شبهات وردود على زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها:
قال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ? فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ? وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) [الأحزاب: 37] .
قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ
ذكر المفسرون روايات كثيرة في تفسيرها نذكر منها:
••أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل منزل زيد بن حارثة أبصر امرأته قائمة في درع وخمار، وكانت بيضاء جميلة ذات خلق، من أتم نساء قريش. فأعجبته، فقال: (سبحان مقلّب القلوب) ، فلما سمعت زينب ذلك جلست، وجاء زيد إلى منزله، فذكرت ذلك له زينب، فعلم أنها وقعت في نفسه، فأتى زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن بها غيرة وإذاية بلسانها» ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسِك أهلك) ، وفي قلبه غير ذلك، فطلّقها زيد 141.
••وفي رواية: «فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا يريده، وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر فانكشف، وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما وقع ذلك كُرِّهت إلى الآخر، قال: فجاء فقال: «يا رسول الله، إني أريد أن أفارق صاحبتي» . قال: (مالك، أرابك منها شيء؟) قال: «لا والله ما رابني منها شيء يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيرًا» . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمسِك عليك زوجك واتق الله) ، فذلك قول الله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ .. ژ تخفي في نفسك إن فارقها تزوجتها 142. وفي رواية: وتخفي في نفسك محبة فراقه إياها؛ لتتزوجها إن هو فارقها 143.
••وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت زيد فلم يجده، وعرضت زينب عليه دخول البيت فأبى أن يدخل، وانصرف راجعًا يتكلم بكلام لم تفهم منه سوى (سبحان الله العظيم، سبحان مصرّف القلوب) ، فجاء زيد فأخبرته بما كان، فأتى رسول الله فقال له: «بلغني يا رسول الله أنك جئت منزلي، فهلا دخلت يا رسول الله، لعل زينب أعجبتك فأفارقها» ، فقال عليه الصلاة والسلام: (أمسِك عليك زوجك، واتق الله) ، فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ففارقها 144.
الرد على هذه الشبهة:
قال صاحب الرحيق المختوم: «إن جميع أعداء الإسلام من اليهود والمنافقين والمشركين قرروا أن يشنّوا حربًا دعائية واسعة ضد هذا الدين من ناحية الأخلاق والتقاليد، وأن يجعلوا شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم أول هدف لهذه الدعاية.
وقد ظهرت خطتهم بعد غزوة الأحزاب، حينما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش بعد أن طلّقها زيد بن حارثة، فوجد المنافقون ثلمتين -حسب زعمهم- لإثارة المشاغب ضد النبي صلى الله عليه وسلم.
الأولى: أن زوجته هذه كانت زوجة خامسة، والقرآن لم يكن أذن في الزواج بأكثر من أربع نسوة فكيف صح له هذا الزواج؟
الثانية: أن زينب كانت زوجة ابنه -متبناه- فالزواج بها من أكبر الكبائر، حسب تقاليد العرب، وأكثروا من الدعاية في هذا السبيل، واختلقوا قصصًا وأساطير، قالوا: إن محمدًا رآها بغتة، فتأثر بحُسنها وعلقت بقلبه، وعلم بذلك ابنه زيد فخلّى سبيلها لمحمد، وقد نشروا هذه الدعاية المختلقة نشرًا بقيت آثاره في كتب التفسير والحديث إلى هذا الزمان، وقد أثّرت تلك الدعاية تأثيرًا قويًّا في صفوف الضعفاء حتى نزل القرآن بالآيات البينات فيها شفاء لما في الصدور، وينبيء عن سعة نشر هذه الدعاية أن الله استفتح سورة الأحزاب بقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا… [الأحزاب: 1] » 145.
أما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه، فباطل وجهل من القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله إلى ما برّأه الله منه، فإن زينب ابنة عمته، وكان يراها ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، حاشا لذلك القلب المطهّر من هذه العلاقة الفاسدة 146.
إن الله تعالى كان قد أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن زيدًا يطلّق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيد للنبي صلى الله عليه وسلم، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: (اتق الله في قولك، وأمسِك عليك زوجك) ، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد وهو متبناه 147 وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أي: مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك بعد طلاق زيد لها 148 وهو مطابق للتلاوة؛ لأن الله أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي أبداه الله جل وعلا هو زواجه إياها في قوله: فَلَمَّا قَضَى? زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَاولم يُبد جل وعلا شيئًا مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى 149.
فإن قيل: فلأي معنى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أمسِك عليك زوجك، وقد أخبره الله أنها زوجته؟
قلنا: إنه أراد أن يختبر منه ما لم يُعلمه الله به من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها والكراهية لها ما لم يكن علمه منه في أمرها 150. وَتَخْشَى النَّاسَ تخاف لائمة الناس أن يقولوا: أمر رجلًا بطلاق امرأته ثم نكحها، أو تزوج امرأة ابنه؛ لأن زيدًا كان يُدعى ابنه، والله أحق أن تخشاه من الناس ولا تجمع خشية الناس مع خشية الله في أن تؤخر شيئًا أخبرك به لشيء يشق عليك. قال جمع من الصحابة: «ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية» 151.
فمتعلق الخشية على رأي القائلين بالعشق والغرام هو خشيته صلى الله عليه وسلم أن يطّلع الناس على ما في قلبه من الحب والميل إلى زينب. أما على رأي المحققين العارفين بأحوال الأنبياء، فمتعلق الخشية خشيته صلى الله عليه وسلم من وقوع الناس في عِرضه وقولهم: تزوج بزوجة ابنه. والفرق واضح بين متعلق الخشيتين في كلتا الحالتين 152 والعتاب عليه على إظهار ما ينافي الإضمار 153.
وليس معنى الخشية هنا: الخوف، وإنما معناه الاستحياء، أي: يستحي منهم أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه، وأن خشيته صلى الله عليه وسلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود وتشغيبهم على المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه، بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء، فعتبه الله تعالى على هذا، أو نزّهه عن الالتفات إليهم فيما أحله الله 154، قال بعض العلماء: «ليس هذا من النبي صلى الله عليه وسلم خطيئة؛ ألا ترى أنه لم يؤمر بالتوبة ولا بالإستغفار منه، وقد يكون الشيء ليس بخطيئة إلا أن غيره أحسن منه، وأخفى ذلك في نفسه خشية أن يفتتن الناس 155، وأن يقولوا قولًا ويظنوا ظنًّا فيهلكوا، والرسول صلى الله عليه وسلم رءوف رحيم بأمته، فهو يخشى عليها من الوقوع في الهلاك باعتقاد ما يتنافى مع كرامة الأنبياء وعصمتهم» 156.
وخاصة أن في المؤمنين حدثاء الإسلام من لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، فكانت خشية رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمة بهم أن يلقي الشيطان في أنفسهم شيئًا يأثمون به ويهلكون، فهذه الخشية كانت من قبيل الرحمة والإحسان إلى المؤمنين ليحفظ صلى الله عليه وسلم عليهم إيمانهم 157.
قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَ?كِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ? وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ?40? [الأحزاب: 40] .
هو جواب عن سؤال مقدر، تقديره: أمحمد أبو زيد؟ فأجيب بنفي الأعم المستلزم لنفي الأخص؛ إذ لو اقتصر على قوله: ما كان محمد أبا زيد، لقيل: ماذا يلزم منه؟ فقد كان للأنبياء أبناء، فجيء بنفي الأعم تمهيدًا للاستدراك بأنه رسول الله وخاتم النبيين 158.
والخلاصة في الرد على هذه الشبهة:
••الروايات في قصة الحب والغرام ضعيفة من حيث السند.
••تتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته من حيث المتن.
••لو كان الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم هو محبته لها لأظهره الله تعالى؛ لأنه تعالى قد وعد باظهاره، ولكن الله تعالى أظهر أنه سيتزوجها.
••أن هذا الزواج لحكمة لا تعلوها حكمة في زواج أحد من أزواجه صلى الله عليه وسلم، وهي إبطال بدعة التبني، فما أظهره الله تعالى هو رغبته صلى الله عليه وسلم في تنفيذ أمر الله بالزواج من مطلقة متبنيه (زيد) لإبطال حكم التبني وتحريم زوجة الدّعي على من تبنّاه 159.
••قوله: لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ? أخبرهم الله تعالى أن نساء الأدعياء حلال لهم إذا طلقوهن.
وقضاء الوطر: بلوغ منتهى ما في النفس من الشيء. فليس على رسول الله صلى الله عليه وسلم حرج في هذا النكاح 160.
ففيه أكبر حجة على الذين خاضوا في عِرض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
••شرع الإسلام بدائل للتبني تغني عنه، ومن تلك البدائل:
أولًا: الأخوة والولاء في الدين:
قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .
وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] .
وقال تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب: 6] .
حرص الإسلام على إقامة المجتمع الإسلامي على أساس الحق والعدل والصدق والواقع، فمن أهم صفات أهل الإيمان: الولاية في الله خاصة 161، فإن بعضهم أنصار بعض وأعوانهم 162، يتولى بعضهم بعضًا في النصرة والحماية والمحبة والتأييد 163؛ لأنهم جمعتهم الرحمة والمودة، والإخلاص لله تعالى وللحق، وجماعتهم وأُسرهم تقوم على الفضيلة، والإخلاص والتراحم، فقلوبهم قد صغت لله تعالى، ولانت أفئدتهم له سبحانه، فهم مرتبطون برباط معنوي لا ينفصهم؛ لأنه مربوط بالعروة الوثقى لا انفصام لها، فهي رباط المؤمنين الذي يستمسكون به 164، جماعتهم كالجسد الواحد، وهم كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، بينهم ولاية النصرة في الدفاع عن الحق والعدل وإعلاء كلمة الله 165.
فالولاية تحتاج إلى شجاعة وإلى نجدة، وإلى تعاون وتكافل وتضامن في تحقيق الخير ودفع الشر 166، يعين فيه المسلمون بعضهم بعضًا في أمورهم الحياتية، وتنتشر المودة والرحمة والبركة بين أفراد المجتمع، وبذلك نحمي المجتمع من الفتن والجرائم، ويعيش الجميع في أمان واطمئنان 167.
فالناس يحتاج بعضهم إلى بعض في كل شئون الحياة، وهم في مجموعهم قوة متماسكة لا تبدو في تمامها واكتمالها إلا بقوة كل فرد من أفرادها وسعادته، أما الذين تحول ظروف الحياة بينهم وبين تمتعهم بالحقوق التي كفلها الإسلام، فاعتبر المجتمع هو المسئول عن تحقيقها لهم 168.
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى) 169.
ولا عبرة للتقاليد والعادات المنتشرة بين الناس والجارية على أفواههم إذا ما خالفت الحقيقة أو الشريعة 170.
لذلك قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} [الأحزاب: 5] .
أي: أدعياؤكم الذين لم تعلموا آباءهم من هم، فتنسبوهم إليهم، ولم تعرفوهم فتلحقوهم بهم {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} إن كانوا من أهل ملتكم {وَمَوَالِيكُمْ} إن كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم 171، فادعوهم بالأخوة والمولوية بتأويلهما بالأخوة والولاية في الدين، وكأن دعاءهم بذلك لتطييب قلوبهم؛ ولذا لم يؤمر بدعائهم بأسمائهم فقط 172.
ففيه دليل على أن من لا أب له معروف من ولد دعيّ أو لعان لا ينتسب إلى أمه ولكنه يقال له: أخو معتقه ومولاه إن كان حرًّا، أو عبده إن كان رقًّا 173.
ولهذا قيل لسالم بعد نزول الآية: مولى أبي حذيفة، وكان قد تبنّاه قبل 174، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لزيد: (أنت أخونا ومولانا) 175.
بمعنى أنه حتى في حال عدم علمكم بآبائهم لا يجوز لكم أن تنسبوهم لغير آبائهم، بل ادعوهم بقولكم إخواننا في الدين وموالينا؛ لأن المؤمنين بعضهم أولياء بعض 176.
وظاهر الآية أيضًا يدل على أنه يحرم على الإنسان أن يتعمد دعوة الولد لغير أبيه، وذلك محمول على ما إذا كانت الدعوة على الوجه الذي كان في الجاهلية، وأما إذا لم تكن كذلك كما يقول الكبير للصغير: يا بني، فالظاهر عدم الحرمة، وظاهر الآية أيضًا أنه يباح أن يقال في دعاء من لم يعرف أبوه: يا أخي أو يا مولاي إذا قصد الأخوة في الدين والولاية فيه، بشرط ألا يكون المدعو فاسقًا فمثل هذا يدعى باسمه أو بـ يا عبدالله، أو يا هذا. ونحوه 177.
قال ابن كثير: «وأما دعوة الغير ابنًا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نُهي عنه في هذه الآية» 178.
ولذوي الأرحام حق عظيم على الإنسان؛ إذ جعل الله تعالى لهم الأولوية على غيرهم، ومن هنا مدح الإسلام الذين يصلون أرحامهم ويتقون الله فيهم 179.
قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] .
وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة: بالحلف 180، والهجرة 181، والتبني، والمعاقدة 182183.
أي: ذوو القرابة من المسلمين بعضهم أحق بميراث بعض في حكم الله وشرعه من الإرث بالايمان والهجرة -كما كان في أول الإسلام- إلا أن تفعلوا -أيها المسلمون- إلى غير الورثة معروفًا بالنصر والبر والصلة والإحسان والوصية 184.
وولاية المؤمنين بعضهم بعضًا مستمرة، فلا مانع أن تفعلوا إلى من بينكم وبينهم موالاة ومناصرة معروفًا بالإحسان إليهم بالوصية والنصرة والبر والصلة وغير ذلك 185.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويدخل في الآيتين 186 سائر الولايات من المناكح والأموال والعقل 187 والموت» 188.
والاستثناء في فعل المعروف واقع على من كان وليًّا للميت من المؤمنين والمهاجرين، ويكون المعروف وصية يوصى له حيث نسخ الميراث عنه إلى ذي الرحم 189.
ثانيًا: كفالة اليتامى:
المجتمع الإسلامي مجتمع متعاون على البر والخير، مجتمع يرى أن التكافل الاجتماعي هو القاعدة التي ينبغي أن يرتكز عليها هذا المجتمع، فعلى المسلمين أن يكفلوا ويراعوا مصالح الضعفاء في مجتمعهم، كما يراعون حقوق أقويائهم وأغنيائهم.
واليتامى بفقدهم آباءهم وهم صغار ضعاف، أحوج الناس إلى الرحمة والرفق بهم، والمساهمة الفعالة في تخفيف آلامهم، ودفع ما ينزل بهم من ضر وجور، فإكرام اليتامى فيه تقوية للأمة بإنشاء نشء على الخُلق القويم؛ لذلك:
حث الله تعالى على كفالة اليتامى والإحسان إليهم:
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة: 83] .
وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة: 215] .
وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 220] .
وقال تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] .
وقال جل شأنه: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ} [البلد: 11 - 15] .
والإحسان إلى اليتامى ميثاق وعهد، أخذه الله على بني إسرائيل وليس خاصًّا بهم، بل هو ميثاق النبيين في كل العصور.
ولكن بني إسرائيل مع العهود والمواثيق لا يفون، فعلى المسلمين الحذر مما وقع فيه أولئك من مخالفة الميثاق وعدم الوفاء به 190.
ويجب الإحسان إلى اليتيم، وهو الذي مات أبوه قبل أن يبلغ، وإنما أوصى الله به في كثير من الآيات؛ جبرًا لما حصل له من الانكسار بموت الوالد مع صغره، فكان من رحمة الله عز وجل وحكمته أن أوصى بالإحسان إليه 191، فمن فقد أباه فقد انفرد في هذا الوجود، والأم وإن كانت هي الحانية العاطفة التي تغذيه بأنبل العواطف لا تحميه، وغالبًا لا تعوله، ولذلك لا تعوض حماية الأب وكلاءته 192.
عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) وقال بإصبعيه السبابة والوسطى 193.
ففيه فضل رعاية اليتيم وكفالته، وإن أجر رعايته كبير، ومحبوب عند الله تعالى 194.
ويجوز خلط الولي ماله بمال اليتيم، ويجوز التصرف فيه بالبيع والشراء إذا وافق الإصلاح، ويجوز دفعه مضاربة إلى غيره، وجواز الاجتهاد في أحكام الحوادث؛ لأن الإصلاح الذي تضمنه الآية إنما يعلم من طريق الاجتهاد وغالب الظن، وفيه دلالة على أنه لا بأس بتأديب اليتيم وضربه بالرفق لإصلاحه 195.
فمن علم من نيته أنه مصلح لليتيم، وليس له طمع في ماله، فلو دخل عليه شيء من غير قصد لم يكن عليه بأس. ومن علم الله من نيته، أن قصده بالمخالطة التوصل إلى أكلها، فذلك الذي حرج وإثم، وهذه الرخصة لطف من الله تعالى وإحسان وتوسعة على المؤمنين 196.
وقد أمر أوصياء اليتامى بتسليم أموالهم إليهم، إذا هم بلغوا الحلم وأونس منهم الرشد، وتحريم استبدال الحرام من أموالهم بأموال الأوصياء الحلال لهم أو خلط أموالهم مع أموال اليتامى فتؤكل جميعًا، ففيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم؛ لأن تمام إيتائه ماله، حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار 197.
وإن مما يعين على تجاوز أهوال الآخرة ومشقاتها: إطعام الضعفاء في أيام المجاعات، قال قتادة: «في يوم يُشتهى فيه الطعام» 198.
فإن إخراج المال في وقت القحط والضرورة أثقل على النفس وأوجب للأجر، وخاصة إذا كان الإطعام لمن كان جامعًا بين كونه يتيمًا وفقيرًا ذا قرابة، فيجتمع فيه فضل الصدقة وصلة الرحم، وقيل: يدخل فيه القرب بالجوار كما يدخل فيه القرب بالنسب 199. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنان صدقة وصلة) 200.
وقد نهى الله عز وجل عن إهانة اليتيم وقهره.
قال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} [الفجر: 15 - 17] .
وقال عز وجل: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} [الضحى: 9] .
وقال عز وجل: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ} [الماعون: 1 - 2] .
فاوت الله تعالى بين أرزاق الناس لحِكم منشودة وامتحان مقصود 201، كلا ليس الأمر كما يقول الإنسان الخاوي من الإيمان، ليس بسط الرزق دليلًا على الكرامة عند الله، وليس تضييق الرزق دليلًا على المهانة والإهمال، إنما الأمر أنكم لا تنهضون بحق العطاء ولا توفون بحق المال، فأنتم لا تكرمون اليتيم الصغير الذي فقد حاميه وكافله حين فقد أباه 202.