفي تمتع المسلم بالجنسية أو التابعية الإسلامية هي علاقة العقيدة مع علاقة القيادة الإسلامية، أي: الإيمان وسكنى دار الإسلام أو الانتقال إليها: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَ?ئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى? يُهَاجِرُوا ? وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?72?) [الأنفال: 72] .

وليست علاقة الأرض، ولا علاقة الدم، ولا علاقة الجنس، ولا علاقة التاريخ أو اللغة أو الاقتصاد، وليست هي مجرد القرابة أو الوطنية أو القومية، وليست هي المصالح الاقتصادية. ولذلك يقول الإمام السرخسي: «إن المسلم من أهل دار الإسلام حيثما يكون» 22.

ولهذا فإن المسلم في أي بلدٍ إسلامي ليس أجنبيًا عن أي بلدٍ آخر من بلاد المسلمين؛ لأن مدلول الأجنبي في الدولة الإسلامية أمسى مرادفًا لغير المسلم، أما المسلم فهو مواطن له جميع حقوق المواطنين، وتصان هذه الحقوق كلها بغاية الصيانة في نفسه وأهله وماله وعرضه، وعليه كذلك جميع الواجبات المفروضة على المواطن أينما وجد، من التعاون والتعاضد والتكافل والنصرة، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم) 23.

2.الذميون.

المراد بالذميين أو أهل الذمة: جميع أولئك الذين يقطنون داخل حدود الدولة الإسلامية من غير المسلمين، ويقرون بالولاء والطاعة لها، بصرف النظر عما إذا كانوا قد ولدوا في دار الإسلام، أو جاؤوا إليها من الخارج والتمسوا من الحكومة أن تجعلهم في عداد أهل الذمة 24.

والأصل في مشروعية عقد الذمة: الكتاب والسنة وعمل الخلفاء الراشدين، وعلى ذلك انعقد الإجماع. وحسبنا هنا ما يدل على ذلك من قوله سبحانه وتعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى? يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(29 ) ) [التوبة: 29] .

وهذه الآية الكريمة من سورة التوبة التي تضمنت تحديد العلاقات النهائية بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب، مع بيان الأسباب العقدية والتاريخية والواقعية التي تحتم هذا التحديد، وتكشف كذلك عن طبيعة الإسلام وحقيقته المستقلة، وعن انحراف أهل الكتاب عن دين الله الصحيح عقيدة وسلوكًا، بما يجعلهم في اعتبار الإسلام ليسوا على دين الله الذي نزله إليهم، والذي به صاروا أهل كتاب 25.

وإذا تلمسنا الحكمة من مشروعية عقد الذمة؛ فإننا نقف من خلال ذلك على عظمة التشريع الإسلامي؛ ففي الوقت الذي لا تهتم النظم غير الإسلامية بالمخالفين لها في العقيدة، ولا تحاول تأليفهم بحسن المعاملة، بل الغالب أن تحاول السيطرة عليهم بالإرهاب والحصار والتصفية البدنية عند الحاجة، فإن الإسلام يوجب تأليف قلوب غير المسلمين المقيمين في دار الإسلام وحسن معاملتهم، والنصوص الشرعية في ذلك كثيرة متضافرة على هذا المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت