فهرس الكتاب

الصفحة 582 من 2431

قال ابن كثير رحمه الله: «وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة وليست سريعة الجري ولا تصلح لفر ولا لكر ولا لهرب، وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم وينوه باسمه؛ ليعرفه من لم يعرفه صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلًا عليه، وعلمًا منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان» 94.

«وتخصيص يوم حنين بالذكر من بين أيام الحروب؛ لما فيه من العبرة بحصول النصر عند امتثال أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وحصول الهزيمة عند إيثار الحظوظ العاجلة على الامتثال» 95.

ففي هذه الغزوة اجتمع فيها للمسلمين لأول مرة جيش عدته اثنا عشر ألفًا فأعجبتهم كثرتهم، وغفلوا بها عن سبب النصر الأول، فهزموا في أول المعركة، ثم نصرهم الله عز وجل بتأييده، ثم بالقلة المؤمنة التي ثبتت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصقت به؛ ليتعلم المؤمنون أن النصر من عند الله.

ثالثًا: المعاصي والذنوب:

بين سبحانه وتعالى السبب الخفي لامتناع النصر في غزوة أحد، وهو استزلال الشيطان للمؤمنين ببعض ذنوبهم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [آل عمران: 155] .

أي: ببعض ذنوبهم السالفة 96.

فهؤلاء الذين هزموا وفروا «قد ضعفوا وتولوا بسبب معصية ارتكبوها، فظلت نفوسهم مزعزعة بسببها، فدخل عليهم الشيطان من ذلك المنفذ واستزلهم فزلوا وسقطوا، وفي هذا تصوير لحالة النفس البشرية حيث ترتكب الخطيئة فتفقد ثقتها في قوتها، ويضعف ارتباطها بالله، ويختل توازنها وتماسكها، وتصبح عرضة للوساوس والهواجس» 97.

وأخبر سبحانه وتعالى أن ما يحصل من مصيبة انتصار العدو وغيرها إنما هو بسبب الذنوب.

قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30] .

وقال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] .

وقال: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 34] .

ولما علم المؤمنون آثار الذنوب في منع النصر لجؤوا إلى الله بالاستغفار؛ ليغفر لهم ذنوبهم قبل لقاء عدوهم، الاستغفار الذي يردهم إلى الله، ويقوي صلتهم به، قال تعالى مثنيًا على الربنيين في استعدادهم لملاقاة عدوهم: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147] .

رابعًا: أهل النفاق:

قال تعالى مبينًا حكمة تثبيط المنافقين عن الخروج للقتال مع المؤمنين: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: {مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} : عجزًا و جبنًا، يعني: يجبنونهم عن لقاء العدو بتهويل أمرهم وتعظيمهم في صدورهم، ثم قال: {وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ} أي: أسرعوا في الدخول بينكم للتفريق والإفساد، قال ابن عباس: يريد ضعفوا شجاعتكم، يعني: بالتفريق بينهم؛ لتفريق الكلمة، فيجبنون عن العدو 98.

«فالقلوب الحائرة تبث الخور والضعف في الصفوف، والنفوس الخائنة خطر على الجيوش، ولو خرج أولئك المنافقون ما زادوا المسلمين قوة بخروجهم بل لزادوهم اضطرابًا وفوضى، ولأسرعوا بينهم بالوقيعة والفتنة والتفرقة والتخذيل، وفي المسلمين من يسمع لهم في ذلك الحين» 99.

وقد بَيَّنَ الله عز وجل عدواتهم بقوله: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4] .

«ومثل هذا اللفظ يقتضى الحصر، أي: لا عدو إلا هم، ولكن لم يرد هاهنا حصر العداوة فيهم، وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم، بل هذا من إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم لهم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعدواة ممن باينهم في الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها، فإن ضرر هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم-وهم في الباطن على خلاف دينهم- أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم؛ لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} ، لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًّا من الكفار المجاهرين 100.

موقف أهل النفاق في أحد:

لما أذن مؤذن رسول الله بالخروج لأحد، خرج في ألف من أصحابه، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم عقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لمصعب بن عمير، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر، ولواء الأوس لأسيد بن حضير، وسار الجيش، وفي الطريق بصر النبي بكتيبة كبيرة فسأل عنها، فقيل له هؤلاء حلفاء ابن أبي من اليهود، فقال: (لا حاجة لنا فيهم، إنا لا نستعين بكافر على مشرك) ونعما فعل، فهم قوم مرنوا على الخيانة والنفاق فلا يؤمن جانبهم.

فلما وصلوا إلى الشوط 101 انخزل عبد الله بن أبي بثلاثمائة من أصحابه، وقال: «أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؟» ، فرجع من اتبعه من قومه من أهل النفاق والشك، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر فقال: يا قوم، أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما استعصوا عليه، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.

وفي هؤلاء المنخزلين نزل قول الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 166 - 167] .

ولما رجع ابن أبي وأصحابه همت بنو سلمة وبنو حارثة أن ترجعا، ولكن الله ثبتهما وعصمهما، وفي ذلك نزل قوله سبحانه: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122] 102.

فأهل النفاق منخذلون في أنفسهم ومخذلون لغيرهم.

خامسًا: البطر والرياء:

نهى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين عن التشبه بالمشركين في البطر والرياء في خروجهم للقتال، وفي استخدام نعمة القوة التي أعطاها الله لهم في غير ما أرادها.

قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 47] .

أي: لا يكونن أمركم رياء ولا سمعة ولا التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية والحسبة في نصر دينكم، ومؤازرة نبيكم 103.

وقد كان من أعظم أنواع البطر والرياء ما قاله أبو جهل ومن معه حين قال: «لا نرجع حتى نأتي بدرًا فننحر بها الجزور 104، وتسقى بها الخمر، وتعزف علينا فيها القيان 105، وتسمع العرب» 106.

ولما رأى رسول الله هذا الخروج من قريش قال: (اللهم هذه قريشٌ قد جاءت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني) 107.

وقد جيء في الآيات في نهيهم عن البطر والرياء «بطريقة النهي عن التشبه بالمشركين؛ إدماجًا للتشنيع بالمشركين وأحوالهم، وتكريها للمسلمين في تلك الأحوال؛ لأن الأحوال الذميمة تتضح مذمتها، وتنكشف مزيد الانكشاف إذا كانت من أحوال قوم مذمومين عند آخرين، وذلك أبلغ في النهي، وأكشف لقبح المنهي عنه» 108.

إن خروج المؤمنين للجهاد في سبيل الله هو خروج «لتقرير ألوهيته سبحانه في حياة البشر، وتقرير عبودية العباد لله وحده، وخروج لتحطيم الطواغيت التي تغتصب حق الله في تعبيد العباد له وحده، والتي تزاول الألوهية في الأرض بمزاولتها للحاكمية بغير إذن الله وشرعه، وخروج لإعلان تحرير الإنسان في الأرض من كل عبودية لغير الله، تستذل إنسانية الإنسان وكرامته.

خروج لحماية حرمات الناس وكراماتهم وحرياتهم، لا للاستعلاء على الناس واستعبادهم والتبطر بنعمة القوة باستخدامها هذا الاستخدام المنكر، وتخرج متجردة من حظ نفسها في المعركة جملة، فلا يكون لها من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره بالجهاد، وفي إقامة منهجه في الحياة، وفي إعلاء كلمته في الأرض، وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه» 109.

وفي الآيات: تعليم للمؤمنين في كل جيل ألا يستعملوا ما آتاهم الله من قوة في البطر والرياء، ولكن يستعملوها فيما أراده الله منهم من نصرة الحق وإبطال الباطل، وحماية الناس جميعًا من استبداد المستبدين وفساد المفسدين وطغيان الطاغين.

وقد ابتليت الأمة بحكام استخدموا القوة التي أنعم الله بها عليها في الاعتداء على الشعوب وقتلهم، لا لشيء إلا أنهم طالبوا بحقوقهم الضائعة وحريتهم المسلوبة من الاستبداد والطغيان. فنسأل الله أن يطهر الأرض من هؤلاء وأمثالهم.

سادسًا: الاستعجال:

أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على تكذيب قومه كما صبر أولو العزم من الرسل على ما لاقوه من أقوامهم، وألا يستعجل النصر على مكذبيه وحلول العقوبة أو الهلاك بهم.

قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35] .

«لا تعجل بمسألتك ربك ذلك لهم، فإن ذلك نازل بهم لا محالة» 110.

من هداية الآية: أن الاستعجال ينافي العزم.

وأخبر سبحانه وتعالى المؤمنين المستعجلين النصر منه على مخالفيهم بسنته في النصر.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] .

قوله تعالى: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} أي: «يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة» 111.

ومن هداية الآية: أن النصر يتنزل على المؤمنين بقدر ما يتحملون من الشدة، وفيها: بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب النصر.

وأخبر سبحانه وتعالى أن سنته فيمن سبق من الرسل أن النصر ما كان يأتيهم عاجلًا لحكمة يعلمها.

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110] .

أي: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم، جاءهم النصر على ذلك 112.

ولما ذهب الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكون إليه من تأخر النصر ذكرهم بسنة الله في الأمم السابقة، فقد روى البخاري بسنده عن خباب بن الأرت قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسدٌ بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا! فقال صلى الله عليه وسلم:(كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصبٍ وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) 113.

«والمعنى: لا تستعجلوا فإن من كان قبلكم قاسوا ما ذكرنا فصبروا، وأخبرهم الشارع بذلك؛ ليقوى صبرهم على الأذى» 114.

فتلك سنة الله في النصر: «لابد من الشدائد، ولابد من الكروب، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة، ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس، يجيء النصر من عند الله، فينجو الذين يستحقون النجاة، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون، ويحل بأس الله بالمجرمين، مدمرًًا ماحقًا لا يقفون له، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير.

ذلك كي لا يكون النصر رخيصا فتكون الدعوات هزلا، فلو كان النصر رخيصًا لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئًا أو تكلفه القليل، ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثًا ولا لعبًا» 115.

أخبر سبحانه وتعالى أنه لما حل العذاب على الأمم السابقة لم تستطع الآلهة التي عبدوها من دون الله منعه عنهم في وقت هم أحوج ما يكون إلى نصرتهم.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [الأحقاف: 28] .

{وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى} يعني: أهل مكة، وقد أهلك الله الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، وكانوا بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط كانوا يمرون بها أيضًا.

وقوله عز وجل: {وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ} أي: بيناها وأوضحناها {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}

وقوله: {فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً} [الأحقاف: 28] . أي: فهلا نصروهم عند احتياجهم إليهم.

{بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ} أي: بل ذهبوا عنهم أحوج ما كانوا إليهم {وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ} أي: كذبهم {وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} أي: وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها واعتمادهم عليها 116.

ولما أنزل عذابه على قوم عاد؛ ليذيقهم عذاب الإهانة في الدنيا لم يمنع عذابه عنهم ما عبدوا من دون الله، وسوف يحل عليهم عذاب الآخرة، ولن تستطيع المعبودات من دون الله منعه عنهم.

قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} [فصلت: 16] .

والمعنى: «أن عادًا لا ينصرهم من الله يوم القيامة إذا عذبهم ناصر، فينقذهم منه، أو ينتصر لهم» 117.

وأخبر سبحانه وتعالى أن المعبودات من دون الله لا تستطيع منع العذاب عن نفسها يوم القيامة، وكذلك منعه عن عابديها وهم في العذاب محضرون.

قال تعالى: {هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} [الشعراء: 91 - 94] .

أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئًا، ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون 118.

وأخبر سبحانه وتعالى أن المعبودات من دون الله وعابديها في العذاب يتبرأ بعضهم من بعض.

قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} [يس: 74 - 75] .

«في الماضي كانت الآلهة أصنامًا وأوثانًا، أو شجرًا أو نجومًا، أو ملائكة أو جِنًّا والوثنية ما تزال حتى اليوم في بعض بقاع الأرض، ولكن الذين لا يعبدون هذه الآلهة لم يخلصوا للتوحيد، وقد يتمثل شركهم اليوم في الإيمان بقوى زائفة غير قوة الله، وفي اعتمادهم على أسناد أخرى غير الله، والشرك ألوان، تختلف باختلاف الزمان والمكان.

ولقد كانوا يتخذون تلك الآلهة ابتغاء نيل النصر، بينما كانوا هم القائمون بحماية تلك الآلهة من أن يعتدي عليها معتدٍ أو يصيبها بسوء، فكانوا هم جنودها وحماتها المعدين لنصرتها {وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} وكان هذا غاية في سخف التصور والتفكير، غير أن غالبية الناس اليوم لم ترتق عن هذا السخف إلا من حيث الشكل، فالذين يؤلهون الطغاة والجبارين اليوم، لا يبعدون كثيرا عن عباد تلك الأصنام والأوثان، فهم جند محضرون للطغاة، وهم الذين يدفعون عنهم ويحمون طغيانهم، ثم هم في الوقت ذاته يخرون للطغيان راكعين!» 119.

إن الإنسان في حياته المليئة بالابتلاءات يحتاج إلى من يدفع عنه البلاء، وإن وقع يحتاج من يفرغ عليه الصبر، والحق بذلك هو القوي العزيز سبحانه وتعالى، والمعبودات من دون الله لا تستطيع أن تدفع عن نفسها العذاب و لا عن عابديها، فكيف يعبد الضعيف الضعيف؟ ألا ما أسخف فَهْمَ هذه العقول!

بَشَّرَ الله في كتابه عباده المؤمنين المخلصين بجملة من البشارات والتي منها:

أولًا: الوعد الإلهي بالنصر:

وعد الله سبحانه وتعالى المؤمنين بما وعد به المرسلين من النصر، فقال: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] .

قال ابن جرير رحمه الله «يقول القائل: وما معنى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51] .

وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه، ومثلوا به، كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما، ومنهم من هم بقتله قومه، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم ناجيًا بنفسه، كإبراهيم عليه السلام الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقًا لقومه، وعيسى عليه السلام الذي رفع إلى السماء؛ إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصره رسله والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نصروا على من نالهم بما نالهم به؟

قيل: إن لقوله: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وجهين كلاهما صحيح معناه، أحدهما- أن يكون معناه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} إما بإعلائهم على من كذبنا وإظفارهم بهم، حتى يقهروهم غلبة، ويذلوهم بالظفر ذلة، من ذلك ما فعله الله بداود وسليمان عليهما السلام فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر، وكالذي فعل بمحمد صلى الله عليه وسلم بإظهاره على من كذبه من قومه، وإما بانتقامنا ممن حادهم وشاقهم بإهلاكهم وإنجاء الرسل ممن كذبهم وعاداهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت