فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط، والعصا، مائة من الإبل: منها أربعون في بطون أولادها) 65.
ودية المرأة نصف دية الرجل؛ لأن المنفعة التي تفوت أهل الرجل بفقده أعظم من المنفعة التي تفوت بفقدها، والدية على العاقلة {إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} فيه تلويح لأهل القتيل بالعفو- إذا اطمأنت نفوسهم إليه- لأنه أقرب إلى جو التعاطف والتسامح في المجتمع المسلم 66.
والحالة الثانية: أن يقع القتل على مؤمن وأهله محاربون للإسلام في دار الحرب، قال سبحانه: {فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ،يعني: إن كان المقتول خطأ مؤمنا وقومه كفار، فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة، وليس فيه دية؛ لأن ورثته كفار فلا يرثونه، وحتى لا يستعينون بها على قتال المسلمين، ولا مكان هنا لاسترضاء أهل القتيل وكسب مودتهم، فهم محاربون، وهم عدو للمسلمين 67.
والحالة الثالثة: أن يقع القتل على مؤمن قومه معاهدون عهد هدنة أو عهد ذمة.
قال جل وعلا: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} ، أي: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة، فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرًا أيضًا عند طائفة من العلماء، وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها، كما هو مفصل في كتب الأحكام، ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة، قال ابن عباس: «هذا الرجل يكون معاهدًا ويكون قومه أهل عهد، فتسلم إليهم دية ويعتق الذي أصابه رقبة» ، وقدم الدية هنا على تحرير الرقبة على العكس مما جاء في صدر الآية، للإشعار بوجوب المسارعة إلى تسليم الدية حتى لا يتردد القاتل في دفعها إلى غير المسلمين الذين بينهم وبين المسلمين عهد يمنع عدم الاعتداء 68.
وقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} أي: فمن لم يجد رقبه مؤمنة يعتقها فعليه في هذه الحالة صيام شهرين متواصلين في أيامهما، لا يفرق بينهم فطر، بحيث لو أفطر يوما فيها استأنف من جديد ابتداء الشهرين، إلا أن يكون الفطر بسبب حيض أو نفاس أو مرض يتعذر معه الصوم {تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} أي: قد شرعها لكم، ليتوب عليكم ويطهر نفوسكم من التهاون وقلة التحري التي تفضي إلى القتل الخطأ {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} أي: وكان الله عليمًا بأحوال النفوس وما يطهرها، حكيما فيما شرعه من الأحكام والآداب التي بها هدايتكم وإرشادكم إلى ما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة 69.
واتفق الفقهاء أن على المسلم العاقل البالغ قاتل المسلم خطأ الكفارة واجبة على الترتيب، وهي عتق رقبة مؤمنة، فإن عجز عنها صام شهرين متتابعين 70.
المكفر به في القرآن الكريم ثلاثة أنواع وهي ما يأتي:
أولًا: الكفارة بالعتق:
ذكر القرآن الكريم العتق في كفارة القتل واليمين والظهار:
1.كفارة العتق بالقتل.
قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ? وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ? فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ?92?) [النساء: 92] .
2.كفارة العتق باليمين.
قال سبحانه: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ? ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ? وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?89?) [المائدة: 89] .
3.كفارة العتق بالظهار.
قال جل وعلا: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) } [المجادلة:3 - 4] .
فيجب إعتاق رقبة مؤمنة في جميع الكفارات عند الجمهور، وأجاز أبو حنيفة إعتاق الرقبة الكافرة في جميع الكفارات إلا كفارة القتل فإن الله قيد الرقبة بالإيمان في كفارة القتل، ومذهب الجمهور: أن المطلق يحمل على المقيد، ولا يجوز إعتاق المرتد في الكفارات بالإجماع، ويشترط أن تكون الرقبة سليمة الرق حتى لو أعتق في الكفارة مكاتبا أو أم ولد أو عبدا اشتراه بشرط العتق أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه فكل هؤلاء لا يجزى في إعتاق الكفارة.
وجوز أصحاب الرأي عتق المكاتب في الكفارة إذا لم يؤد من نجوم الكتابة شيئًا، وجوزوا عتق القريب في الكفارة، ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل، فلا يجزى مقطوع اليد أو الرجل ولا الأعمى ولا الزمن ولا المجنون المطبق ويجوز عتق الأعور والأصم ومقطوع الأذنين والأنف؛ لأن هذه العيوب كلها لا تضر بالعمل، وعند أبي حنيفة كل عيب يفوت جنسا من المنفعة يمنع الجواز، فيجوز عتق مقطوع إحدى اليدين، ولا يجوز عتق مقطوع الأذنين في الكفارة 71.
وهي أغلظ الكفارات وهي قسمان:
الأولى: واجب حتم على القادر على العتق بملك الرقبة أو ثمنها، ككفارة قتل النفس خطأ، وكفارة الظهار.
والثانية: واجب مخير فيه وهو كفارة اليمين، فمن حلف يمينا وحنث فيها فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة كما قال الله تعالى، وحكمة التخيير ظاهرة 72.
واليوم وقد بطل الرق في العالم كله تقريبًا يجب على من وجب عليه عتق رقبة أن يتصدق بقيمتها إن وجد قيمتها فاضلة عن حاجته 73.
ثانيًا: الكفارة بالمال:
والمال في الكفارة قد يكون طعامًا أو كسوة، كما في كفارة الحنث في اليمين، أو إطعاما، كما في كفارة الظهار، أو صدقة أو نسك يذبح، كما في كفارة انتهاك محظور من محظورات الإحرام 74.
1.الإطعام في كفارة حلق الرأس للمحرم.
قال تعالى: (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى? يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ? فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ?) [البقرة: 196] .
وهو مطلق غير محدد وقد بينته السنة، من حديث كعب رضي الله عنه (إطعام ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما لكل مسكين) 75.
2.الإطعام في كفارة اليمين.
وقدره إطعام عشرة مساكين من وسط طعام الأهل.
قال سبحانه: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ? ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ? وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?89?) [المائدة: 89] .
3.الإطعام في كفارة الظهار.
ومقداره إطعام ستين مسكين.
قال جل جلاله: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ? ذَ?لِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ?3?فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ? فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ? ذَ?لِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ? وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?4?) [المجادلة:3 - 4] .
قال ابن قدامة: «وجملة الأمر، أن قدر الطعام في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين، أو نصف صاع من تمر أو شعير، وممن قال: مد بر، زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، حكاه عنهم الإمام أحمد، ورواه عنهم الأثرم، وعن عطاء، وسليمان ابن موسى، وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين مدًا من حنطة بالمد الأصغر، مد النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو هريرة: يطعم مدًا من أي الأنواع كان، وبهذا قال عطاء، والأوزاعي، والشافعي؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء، عن (أوس ابن أخي عبادة بن الصامت، أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه- يعني: المظاهر- خمسة عشر صاعا من شعير، إطعام ستين مسكينًا) 76.
وروى الأثرم بإسناده عن أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا، فقال: خذه وتصدق به) 77.
وإذا ثبت في المجامع بالخبر، ثبت في المظاهر بالقياس عليه، ولأنه إطعام واجب، فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج، كالفطرة وفدية الأذى، وقال مالك: لكل مسكين مدان من جميع الأنواع» 78.
4.الكسوة في كفارة اليمين.
والكسوة لا تدخل في غير كفارة اليمين حيث لم ينص عليها إلا في كفارة اليمين، ولا يجزئ في الكفارة أقل من كسوة عشرة مساكين.
قال سبحانه: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ? ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ? وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?89?) [المائدة: 89] 79.
5.الذبح في كفارة انتهاك محظور من محظورات الإحرام.
قال تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] .
النسك: جمع نسيكة وهي الذبيحة، أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة 80.
ثالثًا: الكفارة بالصيام:
وهي كفارة لانتهاك محظور من محظورات الحج، وكفارة للحنث في اليمين، والقتل الخطأ، والظهار كما يأتي 81.
1.الصوم في كفارة القتل، ومقداره شهران متتابعان.
قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ? وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ? فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ?92?) [النساء: 92] 82.
2.الصوم في كفارة الظهار، ومقداره شهران متتابعان.
قال سبحانه: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ? ذَ?لِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ? فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ? ذَ?لِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ? وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المجادلة:3 - 4] .
3.الصوم كفارة اليمين، ومقداره ثلاثة أيام.
وذلك بعد العجز عن إعتاق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم.
قال تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَ?كِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ? فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ? ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ? وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?89?) [المائدة: 89] .
4.الصوم في كفارة قتل الصيد وهو محرم.
قال عز من قائل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) } [المائدة: 95] .
ومقدار الصيام في هذه الكفارة مطلق غير مقيد، ولم يرد بتحديده وتعيينه نص شرعي، وبناء على هذا اختلفت أقوال أهل العلم في تقديره كما سبق في الكلام عن كفارة الصيد.
قال الشنقيطي: «واعلم أن ظاهر الآية الكريمة أنه يصوم عدل الطعام المذكور، ولو زاد الصيام عن شهرين أو ثلاثة، وقال بعض العلماء: لا يتجاوز صيام الجزاء شهرين، لأنهما أعلى الكفارات، واختاره ابن العربي، وله وجه من النظر، ولكن ظاهر الآية يخالفه» 83.
من الحكم والمقاصد التي تظهر في الكفارات ما يأتي:
أولًا: حكم ومقاصد كفارة العتق:
ومن مقاصد الشريعة الإسلامية حرصها على تعميم الحرية في الإسلام بكيفية منتظمة، فإن الله تعالى لما بعث رسوله بدين الإسلام كانت العبودية متفشية في البشر، وأقيمت عليها ثروات كثيرة.
وكانت أسبابها متكاثرة: وهي الأسر في الحروب، والتصيير في الديوان، والتخطف في الغارات، وبيع الآباء والأمهات أبناءهم، والرهائن في الخوف، والتداين، فأبطل الإسلام جميع أسبابها عدا الأسر، وأبقى الأسر لمصلحة تشجيع الإبطال، وتخويف أهل الدعارة من الخروج على المسلمين؛ لأن العربي ما كان يتقي شيئا من عواقب الحروب مثل الأسر.
ثم داوى تلك الجراح البشرية بإيجاد أسباب الحرية في مناسبات دينية جمة: منها واجبة، ومنها مندوب إليها، ومن الأسباب الواجبة الكفارات فقد أوجبه في كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار وكفارة اليمين وغير ذلك كما سبق ذكره، وأوجب سراية العتق، وأمر بالكتابة في قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] .
ورغب في الإعتاق ترغيبًا شديدًا 84.
ومن الحكمة في تحرير رقبة مؤمنة، جعل هذا التحرير بدلا من تعطيل حق الله في ذات القتيل، فإن القتيل عبد من عباد الله ويرجى من نسله من يقوم بعبادة الله وطاعة دينه، فلم يخل القاتل من أن يكون فوت بقتله هذا الوصف، وقد نبهت الشريعة بهذا على أن الحرية حياة، وأن العبودية موت فمن تسبب في موت نفس حية كان عليه السعي في إحياء نفس كالميتة وهي المستعبدة 85.
كما أن من الحكمة في تحرير الرقبة المؤمنة، هو تعويض لجماعة المؤمنين؛ لأنه بقتله لمؤمن قد نقص عدد المؤمنين، فكان الواجب أن يعوض ما نقص بعتق رقبة مؤمنة؛ لأن العتق إعطاء الحرية، والحرية كالحياة 86.
ثانيًا: حكم ومقاصد كفارة اليمين:
من حكم ومقاصد كفارة اليمين أن هذه الكفارة شرعت لمعنى خلقي، وهو صيانة الألسنة عن كثرة الأيمان وإخلافها، والتعرض للمهانة، قال تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) } [القلم: 10] .
وأيضًا لكيلا يتخذ المؤمنون يمين الله حاجزًا بينهم وبين فعل الخير إن حلفوا، وبدا الخير في غير ما حلفوا عليه، فشرع لهم تلك الكفارة تحلة لأيمانهم، كما جاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتها، وليكفر عن يمينه) 87 88.
ثالثًا: حكم ومقاصد كفارة الظهار:
ومن الحكم والمقاصد في كفارة الظهار أن هذه الكفارة شرعت علاجًا للأسرة، ولمنع الظلم عن المرأة، وهي كفارة من يحرم امرأته على نفسه، ويجعلها كإحدى محارمه من غير إرادة طلاق، وما كان لشريعة القرآن أن تترك المرأة المظلومة فريسة لكلمات ينطق بها اللسان إيذاء وظلمًا، ولا يترك المتكلم بها من غير عقاب لغوًا عابثًا، بل لا بد من رد الحق، وعقاب العابث، فكانت الكفارة.
وتثبت بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) } [المجادلة:3 - 4] .
كما أن هذه الكفارة فيها إقامة للحياة الزوجية على دعائم من المودة والأنس النفسي من غير إيحاش ولا إعنات؛ لأن النطق بهذه الكلمات وأشباهها يلقي بالجفوة في قلب الزوجة فلا تطمئن إلى زوجها، ولا إلى الحياة الزوجية الكريمة المتوادة؛ ولهذا كانت تلك الكفارة محافظة على هذه المعاني 89.
كما أن من الحكمة في الكفارات أنها زواجر عن مباشرة ما يوجبه، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) } [المجادلة: 3] .
{ذَلِكُمْ} إشارة إلى الحكم بالكفارة والخطاب للمؤمنين الموجودين عند النزول، أو لهم ولغيرهم من الأمة.
{تُوعَظُونَ بِهِ} أي: تزجرون به عن ارتكاب المنكر، فإن الغرامات مزاجر عن تعاطي الجنايات، والمراد بيان أن المقصود من شرع هذا الحكم ليس تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة الذي هو علم في استتباع الثواب العظيم، بل هو ردعكم وزجركم عن مباشرة ما يوجبه 90.
رابعًا: حكم ومقاصد كفارة القتل الخطأ:
ومن مقاصد الشريعة الإسلامية في كفارة القتل الخطأ الحفاظ على النفس البشرية، وتربية النفس على الاحتراز من الخطأ، والاحتياط له.
قال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) } [النساء: 92] .
وقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} أي: كامل العلم كامل الحكمة، ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ؛ لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك 91.
ومن حكمته أن وجبت على العاقلة في قتل الخطأ، بإجماع العلماء؛ لكون القاتل لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد، ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذرًا من تحميلهم ويخف عنهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين.
ومن حكمته أن أوجب الدية تطييبًا لقلوب أهل القتيل حتى لا تقع عداوة ولا بغضاء بينهم وبين القاتل، وتعويضًا عما يفوتهم من المنفعة بقتله، فإذا هم عفوا فقد طابت نفوسهم وانتفى المحذور وكانوا هم ذوي الفضل على القاتل، وقد سمى الله هذا العفو تصدقًا ترغيبًا فيه 92.
وفي الجملة فإن الكفارات كلها التي جاء بها القرآن فيها معنى العبادة، وفيها صلاح، وفيها تعاون اجتماعي إنساني 93.
تظهر آثار الكفارات في تقويم الفرد والمجتمع على النحو الآتي:
أولًا: أثر الكفارات على الفرد:
إن الكفارات لها أثر كبير في ارتباط العبد مع الله تعالى ومراقبته والخوف منه وخشيته في السر والعلانية، وهذه الكفارات تعمل على حماية الفرد من ارتكاب الجريمة والوقوع فيها؛ لأنه دائما يستشعر الجزاء والعقوبة من خلال هذه الكفارة، فتمنع الخوض في الأيمان بالله، وتحافظ على العلاقة الأسرية الحميمة، وتحفظ النفس البشرية، وتؤدى العبادات كما أمر الله تعالى بالقيام بها.
وقد أدرك الصحابة رضي الله عنهم هذا الأثر العظيم فكانوا يضعون كفارات تمنعهم من التقصير في الواجبات والإخلال فيها، فيذكر أن عمر رضي الله عنه خرج إلى ماله بثمغ ففاتته العصر فقدم المسلمون رجلا فصلى بهم، وأقبل عمر يريد الصلاة فتلقاه الناس راجعين فسألهم، مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: شغلتني ثم شغلتني، لا تكون لي في مال أبدا، أشهدكم أنها صدقة لله 94.
وقد ذكر الله تعالى هذا الأثر العظيم للكفارات.
قال تعالى في كفارة الظهار: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) } [المجادلة:3 - 4] .
فقوله تعالى: {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} أي: ذلكم الحكم، أو ذلكم التغليظ توعظون به؛ لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه، ومن آثار الكفارات: زيادة الإيمان وتقويته.