فهرس الكتاب

الصفحة 1548 من 2431

يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «والقسط هو ميزان الحقوق، متى وقعت فيه المحاباة والجور لأي سبب أو علة من العلل زالت الثقة من الناس، وانتشرت المفاسد وضروب العدوان بينهم، وتقطعت روابطهم الاجتماعية، وصار بأسهم بينهم شديدًا، فلا يلبثون أن يسلط الله تعالى عليهم بعض عباده الذين هم أقرب إلى إقامة العدل والشهادة بالقسط منهم، فيزيلون استقلالهم، ويذيقونهم وبالهم» 43.

ولما كانت المعاملات سببًا للمشاحنات، فقد اشتملت التجارات والمعاملات على ظلم وهضم للحقوق، فقد منع القرآن الكريم الظلم بجميع أنواعه وصوره. وإن من أعظم وسائل الشريعة في تحقيق مقصد العدل ومنع الظلم إباحة البيع وتحريم الربا، كما في قوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ) [البقرة: 275] .

ثم نبه سبحانه عند ختم آيات تحريم الربا على على المقصود الشرعي من إباحة البيع وتحريم الربا، وهو تحقيق العدل ونفي الظلم. (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 279] .

والمراد به الصدق والبيان والتوضيح في جميع أجزاء العقد وفي كل مراحله، لما في الكتمان والكذب من مفاسد تهدد السلم الاجتماعي ويفضي إلى التنازع والخلاف 44.

ومن الأمثلة على تحريم الكذب في المعاملات:

••الأمر بكتابة الدين لتوثيقها كما في آية الدين، (? ? ? ? ? پ پ پ پ ) [البقرة: 282] . قال البيضاوي: «وفائدة ذكر الدين أن لا يتوهم من التداين المجازاة ويعلم تنوعه إلى المؤجل والحال، وأنه الباعث على الكتبة ويكون مرجع ضمير فاكتبوه إلى أجل مسمى معلوم بالأيام والأشهر لا بالحصاد وقدوم الحاج. فاكتبوه لأنه أوثق وادفع للنزاع، والجمهور على أنه استحباب» 45.

••الأمر بالإشهاد على الحقوق المالية، كما في الآية الكريمة (ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 282] . قال البيضاوي: «واطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان من رجالكم من رجال المسلمين، وهو دليل اشتراط إسلام الشهود، وإليه ذهب عامة العلماء» 46.

••تشريع الرهن، وهو توثيق دين بدين، (? ? ? ? پ پ پ پ ) [البقرة: 283] 47. يقول الرازي: «اعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع الأمانة، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإشهاد، واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعًا آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن، فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة والإشهاد» 48

وهي من أعظم مقاصد الشريعة وخاصةً في المعاملات المالية.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ) [المائدة: 2] .

ومن الأمثلة عليه:

تحريم الميسر؛ لكونه أعظم وسائل الشيطان للوقيعة بين المسلمين وشق صفهم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [المائدة: 91] .

يقول الشيح المراغي: «إن الشيطان يريد لكم شرب الخمر ومياسرتكم بالقداح ليعادي بعضكم بعضًا ويبغّض بعضكم إلى بعض عند الشراب والمياسرة، فيشتت أمركم بعد تأليف الله بينكم بالإيمان، وجمعه بينكم بأخوّة الإسلام، ويصرفكم بالسكر والاشتغال بالميسر عن ذكر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم، وعن الصلاة التي فرضها عليكم، تزكيةً لنفوسكم وتطهيرًا لقلوبكم» 49.

وقد منع القرآن الكريم التعدي على أموال الناس وأكل أموالهم بالباطل، وذلك لتحقيق استقرار المجتمع وحماية مصالح أفراده.

قال تعالى: (? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ) [البقرة: 188] .

فكل عقد لم يتوفر فيه رضا الطرفين وحصل عنصر الإكراه والخداع والغش، فهو حرام بنص الآية الكريمة. وتحت باب الأكل بالباطل تدخل كثير من المعاملات المالية، كالغصب والسرقة والخيانة، وعقود الربا والقمار؛ لأنها من أكل أموال الناس بالباطل.

أولًا: الاعتصام والوحدة:

الاعتصام في الاصطلاح يأتي بمعنى: التمسك بالدين والوثوق بوعد الله والالتجاء إليه في دفع شرور الكفار ومكايدهم. وهذه المعاني تربي من فهمها على أهمية الوحدة والاجتماع.

وقد اهتم القرآن الكريم ببناء العلاقات بين المسلمين وتمتينها باعتبارها ضرورةً دينية لا غنى للمسلم عنها، واستخدم أساليب عديدة لتأكيد هذه الوحدة.

أساليب القرآن الكريم في الحفاظ على الوحدة الإسلامية والاعتصام بحبل الله:

قال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ?) [آل عمران: 105] .

يقول الشيخ ابن عاشور: «وأولئك لهم عذاب عظيم مقابل قوله في الفريق الآخر: وأولئك هم المفلحون، فالقول فيه كالقول في نظيره، وهذا جزاء لهم على التفرق والاختلاف وعلى تفريطهم في تجنب أسبابه» 50.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحجرات: 10] .

وقد أحاط القرآن الكريم هذه العلاقة بمجموعة من التدابير الوقائية للحفاظ عليها:

فقد نهى عن السخرية والتنابز بالألقاب والظن والتجسس والغيبة، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ?) [الحجرات: 11 - 12] .

فهذه الآيات كما يقول سيد قطب «تقيم سياجًا آخر في هذا المجتمع الفاضل الكريم حول حرمات الأشخاص به وكراماتهم وحرياتهم، بينما هي تعلم الناس كيف ينظفون مشاعرهم وضمائرهم، في أسلوب مؤثر عجيب» 51.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 100 - 101] .

يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «بعد ما وبخ أهل الكتاب على كفرهم وصدهم عن سبيل الله وهو الإسلام، آثر إقامة الحجج عليهم وإزالة شبهاتهم، ناسب أن يخاطب المؤمنين مبينًا لهم أن من كان هذا شأنهم في الكفر، وهذا شأن ما دعوا إليه في ظهور حقيقته، لا ينبغي أن يطاعوا ولا أن يسمع لهم قول، فإنهم دعاة الفتنة ورواد الكفر» 52.

قال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ?) [آل عمران: 105] .

قال الراغب الأصفهاني في سبب استحقاق أهل الكتاب العذاب: «نبه بقوله: (? ? ? ?) أن سبب استحقاقهم العذاب افتراقهم واختلافهم، تنبيهًا أنكم إن فعلتم فعلهم استحققتم العذاب استحقاقهم» 53.

نهى عن الخبائث المفضية إلى الفرقة والعداوة.

قال تعالى: (? ? چچ چ چ) [البقرة: 102] .

والنهي هنا عن السحر، لدوره في إفساد الرابطة الزوجية، وقال تعالى في تحريم الخمر والميسر ذاكرًا الحكمة من التحريم (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 90 - 91] .

لذلك فقد نهى القرآن الكريم عن كل ما يؤدي إلى إيغار الصدور والعداوة والبغضاء.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال:1] .

ويراد بالإصلاح هنا «إزالة المنازعات والخصومات، وإحلال الألفة والمودة بين الناس سواء بين الزوجين، أو الورثة أو الإخوة أو غير ذلك» 54.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 86] .

وفي إطعام الطعام أثنى عليهم فقال: (? ? ? ٹ ٹ) [الإنسان: 8] .

وفي الاعتصام صلاح المرء، وهو يورث محبة الله والعباد، ويجنب الإنسان مسالك الشيطان، وفي الاعتصام قوة الأمة؛ لأن الجماعة رحمة والفرقة عذاب. وثمرة الاعتصام في الآخر سعادة الدارين.

ثانيًا: رفع الشقاق والتنازع:

فالصلح والسلم ليس رافعًا للنزاع فقط، بل مانع لوقوعه أيضًا، حيث يقوم بدور وقائي لمنعه، وإذا كان رفع النزاع والشقاق من أهم مقاصد السلم فقد بين العلماء معنى الصلح واشتقاقاته بأنه رفع النزاع والتخاصم.

فالإصلاح: «الوسائل المتنوعة المتعددة التي يزال بها الفساد أو النزاع أو الخصومة، أما المصالحة فهي العقد الذي يصل إليه المصلحون في جهودهم الإصلاحية، والصلح اسم منه، وهو التوفيق أو الاتفاق الذي يصل إليه المصلحون بعد إصلاحهم» 55.

والقرآن الكريم يبني السلم الاجتماعي الذي يقصد به «حالة الهدوء والاستقرار والوئام والاتفاق والانسجام، وفي العلاقة بين شرائحه وأفراده وقواه العديدة المختلفة» 56.

وذلك من خلال:

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 182] .

والآية واردة في كيفية رفع النزاع بين الورثة حال الوصية دون إضرار بالورثة ولا تبذير للوصية.

قال الطبري: «من معاني الإصلاح الإصلاح بين الفريقين، فيما كان مخوفًا حدوث الاختلاف بينهم فيه، بما يؤمن معه حدوث الاختلاف؛ لأن الإصلاح إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين، فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين قبل وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه» 57.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 128] .

فالآية واردة في الصلح بين الزوجين في حالة النشوز أو الإعراض، وكيفية رفع الخلاف بينهما.

قال الإمام القرطبي: « (? ) ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وطء أو غير ذلك. خير أي خير من الفرقة؛ فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر» 58.

قال تعالى: (? ? ? ? ) [الأنفال: 1] .

«ومع أن الخلاف والصراع أمر محتمل الوقوع بين المؤمنين باعتبارهم بشرًا، لهم مصالح وأهواء، لكن المجتمع عليه أن يتدخل لوضع حد لهذا الصراع» 59.

فالخلاف أمر محتم، وسرعة العلاج واجب.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 58 - 59] .

قال أبو حيان: «فإن اختلفتم أنتم وأولوا الأمر في شيء من أمور الدين» 60.

وقد ذكر القرآن الكريم في هذه الآية كيفية رفع النزاع بين الحاكم الذي سمي (أولي الأمر) وبين المحكوم أو الرعية، وهي الرجوع إلى الله (القرآن الكريم) ورسوله (السنة النبوية) .

ولهذا يقول الشيخ السعدي: «أمر برد كل ما تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه إلى الله وإلى رسوله أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإن فيهما الفصل في جميع المسائل الخلافية، إما بصريحهما أو عمومهما، أو إيماءًا، أو تنبيهًا، أو مفهومًا، أو عموم معنى يقاس عليه ما أشبهه؛ لأن كتاب الله وسنة رسوله عليهما بناء الدين، ولا يستقيم الإيمان إلا بهما» 61.

ثالثًا: تحقيق الأمن:

الأمن في القرآن الكريم يراد به الأمن في الدنيا والآخرة، أما الأمن عند الآخرين فالمقصود فقط أمن الدنيا لا غير.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ?) [الأنعام: 82] .

يقول ابن كثير مبينًا ما ذكرنا من شمول الأمن في القرآن للدارين: «هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، لو لم يشركوا به شيئًا هم الآمنون يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة» 62.

الأمن وأنواعه في القرآن:

ذكر المختصون في هذا المجال أنواعًا كثيرة للأمن، أوصلها بعضهم إلى (26 نوعًا) 63.

والقرآن الكريم أشار إلى عدة أنواع من الأمن، كل نوع منها تندرج في حفظ أمن الفرد أو المجتمع، ونحن نذكر هنا بعضًا منها للتوضيح:

قال تعالى حاثًّا المؤمنين على التمسك بدينهم الذي هو سر وحدتهم، والسبب الرئيسي لأمنهم واستقرارهم: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک گ گ گ) [آل عمران: 103] .

أمن الدولة، والقرآن الكريم يذكرنا بدعاء إبراهيم الخليل عليه السلام حين يدعو بالأمن والسلام لبلده وأهله، وحمايتها من الأخطار الخارجية والداخلية.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 126] .

وقد ذكر القرآن الكريم في ذكره للحكمة من القصاص أنها وسيلة لردع المجرم حتى لا يرتكب قاتل آخر ما فعله الأول، وبذلك يأمن الناس من الاعتداء عليهم.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 179] .

والقرآن الكريم يمن على قريش بأنهم يتمتعون بعيش آمن من خلال حصولهم على احتياجاتهم اليومية الغذائية دون خوف من أحد.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [قريش: 1 - 4] .

كل فرد في المجتمع بحاجة للاطمئنان على عيشه وتأمين حياته، كي يكون في حالة توازن وتوافق، والقرآن الكريم يشير إلى هذا النوع من الأمن بقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹٹ) [البقرة: 283] .

أهمية الأمن وكونها إحدى المقاصد في القرآن:

عند ذكرنا لأنواع الأمن في القرآن تبين لنا أهمية الأمن، ولتأكيدها فقد عد الأمن من أهم المقاصد في القرآن «فالله سبحانه وهب الإنسان نعمة الحياة، جعل حياطتها وحفظها كلًا وجزءًا مادةً ومعنىً في طليعة الأهداف التي أبرزها دينه الخالد، وبعث بها رسله الأكرمين، ولذلك قرر لها من الحقوق والواجبات ما يحفظ لها ضروراتها الخمس المتمثلة في الدين والعقل والنفس والمال والعرض، ويكفل لها طمأنينتها ورخاءها» 64.

فتحقيق الأمن مقصد من مقاصد الشريعة، يقول صاحب كتاب المقاصد في المناسك عند ذكره المقاصد الاجتماعية: «المقصد الأول: الأمن على النفس والمال والعرض، مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسٍلامية له أعظم الاعتبار ليس في شعيرة الحج فحسب، بل في كل أمر من أمور الحياة التعبدية والمعاملات والعادات وجميع أنواع الحياة البدوية والحضرية ... يعطي الشرع الشريف أهميةً كبيرةً على الحرص على الأمن على هذه المحاور الثلاثة في الاعتقادات والعبادات والمعاملات وفي كل أمور الحياة» 65.

وفي أثر الأمن على طلب العلم والعمل، يقول أبو حامد الغزالي: «لذا يجب أن نعلم أنه لا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن، وإلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقًا بحراسة نفسه من الظلمة وطلب قوته من وجوه الغلبة، متى يتفرغ للعلم والعمل، وهما وسيلتاه إلى سعادة الآخرة» 66.

رابعًا: معاداة الشيطان وعدم اتباع خطواته:

«الشيطان أو إبليس هو الجان الذي أبى السجود لآدم حين خلقه الله فاستحق لعنته، وطرد من جنته، ووجبت له النار بعد إنظار الله له إلى يوم القيامة، وأوتي من وسائل الإغواء ما لم يؤت أحد من العالمين» 67.

وقد ذكر في القرآن الكريم في آيات كثيرة عداوة الشيطان لآدم وذريته، ومحاولته إغوائهم وصدهم عن السبيل وهدم مجتمعهم وتفكيكهم.

المراد بخطوات الشيطان: «المراحل الشيطانية الموقعة في المعصية بدءًا ببواعث تلك المعصية ودواعيها في النفس، ثم مرورًا بارتكابها واكتساب الإثم، ثم انتهاءًا بكون تلك المعصية مفتاحًا لما يتلوها من معاص تنتهي إلى غاية الشيطان الكبرى، وهي إيقاع الناس في الكفر والموت على ذلك» 68.

وقد وردت في القرآن عبارة (خطوات الشيطان) أربع مرات، وهي:

قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 168] .

جاء في تفسيره «لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا طريقه، لأن الخطوة اسم مكان، وهذا قول الزجاج وابن قتيبة، فإنهما قالا: خطوات الشيطان طرفه، وإن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي، فالتقدير: لا تأتموا به ولا تقفوا أثره، والمعنيان مقاربان» 69.

قال تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 208] .

يقول الدكتور عمر سليمان الأشقر: «أمرهم بالعمل بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام ما استطاعوا، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، فالذي يدخل في الإسلام مبتعد عن الشيطان وخطواته، والذي يترك شيئًا من الإسلام فقد اتبع بعض خطوات الشيطان، ولذلك كان تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، أو الأكل من المحرمات والخبائث» 70.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 142] .

يقول الألوسي: «معنى الآية استحلوا الأكل مما أعطاكم الله تعالى، ولا تتبعوا في أمر التحليل والتحريم بتقليد أسلافكم المجازفين في ذلك من تلقاء أنفسهم المفترين على الله سبحانه خطوات الشيطان، أي: طرقه فإن ذلك منهم بإغوائه واستتباعه إياهم، إنه لكم عدو مبين أي ظاهر العداوة» 71.

قال تعالى: (? ? ? ? پ پ پپ ? ? ? ? ? ? ? ) [النور: 21] .

«والفحشاء كل فعل أو قول قبيح، والمنكر ما تنكره الشريعة وينكره أهل الخير» 72.

فمن وقع في الفحشاء والمنكر فقد اتبع خطوات الشيطان.

الشيطان له غاية كبيرة وهي تمزيق المجتمع وتفكيكه، وللوصول لغايته يستخدم وسائل عدة، وقد ذكرها القرآن الكريم لنحذرها حتى ننعم بالسلم والأمان، فهو يأمر بالسوء والفحشاء، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 169] .

قال الطبري: «والسوء الإثم، والفحشاء وهي كل ما استفحش ذكره، وقبح مسموعه» 73.

وهو ينزغ بين الناس ليفرق بينهم، لذلك يأمرنا الله سبحانه بالقول الأحسن حتى نتجنب نزعات الشيطان.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ژژ ڑ ڑ ک ک ک ک) [الإسراء: 53] .

قال الطبري: «إن الشيطان يسوء محاورة بعضهم بعضًا ينزغ بينهم، يقول: يفسد بينهم، يهيج بينهم الشر» 74.

ويخوفهم بالفقر وحثهم على عدم الإنفاق، وبذلك يحدث ثغرةً في بناء المجتمع، ويبعد الأغنياء عن الفقراء.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 268] .

قال البيضاوي: «الشّيطان يعدكم الفقر في الإنفاق، والوعد في الأصل شائع في الخير والشر، ويأمركم بالفحشاء ويغريكم على البخل» 75.

ويوسوس إلى أوليائه بمجادلة الناس والإكثار من ذلك ليشغلهم عن ظهور الحق.

قال تعالى: (ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ) [الأنعام: 121] .

قال الفيومي في معنى المجادلة: «وجادل مجادلة وجدالًا إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب، هذا أصله ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وهو محمود إن كان للوقوف على الحق وإلا فمذموم» 76.

وتأثير الجدل في هدم المجتمع واضح بين في تفكيك رباط المجتمع وزرع الحقد بينهم.

«والغضب مدخل من مداخل الشيطان، إذ به تحدث الجرائم وتتفكك الأسر ويضعف الإيمان وتضعف رابطة الأخوة، فهو شر تنبع منه شرورًا كثيرة» 77.

استخدم القرآن الكريم أسلوبين أساسيين وهما:

أولًا: أسلوب الأمر:

استخدم القرآن الكريم أسلوب الأمر بصيغ مختلفة تنطوي على أساليب بلاغية غاية في الروعة، لا تجاريها أسلوب بياني من غير القرآن الكريم الذي أنزله رب العزة، ومن هذه الصيغ المتعلقة بالآيات الواردة في السلم وما يتعلق بها:

1.فعل الأمر.

قال تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 208] .

قال الشيخ الطاهر بن عاشور: «صيغة الأمر في (ادخلوا) من أن حقيقتها طلب تحصيل فعل لم يكن حاصلًا أو كان مفرطًا في بعضه» 78.

فهنا أسلوب الأمر الحقيقي، باستخدام صيغة فعل الأمر (ادخلوا) ، «والأصل في الأمر أن يراد به الحقيقة، بأن يكون لطلب الفعل على سبيل الاستعلاء والإيجاب، وذلك بأداء ما تضمنه الأمر حقًّا من غير تأويل بمعنى ثانوي» 79.

2.المضارع المجزوم بلام الأمر.

قال تعالى: (پ ? ? ?) [قريش: 3] .

يقول أبو حيان: «أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلة» 80.

فصيغة الأمر هنا قوله (پ) وهو عبارة عن لام الأمر داخلة على الفعل المضارع يعبد.

3.الإخبار بأن ترك الفعل كفر أو ظلم أو فسق.

مثل قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء:65] .

يقول الرازي: « (? ? ? ?) قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الإيمان إلا عند حصول شرائط، أولها: قوله تعالى: (? ? ? ? ?) وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنًا» 81.

فهنا الأمر للوجوب كما ذكرنا من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت