فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 2431

الاتخاذ

أولًا: المعنى اللغوي:

الاتخاذ مصدر من تخذ يتخذ، كعلم يعلم: بمعنى: أخذ، تخذت الشيء واتخذته، وقرئ: (لتخذت) و (لاتخذت) ، وهو افتعل من تخذ، فأدغم إحدى التاءين في الأخرى 1، يقال: تخذت مالًا، أي: كسبته، ألزمت التاء كأنها أصلية، والأصل من الأخذ 2.

ورأى ابن الأثير أنها ليس من الأخذ في شيء، فإن الافتعال من الأخذ: ائتخذ؛ لأن فاءه همزةٌ، والهمزة لا تدغم في التاء 3. والأكثرون على أن أصله من الأخذ، ومعنى الأخذ والتخذ واحدٌ، وهو حوز الشيء وتحصيله 4.

ومن خلال ما سبق يتبين أن الاتخاذ يتمركز معناه اللغوي حول الكسب والحوز والتحصيل.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الاتخاذ اصطلاحًا: هو «الاقتناء» «والاتخاذ: أخذ الشيء لأمر يستمر فيه، مثل الدار يتخذها مسكنًا، والدابة يتخذها قعدة» 6.

والمتدبر في المعنيين اللغوي والاصطلاحي يجد اتصالًا بينهما؛ حيث إن المعنى الاصطلاحي أخذ الشيء والاستمرار فيه، وهذا مرتبط بمعنى الاتخاذ اللغوي الذي هو الكسب والحوز والتحصيل مع الاستمرار في الأخذ، وهذا هو الاقتناء.

ورد الجذر (أ خ ذ) في القرآن (273) مرة، يخص موضوع البحث منها (128) مرة 7.

والصيغ التي ورددت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 66 ... {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125]

الفعل المضارع ... 53 ... {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا} [النحل:67]

فعل الأمر ... 5 ... {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا} [النحل:68]

المصدر ... 1 ... {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة:54]

اسم فاعل ... 3 ... {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) } [الكهف:51]

وجاء الاتخاذ في القرآن بمعناه في اللغة، وهو: الافتعال من الأخذ، وهو: التناول للشيء والحوز والاختيار والجعل 8.

قال تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء:125] . يعني: اختار الله إبراهيم مصافيًا 9.

الأخذ:

الأخذ لغة:

الأخذ مصدر أخذ، الهمزة والخاء والذال أصل واحد تتفرع منه فروع متقاربة في المعنى، يقال: أخذت الشيء آخذه أخذًا، أي: تناولته 10.

الأخذ اصطلاحًا:

الأخذ خلاف العطاء، وهو حوز الشيء وتحصيله، وذلك تارة بالتناول، وتارة بالغلبة والقهر، ومنه أخذته الحمى، وفلان يأخذ مأخذ فلان يذهب مذهبه ويسلك مسلكه 11.

الصلة بين الأخذ والاتخاذ:

الأخذ هو تحصيل الشيء، أما الاتخاذ فهو أخذ الشيء والاستمرار فيه مثل الدار يتخذها مسكنًا 12، فالاتخاذ اقتناء واجتباء.

الإبعاد:

الإبعاد لغة:

الإبعاد بكسر الهمزة وسكون الباء من أبعد، والأصل بعد بالضم بعدًا فهو بعيد، أي: تباعد، وأبعده غيره، وباعده، وبعده تبعيدًا، والبعد ضد القرب 13.

الإبعاد اصطلاحًا:

التنحية 14، وترك الشيء بعيدًا.

الصلة بين الإبعاد والاتخاذ:

الإبعاد من الألفاظ المقابلة للاتخاذ، فالاتخاذ أخذ الشيء وقصده واعتماده والاستقامة عليه، أما الإبعاد تنحية الشيء وتركه بعيدًا.

إن المتأمل في الآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عن الاتخاذ، يجد أن الاتخاذ في حقه سبحانه، منه ما هو مثبت في حقه، ومنه ما هو منفي، وسنوضح ذلك فيما يلي.

أولًا: الاتخاذ المثبت في حق الله تعالى:

إن المستقريء لآيات الاتخاذ في حق الله سبحانه وتعالى يجد أن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه اتخاذ الخليل واتخاذ الشهداء، ولم ينسب لنفسه اتخاذًا سوى ذلك، فالاتخاذ المثبت في حق الله بمعنى الاختيار، فالله عز وجل اختار إبراهيم خليلًا، ويختار من يشاء من عباده ليكون شهيدًا.

لقد اتخذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه السلام خليلًا، والخلة كمال المحبة، وسيدنا إبراهيم عليه السلام أهلًا لذلك.

قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] .

ففي قوله سبحانه وتعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} مجاز يفيد اصطفاءه واختياره واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله.

والخليل: هو الذي يخالك، أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقك، أو يسد خللك كما تسد خلله، وهو المحب لمن يحبه، من الخلة وهى المودة والمحبة التي تتخلل النفس وتمازجها 15.

فالآية الكريمة تدل على اختيار الله إبراهيم خليلًا، وفيها تأكيد على وجوب اتباع ملته؛ لأن من كانت له هذه المنزلة من الزلفى عند الله بأن اتخذه خليلًا، كان جديرًا بأن تتبع ملته وطريقته، فالله امتن على إبراهيم بسلامة الفطرة والاعتقاد، وقوة العقل وصفاء الروح، وكمال المعرفة بالله، وشدة العزيمة وعلو الهمة في محاربة الوثنية والشرك، حتى صار من أولي العزم، فهو خليل الرحمن، عدو الشيطان 16.

إن اتخاذ الله سبحانه وتعالى إبراهيم خليلًا لشدة محبة ربه سبحانه وتعالى له؛ لما قام له من الطاعة التي يحبها ويرضاها، لا لحاجته إلى مخالته وللتكثر به والاعتضاد، وهذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، حتى انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120] .

وقال أيضًا: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] 17.

يقول ابن القيم: «ولما كانت الخلة مرتبة لا تقبل المشاركة امتحن الله -سبحانه إبراهيم الخليل بذبح ولده، لما أخذ شعبة من قلبه، فأراد -سبحانه أن يخلص تلك الشعبة له ولا تكون لغيره فامتحنه بذبح ولده، والمراد: ذبحه من قلبه لا ذبحه بالمدية، فلما أسلما لأمر الله وقدم محبة الله تعالى على محبة الولد، خلص مقام الخلة وفدى الولد بالذبح، وقيل: إنما سميت خلة لتخلل المحبة جميع أجزاء الروح» 18.

ولم يختص إبراهيم عليه السلام بخلة الرحمن سبحانه وتعالى، بل شاركه فيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فعن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ؛ فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا ... ) 19، وقد استحق كلا النبيين عليه السلام هذه المنزلة؛ لما لهما من الصفات، والأفعال العظيمة الجميلة.

إن الحق سبحانه المتعال الغني عن الخلق غنى مطلق في سياق تكريمه للشهداء، يجعلهم ممن يتخذهم، فقد أثبت الله لنفسه اتخاذ الشهداء.

قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران: 140] .

فالله يميز بين المؤمنين والمنافقين، ويكرم من أكرم من أهل الإيمان بالشهادة 20، فالشهادة اختيار وإكرام واصطفاء من الله، والشهداء اتخاذ من الله يتخذهم لنفسه.

والشهداء جمع شهيد، وهو من قتل من المسلمين بسيف الكفار في المعركة، واختلفوا في معنى الشهيد: فقيل: الشهيد الحي؛ لأن أرواحهم حية حضرت دار السلام وشهدتها، وأرواح غيرهم لا تشهدها، وقيل: سمي شهيدًا؛ لأن الله تعالى شهد له بالجنة، وقيل: سموا شهداء؛ لأنهم يشهدون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين على الأمم؛ لأن الشهادة تكون للأفضل فالأفضل من الأمة؛ لأن منصب الشهادة منصب عظيم، ولفضل الشهداء العظيم يتخذهم الله، والاتخاذ دائمًا هو أن يأخذه إلى جانبه لمزية له ورفعة لمكانته 21.

« {وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} وهو تعبير عجيب عن معنى عميق، إن الشهداء لمختارون يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه سبحانه، فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد، إنما هو اختيار وانتقاء وتكريم واختصاص، إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة ليستخلصهم لنفسه سبحانه، ويخصهم بقربه، ثم هم شهداء يتخذهم الله، ويستشهدهم على هذا الحق الذي بعث به للناس، يستشهدهم فيؤدون الشهادة، يؤدونها أداء لا شبهة فيه ولا مطعن عليه، ولا جدال حوله، يؤدونها بجهادهم حتى الموت في سبيل إحقاق هذا الحق وتقريره في دنيا الناس.

يطلب الله سبحانه منهم أداء هذه الشهادة على أن ما جاءهم من عنده الحق؛ وعلى أنهم آمنوا به وتجردوا له وأعزوه حتى أرخصوا كل شيء دونه، وعلى أن حياة الناس لا تصلح ولا تستقيم إلا بهذا الحق، وعلى أنهم هم استيقنوا هذا فلم يألوا جهدًا في كفاح الباطل، وطرده من حياة الناس، وإقرار هذا الحق في عالمهم، وتحقيق منهج الله في حكم الناس، يستشهدهم الله على هذا كله فيشهدون، وتكون شهادتهم هي هذا الجهاد حتى الموت، وهي شهادة لا تقبل الجدال والمحال، وكل من ينطق بالشهادتين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقال له: إنه شهد، إلا أن يؤدي مدلول هذه الشهادة ومقتضاها، ومدلولها هو ألا يتخذ إلا الله إلهًا، ومن ثم لا يتلقى الشريعة إلا من الله، فأخص خصائص الألوهية التشريع للعباد، وأخص خصائص العبودية التلقي من الله.

ومدلولها كذلك ألا يتلقى من الله إلا عن محمد صلى الله عليه وسلم، بما أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعتمد مصدرًا آخر للتلقي إلا هذا المصدر، ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذن لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض، كما بلغها محمد صلى الله عليه وسلم، فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس والذي بلغه عنه محمد صلى الله عليه وسلم هو المنهج السائد والغالب والمطاع، وهو النظام الذي يصرف حياة الناس كلها بلا استثناء.

فإذا اقتضى هذا الأمر أن يموت في سبيله فهو إذن شهيد، أي: شاهد، طلب الله إليه أداء هذه الشهادة فأداها، واتخذه الله شهيدًا، ورزقه هذا المقام، هذا فقه ذلك التعبير العجيب، ويتخذ منكم شهداء، وهو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» 22.

ثانيًا: الاتخاذ المنفي في حق الله تعالى:

كما أن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه اتخاذًا، فقد جاءت آيات قرآنية أخرى تنفي صورًا من الاتخاذ عن الله سبحانه وتعالى، ومنها اتخاذ الزوجة والولد والظهير والمعين.

لقد نفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه اتخاذ الزوجة، فهو منزه عن المماثلة بخلقه، قال تعالى: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن: 3] .

فالآية الكريمة تنفي عن الله اتخاذ الصاحبة أي: الزوجة، تعالت عظمة ربنا وجلاله، ما اتخذ زوجة ولا ولدًا 23.

يقول الطبري في تفسير هذه الآية: «والمعنى: أن حظوته من الملك والسلطان والقدرة العظيمة عالية، فلا تكون له صاحبة ولا ولد؛ لأن الصاحبة إنما تكون للضعيف العاجز الذي تضطره الشهوة الباعثة إلى اتخاذها، وأن الولد إنما يكون عن شهوة أزعجته إلى الوقاع الذي يحدث منه الولد، فقال النفر من الجن: علا ملك ربنا وسلطانه وقدرته وعظمته أن يكون ضعيفًا ضعف خلقه، الذين تضطرهم الشهوة إلى اتخاذ صاحبة، أو وقاع شيء يكون منه ولد» 24، ويؤكد ذلك قوله سبحانه وتعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ} [الأنعام: 101] .

فماذا يريد الحق من الصاحبة؟ إنه لا يريد شيئًا، فلا الولد ولا الصاحبة يزيدان له قدرة تخلق، ولا حكمة ترتب، ولا علمًا يدبر، ولا أي شيء، وخلاف هذا التصور عبث 25، فالله منزه عن اتخاذ الزوجة سبحانه وتعالى ذلكم الله لا إله إلا هو، فهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل نقص.

الأدلة على نفي اتخاذ الله سبحانه وتعالى للولد كثيرة، منها: قوله سبحانه وتعالى: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} [مريم: 35] .

فالله سبحانه وتعالى منزهٌ عن اتخاذ الولد، وهو غني عن العالمين؛ إذ اتخاذ الولد افتقار إليه، والله سبحانه وتعالى هو الغني فلا يفتقر إلى أحد، فما يريد تحقيقه يحققه بتوجه الإرادة لا بالولد والمعين 26.

ونفى القرآن الكريم ما ينسبه المشركون لله سبحانه وتعالى من اتخاذه الولد، تعالى الله عز وجل عما يقولون علوًا كبيرًا.

قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] .

قال أهل الكتاب والمشركون من اليهود والنصارى وغيرهم: المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله!!

سبحانه وتعالى وتنزيهًا له عما يدعون، بل له كل ما في السماوات والأرض ومنهم هؤلاء، الكل قد خلقهم الله، كلٌ له منقادون إن طوعًا وإن كرهًا، وهو الذي أبدع السماوات والأرض وما فيهن، وإذا أراد أمرًا -فلا راد لقضائه- كان وتحقق من غير امتناع، فمن له كل ما في السماوات والأرض خلقًا وملكًا، ومن له كل ما في الكون كائنًا ومنقادًا، ومن أبدع السماء والأرض والوجود كله، ومن إذا أراد أمرًا كان ووجد من غير امتناع أو إباء، من كان هذا شأنه أيحتاج إلى الولد أو الوالد؟ ومن كان هذا شأنه يكون له جنس؟ أم هو الواحد الأحد الفرد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد؟!» 27.

قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا} [مريم: 88 - 89] .

والإد: هو المنكر العظيم والأمر الفظيع 28.

{وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 92] فهو الغني فلا يفتقر إلى أحد، وهو الملك فكل ما سواه مملوك، وهو الحي الذي لا يموت، وهو الوارث الباقي، تعالى ربنا وتقدس 29.

وإن من الاتخاذ المنفي عن الله سبحانه وتعالى: اتخاذه الظهير والمعين.

قال تعالى: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} [الكهف: 51] .

فالله ينفي اتخاذه الشياطين والكفار أنصارًا وأعوانًا، والعضد يستعمل كثيرًا في معنى العون؛ لأنه قوام اليد، والاعتضاد: التقوي وطلب المعونة، والله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد 30.

ومعنى الآية: «أي ما أحضرت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض، حين خلقتهما، {وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} أي: وما أشهدت بعضهم أيضًا خلق بعض منهم، ونفي الإشهاد كناية عن نفي الاعتضاد بهم والاستعانة على خلق ما ذكر أبلغ؛ إذ من لم يشهد فأنى يستعان به؟ فأنى يصح جعله شريكًا؟ ولذلك قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} أي: وما كنت متخذهم أعوانًا لخلق ما ذكر، بل تفردت بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير، أي: وإذا لم يكونوا عضدًا في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء في العبادة؟ واستحقاق العبادة من توابع الخالقية» 31.

وخص سبحانه وتعالى المضلين بالذكر، زيادة في ذمهم وتوبيخهم، وتقريعًا لأمثالهم؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس له أعوان ولا أنصار لا من المضلين ولا من المهتدين 32.

ونحو ذلك قوله تعالى: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] .

أي: ما لله من هؤلاء من معين على خلق شيء، بل الله المنفرد بالإيجاد، فهو الذي يعبد، وعبادة غيره محال، والظهير: هو المعين الذي يسند ظهر من يستعين به، فهم ليسوا شركاء لله، ولا أعوانًا له، وإنما هم عبيد مسخرون لجلاله وقدرته 33.

إن المتأمل في معاني الآيات التي تحدثت عن الاتخاذ في حق المخلوق يجد أن الاتخاذ إما أن يكون محمودًا وإما أن يكون مذمومًا، فالمحمود مدحه الله ومدح أهله، ودعا إليه، والمذموم ذمه الله وذم أهله، وحذرنا منه.

أولًا: الاتخاذ المحمود:

اشتملت كثير من الآيات التي تتحدث عن الاتخاذ في القرآن الكريم على معنى الاتخاذ المحمود، وفيما يلي نذكر بعض صور الاتخاذ المحمود.

1.اتخاذ الله سبحانه وتعالى وكيلًا.

أمر الله سبحانه وتعالى نبيه، وهو أمر للمسلمين جميعًا باتخاذ الله وكيلًا.

قال تعالى: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: 9] .

فهذا اتخاذ محمود، فالله سبحانه وتعالى رب المشرق والمغرب وما بينهما من العالم، لا ينبغي أن يعبد إله سواه، فهو المستحق للعبادة، ولا وكيل سواه؛ لذا أمرنا الله باتخاذه وكيلًا ومدبرًا في كل أمورنا، نعتمد عليه ونلجأ إليه ونفوض إليه الأسباب 34.

يقول الشوكاني: « {فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} أي: إذا عرفت أنه المختص بالربوبية فاتخذه وكيلًا، أي: قائمًا بأمورك، وعول عليه في جميعها، وقيل: كفيلًا بما وعدك من الجزاء والنصر» 35.

2.اتخاذ مقام إبراهيم مصلى.

أمر الله سبحانه وتعالى المسلمين أن يتخذوا مقام إبراهيم عليه السلام؛ تكريمًا له لإخلاصه، وليكون قدوة للناس، وهذا اتخاذ محمود، فهو أمر من الله، قال تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] .

على إرادة القول، أي: وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب، ومقام إبراهيم: الحجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه، وقيل: الحرم كله مقام إبراهيم 36.

ويطلق مقام إبراهيم على الكعبة؛ لأن إبراهيم عليه السلام كان يقوم عندها يعبد الله تعالى، ويدعو إلى توحيده، ويطلق مقام إبراهيم على الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم عليه السلام حين بنائه الكعبة ليرتفع لوضع الحجارة في أعلى الجدار، وقد ثبتت آثار قدميه في الحجر، وهذا الحجر يعرف إلى اليوم بالمقام، وكان إبراهيم عليه السلام قد وضع المسجد الحرام حول الكعبة ووضع الحجر الذي كان يرتفع عليه للبناء حولها، فكان المصلى على الحجر المسمى بالمقام، فذلك يكون المصلى متخذًا من مقام إبراهيم على كلا الإطلاقين، ولم يكن الحجر الذي اعتلى عليه إبراهيم في البناء مخصوصًا بصلاة عنده، ولكنه مشمول للصلاة في المسجد الحرام، ولما جاء الإسلام بقي الأمر على ذلك إلى أن كان عام حجة الوداع أو عام الفتح دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام ومعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم سنت الصلاة عند المقام في طواف القدوم 37.

3.اتخاذ النحل للجبال بيوتًا.

لقد أوحى الله للنحل أن تتخذ الجبال بيوتًا، وهنا أكثر من كونه أمرًا فهو وحي، إذًا هو اتخاذ محمود.

قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [النحل: 68] .

أودع الله في النحل إدراكًا لصنع محكم مضبوط منتج شرابًا نافعًا: إنه العسل، فقد افتتحت الآية بفعل أوحى لما في أوحى من الإيماء إلى إلهام تلك الحشرة الضعيفة تدبيرًا عجيبًا وعملًا متقنًا وهندسة في الجبلة 38، {أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} أي: اجعلي لك بيوتًا في الجبال تأوين إليها، واتخاذ البيوت هو أول مراتب الصنع الدقيق الذي أودعه الله في طبائع النحل فإنها تبني بيوتًا بنظام دقيق، وأشير إلى أنها تتخذ في أحسن البقاع من الجبال أو الشجر أو العرش دون بيوت الحشرات الأخرى؛ وذلك لشرفها بما تحتويه من المنافع، وبما تشتمل عليه من دقائق الصنعة 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت