والله تبارك وتعالى نسيهم من رحمته، فلا يوفقهم لخير، ولا يدخلهم الجنة، بل يتركهم في الدرك الأسفل من النار خالدين فيها مخلدين.
فآيات الله تعالى ظاهرة للأعين البصيرة، واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، لا تزيد صاحب الفطرة السليمة والعقل المجرد إلا يقينًا بالله تبارك وتعالى، واذعانًا لأوامره جل جلاله.
وجاء في القرآن العظيم آيات كثيرة منها الكونية، ومنها التشريعية، فمن القبح نسيان آيات الله سبحانه وتعالى، وقد ذكر الله تعالى هذا النوع من النسيان في كتابه العزيز فقال تعالى: (قَالَ كَذَ?لِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ? وَكَذَ?لِكَ الْيَوْمَ تُنسَى?) [طه:126] .
أي: أتتك آياتنا واضحة مستنيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر ولم تتبصر، وتركتها وعميت عنها، فكذلك اليوم نتركك على عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك 80.
يقول الخازن: «يعني: كما أتتك آياتنا فنسيتها فطردتها وأعرضت عنها كذلك اليوم تنسى يعني: تترك في النار، وقيل: نسوا من الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب» 81.
فالله تعالى علل ذلك العمى بأن المكلف نسي آيات الله ودلائل وجوده في هذه الحياة الدنيا، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة بين ذلك النسيان لم يكن للمكلف بسبب ذلك ضرر، كما أنه ما كان له في الدنيا بسبب ذلك ضرر، فالمراد من حشره أعمى أنه لا يهتدي يوم القيامة إلى طريق ينال منه خيرًا، بل يبقى واقفًا متحيرًا كالأعمى الذي لا يهتدي إلى شيء، وقد أنزل الله به هذا العمى جزاء على تركه اتباع الهوى والإعراض عنه، فمقابل نسيانه لآيات الله في الدنيا ينسى في الآخرة ويعمى ولا يهتدي إلى خير 82.
ويقول ابن عاشور: «كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وعميت عنها فكذلك اليوم تنسى وتحشر أعمى، والنسيان في الموضعين مستعمل كناية أو استعارة في الحرمان من حظوظ الرحمة» 83.
من الملاحظ أن المفسرين اتفقوا على أن نسيان آيات الله بمعنى الإعراض عنها، وعدم اتباع الهدى الذي يترتب عليه نسيان صاحبه من الخير والرحمة وعدم هدايته إلى طرق الخير وأبوابه، بالإضافة إلى أنه لا ينسى من عقاب الآخرة فيحشر أعمى ويكون له من عذاب الله ما يستحق يوم القيامة.
نسيان ذكر الله يؤدي إلى فتح أبواب الشر على مصراعيها على الإنسان الذي نسي، حيث تلتبس عليه مفاهيم الحق والباطل ليجد نفسه متلبسًا بالمنكر، وعندما يواجه لحظة الحسم بنزول عذاب الله عليه في الدنيا أو عندما يسلم الروح إلى بارئها يقف عاجزًا عن تبرير نسيانه.
قال تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى? إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام:44] .
فالله سبحانه طلب من عباده أن يكثروا من ذكره، حيث قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ?41?وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ?42?) [الأحزاب:41 - 42] .
وعبادة الذكر من العبادات التي يحبها ربنا جل في علاه، وقد ذم الله الذين نسوا الذكر ووصفهم بالفساد حيث يقول: (قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَ?كِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى? نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا ?ے) [الفرقان:18] .
حيث جعل نسيانهم الذكر غاية للتمتيع؛ للإيماء إلى أن ذلك التمتيع أفضى إلى الكفران، والنسيان مستعمل في الإعراض عن عمد على وجه الاستعارة؛ لأنه إعراض يشبه النسيان في كونه عن غير تأمل ولا بصيرة 84.
ويقول سيد قطب: «فهذا المتاع الطويل الموروث على غير معرفة بواهب النعمة، ولا توجه، ولا شكر، قد ألهاهم وأنساهم ذكر المنعم، فانتهت قلوبهم إلى الجدب والبوار كالأرض البور لا حياة فيها ولا زرع ولا ثمار، والبوار الهلاك ولكن اللفظ يوحي كذلك بالجدب والخواء، جدب القلوب وخواء الحياة» 85.
ومن الآيات التي ذمت نسيان ذكر الله تعالى قوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى? أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) [المؤمنون:110] .
أي: اتخذتموهم هزؤًا وتشاغلتم بهم ساخرين حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم على تلك الصفة ذكري، فتركتم أن تذكروني فتخافوني في أوليائي 86.
قال مقاتل: «إن رؤساء قريش مثل أبي جهل وعتبة وأبي بن خلف كانوا يستهزئون بأصحاب رسول الله ويضحكون بالفقراء منهم مثل: بلال وخباب وعمار وصهيب، والمعنى اتخذتموهم هزؤًا حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم ذكري» 87.
ومن الآيات التي ذكرت هذا النوع من النسيان أيضًا قوله تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ? أُولَ?ئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ? أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المجادلة:19] .
«أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه» 88.
قال القرطبي: قوله تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) «أي: غلب واستعلى، أي: بوسوسته في الدنيا، وقيل: قوي عليهم أو أحاط بهم أو جمعهم وضمهم.
يقال: أحوذ الشيء، أي: جمعه وضم بعضه إلى بعض، وإذا جمعهم فقد غلبهم وقوي عليهم وأحاط بهم فأنساهم ذكر الله» 89.
فمن خلال ما تقدم يتبين أن السبب الرئيس وراء نسيان ذكر الله تعالى هو الانهماك في المعاصي، واتباع خطوات الشيطان، مما يهيئ الأجواء للشيطان لأن يستحوذ على العصاة، ويستخدمهم لتنفيذ غواياته ويشغلهم بمعصية الله وإيذاء عباده من ذكره سبحانه.
إن الإنابة إلى الله تعالى بذكره واستغفاره كفيلة بأن تمحو عن المؤمن كل سيئة.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى? مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران:135] .
وفي الآية تسلية لمن فعل الفواحش أو صدر منه تقصير بحق الله تعالى عليه بأن يسارع إلى ذكره واستغفاره؛ ليجب عنه ما سبق من إثم أو تقصير.
نسيان لقاء الخالق جل جلاله نوع من النسيان، كما في قوله تعالى: (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ? فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَ?ذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [الأعراف:51] .
بمعنى أن الله تعالى يتركهم يوم القيامة في العذاب المبين جياعًا عطاشًا بغير طعام ولا شراب كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، ورفضوا الاستعداد له بإتعاب أبدانهم في طاعة الله 90.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: نسيهم من الخير ولم ينسهم من الشر، وقيل: معناه نعاملهم معاملة من نسي فنتركهم في النار كما تركوا العمل وأعرضوا عن الإيمان إعراض الناسي، سمي الله تعالى جزاء نسيانهم بالنسيان على المجاز؛ لأن الله لا ينسى، فيكون المراد من هذا النسيان أن الله تعالى لا يجيب دعاءهم، ولا يرحم ضعفهم وزلتهم، بل يتركهم في النار كما تركوا الإيمان والعمل 91.
«والنسيان في الموضعين مستعمل مجازًا في الإهمال والترك؛ لأنه من لوازم النسيان فإنهم لم يكونوا في الدنيا ناسين لقاء يوم القيامة، فقد كانوا يذكرونه ويتحدثون عنه حديث من لا يصدق بوقوعه وتعليق الظرف بفعل ننساهم؛ لإظهار أن حرمانهم من الرحمه كان في أشد أوقات احتياجهم إليها، فكان لذكر اليوم أثر في إثارة تحسرهم وندامتهم وذلك عذاب نفساني ودل معنى كاف التشبيه في قوله: (كَمَا نَسُوا) على أن حرمانهم من رحمة الله كان مماثلًا لإهمالهم التصديق باللقاء وهي مماثلة جزاء العمل للعمل» 92.
ومن الآيات كذلك التي تصور نسيان لقاء الله قوله تعالى: (فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَ?ذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ? وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(14) ?) [السجدة:14] .
«فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم من نسيان العاقبة، وقلة الفكر فيها، وترك الاستعداد لها، والمراد بالنسيان خلاف التذكر، يعني: أن الانهماك في الشهوات أذهلكم وألهاكم عن تذكر العاقبة وسلط عليكم نسيانها، ثم قال: إنا نسيناكم على المقابلة، أي جازيناكم جزاء نسيانكم، وقيل: هو بمعنى الترك، أي: تركتم الفكر في العاقبة فتركناكم من الرحمة، وفي استئناف قوله: (إِنَّا نَسِينَاكُمْ) وبناء الفعل على إن واسمها تمن خلال ما تقدم يتبين أن نسيان لقاء الله من أقبح أنواع النسيان، وتركهم المذموم يقابله الله بالخزي والغم والهم في الدنيا من باب أن الجزاء من جنس العمل، وعقوبة هؤلاء الناسين بتركهم في نار جهنم خالدين فيها أبدا.
شديد في الانتقام منهم، والمعنى فذوقوا هذا، أي: ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم؛ بسبب نسيان اللقاء وذوقوا العذاب المخلد في جهنم؛ بسبب ما عملتم من المعاصي والكبائر الموبقة 93.
نسيان المرء لنفسه، يجعله يضيع نفسه في عاجلها وآجلها، يضيع الدنيا فتلفه المشكلات من كل صوب، ويضيع الآخرة بخسران النجاة والفوز بالجنة، وعلى مقدار النسيان والتضييع لأمر الله تعالى سيكون التضييع للنفس والدنيا والآخرة.
قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) } [الحشر:19] .
وأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل نفسه وضيعها، ونسي مصالحها، وداءها ودواءها، وأسباب سعادتها وفلاحها وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم المقيم 94.
قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) } [البقرة:44] .
وأشد ما قرع الله في هذا الموضع من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم أولا أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم في ذلك الأمر الذي قاموا به في المجامع ونادوا به في المجالس؛ إيهامًا للناس بأنهم مبلغون عن الله ما تحملوه من حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه، وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم عليه، وهم أترك الناس لذلك وأبعدهم من نفعه وأزهدهم فيه، ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى جعلها مبينة لحالهم وكاشفة لعوارهم وهاتكة لأستارهم، وهي أنهم فعلوا هذه الفعلة الشنيعة والخصلة الفظيعة على علم منهم ومعرفة بالكتاب الذي أنزل عليهم وملازمة لتلاوته، ثم انتقل معهم من تقريع إلى تقريع، ومن توبيخ إلى توبيخ فقال: إنكم لو لم تكونوا من أهل العلم وحملة الحجة وأهل الدراسة لكتب الله، لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلا بينكم وبين ذلك، زاجرًا لكم منه، فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم؟! 95.
قال الطبري: «أتأمرون الناس بطاعة الله وتتركون أنفسكم تعصيه؟ فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم؟ معيرهم بذلك، ومقبحًا إليهم ما أتوا به» 96.
وقال القرطبي: «اعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر، لا بسبب الأمر بالبر؛ ولهذا ذم تعالى في كتابه قومًا كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها، ووبخهم الله توبيخًا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة» 97.
وأما دوافع النسيان، فمنها:
1.الشيطان.
المنحرفين عن سنن الإسلام إما بفساد في العقيدة، أو انحراف في السلوك نجد تعليلًا لذلك، يتمثل في تسلط الشيطان عليهم، وسيطرته على نفوسهم، فأنساهم خالقهم وبذلك تم لهم الانغماس في ضلالهم، يقول تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ? أُولَ?ئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ? أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [المجادلة:19] .
والشيطان لا يقصر جهده على الأشرار فهم جنوده، وقد فرغ منهم، ولكنه يبحث في السائرين على طريق الرشاد يحاول جذبهم إليه.
ذكر القرآن الكريم أن الشيطان يتسبب في النسيان في خمسة مواطن، وأغلب هذه المواطن خاصة ببعض الأنبياء، لذا يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكره بمحاولات الشيطان جذبه إليه في مجالس هؤلاء الضالين، ويحذره من الجلوس معهم أكثر من فترة التذكير والتوجيه.
قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى? يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ? وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى? مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?68?) [الأنعام:68] .
قال الطبري: «إن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آياتنا، ثم ذكرت ذلك، فقم عنهم، ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوض فيه بما خاضوا به فيه. وذلك هو معنى «ظلمهم» في هذا الموضع» 98.
وعلى كل فرد من آحاد الأمة أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير موضعها؛ ويشمل الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم، أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر الذي لا يقدر على إزالته 99.
وقد بسط الله سبحانه القول في الشيطان في آيات كثيرة، وأوضح طرائق إضلاله وإغوائه في بيان جلي أقام به الحجة على الخلق، وأزال به كل عذر لمعتذر.
2.الغرور.
الغرور هو أن يسيء الإنسان فهم نفسه، بأن ينسى الأصل الذي منه نشأ، أو ينسى أن الأيام تدول، وأن النعم تزول، وأن النعمة قد تصير شقاء، والجاه قد يتحول إلى بلاء، وسوء الفهم الذي يوجد الغرور هو الذي ينسي الإنسان هذه الحقائق الثابتة من سنن الله في الحياة.
فأبي بن خلف عندما وقف موقف التحدي، منكرًا في تهكم عقيدة البعث، ويأتي بعظام بالية ويفتتها بيده ويقول: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعدما قد رم؟! 100، فأبي في موقفه تبدو منه حماقة البغي، وشراسة الجحود، والكبر والغرور، لم يدر بخلده الماء المهين الذي خلقه الله منه، ولو تذكره لرجع إلى نفسه قبل أن يقول ما قال: وهذه هي الحقيقة التي يسجلها القرآن الكريم: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ? قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ?78?قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ? وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ?79? [يس:78 - 79] .
فالغرور أنساه إحدى بديهيات الوجود حتى تورط فيما تورط فيه من كفران وجحود.
وقصة صاحب الجنتين نموذجًا للكبر والغرور، فالكافر الغني أخذ يتعالى على صاحبه الفقير: (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) [الكهف:34] .
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا، أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون جنابه ملحوظًا في الآخرة! (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَ?ذِهِ أَبَدًا ?35?وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى? رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا ?36?) [الكهف:35 - 36] .
فالغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء، أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ! فأما صاحبه الفقير الذي لا مال له ولا نفر ولا جنة عنده ولا ثمر فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز بعقيدته وإيمانه، معتز بالله تعالى 101.
إن الإنسان المغرور يفزع إلى ربه في الضراء، وينسى ضراعته في السراء، وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ? قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ? إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) [الزمر:8] .
فغرور الإنسان أنساه صاحب الحق، فضل السبيل إليه وأشرك، وعندما ينسى ما كان فيه من عسر وما صار إليه من يسر يؤدي غرور الإنعام بالإنسان إلى مهاوي الكفران.
3.التسلط.
من دوافع النسيان شهوة التسلط عندما يشعلها إمعان الأتباع في الخضوع. فقد يجد المغرور من يستخزي لكبريائه، وينصاع لغلوائه، ويستذل لبغيه، فيغريه ذلك بمزيد من الطغيان، ويسمع كلمات الثناء وعبارات التمجيد من أفواه العبيد، فيتصور أنه كبير، وينسى أن فوقه الكبير المتعال. فعندما وجد فرعون من يستذلهم؛ أنساه ذل العبيد أنه عبد مثلهم، وصدق رب العالمين إذ يقول: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) } [الفرقان:21] .
المجتمع الإسلامي يجب أن يكون صلبًا في الحق، وحساسًا تجاه الاعتداء عليه وعلى القائمين على الدين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها، فيقفوا في وجه الشر والفساد والطغيان والاعتداء، ولا يخافوا لومة لائم، سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين بالحكم أو الأغنياء المتسلطين بالمال أو الأشرار المتسلطين بالأذى أو الجماهير المتسلطة بالهوى، فمنهج الله هو منهج الله، والخارجون عليه علوا أم سفلوا سواء 102.
هناك نسيان من البشر محمود، وهو نسيان الرذائل، نسيان الصالحين والصالحات للمعاصي وما يوصل إليها، بمعنى تركهم لها وإعراضهم عنها، والتنزه عن مجالسها.
وهو في الحقيقة تناسي، فهم يتناسون المعاصي والمنهيات بمعنى يتركونها ويعرضون عنها مع ذكرهم لها، كي يحصل لهم عظيم الأجر بكمال الامتثال، فالترك للمنهي عنه مأجور عليه إذا ترك ابتغاء الأجر والثواب، كما قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31) } [النساء:31] .
في المسند من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ليعجب من الشاب ليست له صبوة) 103.
قال المناوي: (ليست له صبوة) أي: ميل إلى الهوى بحسن اعتياده للخير، وقوة عزيمته في البعد عن الشر 104، «يعيش فيها المسلم العفيف في صفاء ونقاء، وعفة وطهر، أخلاقه سامية، وأفعاله نبيلة.
ويشير القرآن ضمن حديثه عن المؤمنين المفلحين الذين نعتهم الله بالفلاح في {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) } [المؤمنون:1 - 3] .
ثم ذكر من صفاتهم فقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال كما قال تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان:72] » 105.
وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) } [ص:45 - 47] .
أي: أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين فقوله تعالى: {أُولِي الْأَيْدِي} إشارة إلى القوة العاملة، فأشرف ما يصدر عنها طاعة لله، وقوله: {وَالْأَبْصَارِ} إشارة إلى القوة العالمة، فأشرف ما يصدر عنها معرفة الله وما سوى هذين القسمين باطل.
وقرأ ابن كثير (عبدنا) 106 على التوحيد {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} أي: إنا جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة، وهي استغراقهم في ذكر الدار الآخرة حتى نسوا الدنيا، وقرأ نافع وهشام بإضافة خالصة، أي: إنا اختصصناهم بإخلاصهم ذكر الآخرة وتناسيهم عند ذكر الدنيا، وقد جاء المصدر على فاعلة كالعاقبة {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} أي: لمن المختارين من أبناء جنسهم المستعلين عليهم في الخير 107.
وهناك تناسي إيجابي مثل سلوك العالم مع الجاهل وسلوك الحليم مع الغاضب، حيث لا يلتفت لكلام وسلوك الجاهل معه ويتناسى الموضوع؛ ولهذا أشار القرآن الكريم {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) } [الفرقان:63] .
من صفات عباد الرحمن أنهم إذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلامًا.
قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) }
قال ابن كثير: أي: «إذا سفه عليهم الجهال بالسيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وكما قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) } [القصص:55] » 108.
قال الحسن البصري: {قَالُوا سَلَامًا} قال: حلماء لا يجهلون، وإن جهلوا عليهم حلموا، يصاحبون عباد الله نهارهم بما تسمعون، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل 109.
سب رجل رجلًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إن ملكا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل أنت أحق به، وإذا قال له: عليك السلام، قال: لا، بل عليك، وأنت أحق به) 110.
أنعم على من به خلق كريم بأن يرد المسلم على الجاهل السفيه الذي لم يتأدب بأدب الإسلام بهذه اللفظة الجميلة، التي تحمل السلام والسلامة، وتحمل أدب الإسلام الراقي المنضبط إنها سلام إما بلفظها أو بكلام يدل على السلام والسلامة، ويدل على الصفح والهجر الجميل.