فهرس الكتاب

الصفحة 1487 من 2431

وهذا الحب من الأنصار لإخوانهم المهاجرين دافعه وجه الله تعالى، ومعرفتهم فضل الأخوة في الله، ومكانتها في الدين، فالأخوة في الله مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام، يقوم عليه الولاء والبراء، والحب والبغض.

وتجلت هذه الأخوة في أبهى صورها، وأجمل حللها، في تلك المواقف السمحة التي عامل بها الأنصار إخوانهم المهاجرين، وهذا التآخي لم يكن مجرد شعار للمزايدة، ودغدغة العواطف، والالتفاف حول المعاني السامية بالأكاذيب والتدليس والتلبيس، لكنه معنى خالط قلوبهم ومشاعرهم، ولحمهم ودمهم، برز ذلك في سلمهم وحربهم، وفقرهم وغناهم، مستضعفين وممكن لهم، أفرادًا وجماعات.

وهذا الأنموذج من الأخوة الصادقة حرص النبي صلى الله عليه وسلم عليه وأكده، وكان من أوائل الأمور التي قام بها بعد وصوله المدينة أن آخى بين المهاجرين والأنصار؛ ليذهب عن المسلمين المهاجرين وحشة الغربة، ويؤنسهم عن مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد بعضهم أزر بعض.

الإيثار من أعظم الصفات التي اتصف بها المجتمع الإسلامي؛ ولهذا يقول بعض المفكرين: بأن كلمة الإيثار يصعب ترجمتها إلى لغات أخرى، أي: ليس لها مرادف في اللغات الأخرى مرادف يؤدي معناها، ويحقق كل معانيها، وكأن هذه الخصلة هي من الخصال التي أتى بها هذا الدين الحنيف، وزكى غرسها، وحث عليها، ودعا إليها.

وأعظم الناس إيثارًا في التاريخ الإسلامي هم الأنصار، فقد جاءهم المهاجرون إلى المدينة وهم لا يملكون من أمر الدنيا شيئًا، قد تركوا أموالهم وما يملكون خلف ظهورهم، وأقبلوا على ما عند الله عز وجل، يرجون رحمته، ويخافون عذابه، فاستقبلهم الأنصار الذين تبوءوا الدار، وأكرموهم أيما إكرام، ولم يبخلوا عليهم بشيء من حطام الدنيا، بل قاسموهم الأموال والمتاع، وشاطروهم بيوتهم وأرضهم وأموالهم، بطيب نفس، وسلامة صدر، في صورة يعجز عن وصفها اللسان، ويضعف عن تعبيرها البيان، وقابل المهاجرون هذا الإيثار الرائع بحسن الخلق والتعفف.

وقد امتدح الله جل وعلا خلق الإيثار عند الأنصار، فقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .

ففي قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .

أي: إن من أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة لله تعالى مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها.

والمراد بقوله: {وَيُؤْثِرُونَ} [الحشر: 9] .

أي: الأنصار، والإيثار لغة: مصدر من قولهم: آثره عليه يؤثره إيثارًا، بمعنى: فضله وقدمه، والمآثر: ما يروى من مكارم الإنسان، وفي التنزيل: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا} [يوسف: 91] . وآثر أن يفعل كذا: فضل وقدم، وضده الأثرة من قولهم: استأثر بالشيء انفرد به، أو اختص به نفسه.

واصطلاحًا: قال القرطبي: «الإيثار: هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية؛ رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة» 39.

وفي قوله: {وَيُؤْثِرُونَ} [الحشر: 9] . مفعول الإيثار محذوف، والتقدير: ويؤثرونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم.

جاء في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا رجل يضيف هذه الليلة يرحمه الله) ، فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تدخريه شيئًا، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لقد عجب الله عز وجل، أو ضحك من فلان وفلانة) ، فأنزل الله عز وجل: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] 40.

وفي رواية في البخاري أيضًا: (ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما) ، فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] 41.

وجاء في سبب نزولها: أن رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي له رأس شاةٍ، فقال: إن أخي فلانًا وعياله أحوج إلى هذا، فبعث به إليه، فلم يزل يبعث به واحد إلى واحد، حتى تناولها سبعة أهل أبيات، حتى رجعت إلى أولئك، فنزلت هذه الآية.

وروي نحو هذه القصة عن أنس بن مالك قال: أهدي لبعض الصحابة رأس شاةٍ مشوي، وكان مجهودًا، فوجه به إلى جارٍ له فتناوله تسعة أنفس، ثم عاد إلى الأول، فنزلت هذه الآية 42.

وذكر ابن جزي في سبب نزولها قصة الفيء، فقال: «وروي أن سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم هذه القرى على المهاجرين دون الأنصار، قال للأنصار: (إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه) 43، فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا، ونترك لهم هذه الغنيمة، وروي أيضًا أن سببها أن رجلًا من الأنصار أضاف رجلًا» 44. وذكر القصة التي في البخاري.

وهذا ما رجحه الرازي، حيث قال: «وذكر المفسرون أنواعًا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام، وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرين بالفيء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات» 45.

قوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] . الخصاصة: هي الفقر 46.

والمعنى: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم، فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى، وعن المال، ولكنه عن حاجة وخصاصة، وهي: الفقر 47.

وهذا هو واقع الأنصار، فهم مع ما هم عليه من الخصاصة -وهي الفاقة والفقر-، ومع شدة احتياجهم وافتقارهم إلى ما في أيديهم، حيث أن المهاجرين كانوا أهل تجارة، وكانوا أهل ثراء في أوطانهم في مكة، بينما الأنصار كانوا في الحقيقة أهل زراعة، وما كانوا بالثراء الذي كان عليه أهل مكة؛ ولذلك عبر عنهم القرآن بهذا التعبير: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .

فلئن يقدم الإنسان حاجة غيره عليه وهو مستغنٍ عن تلك الحاجة فهذا لا يستغرب، ومع ذلك فإن الله تعالى قد أمر به في كتابه الكريم، حينما قال: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] .

أي: الزيادة، ما فضل عن نفقاتكم الضرورية اللازمة عليكم، لكن هذه المرتبة أعلى، وهي أن يجود الإنسان بما عنده لأخيه مع كونه محتاجًا إليه، شديد الاحتياج، شديد الرغبة فيه، فهذا المعنى هو الذي تتحدث عنه الآية.

وقوله: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .

قال الرازي: «واعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع، والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع، فلما كان الشح من صفات النفس لا جرم قال تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] » 48.

ووقاية شح النفس يشمل وقايتها الشح في جميع ما أمر به، فإنه إذا وقي العبد شح نفسه سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعًا منقادًا منشرحًا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه وإن كان محبوبًا للنفس، تدعو إليه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشح بالخير الذي هو أصل الشر ومادته.

فهذان الصنفان الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين.

ووصف الله من يتصف بهذه الصفة بقوله: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: الظافرون بما أرادوا، والمقصود بهم: الأنصار، ومن أتصف بهذه الصفات من غيرهم، والمفلحون: هم الفائزون بكل مطلوب، الناجون من كل مهروب، قال ابن كثير: أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح 49.

«والفلاح: اسم لسعادة الدارين، والجملة اعتراض وارد لمدح الأنصار والثناء عليهم، فإن الأوصاف المذكورة في حقهم، فلهم جلائل الصفات، ودقائق الأحوال. . .، قال السهروردي في العوارف: السخاء صفة غريزية في مقابلة الشح، والشح من لوازم صفة النفس، حكم الله بالفلاح لمن يوقى الشح، أي: لمن أنفق وبذل، والنبي عليه الصلاة والسلام نبه بقوله: (ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات) فجعل إحدى المهلكات (شحًا مطاعًا) 50 ولم يقل: مجرد الشح يكون مهلكًا، بل إنما يكون مهلكًا إذا كان مطاعًا، فأما كونه موجودًا في النفس غير مطاع لا ينكر ذلك؛ لأنه من لوازم النفس، مستمد من أصل جبلتها الترابي، وفي التراب قبض وإمساك، وليس ذلك بالعجب من الآدمي، وهو جبلي فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة» 51.

وهكذا يصور القرآن الكريم هذا الوضع غير المسبوق في أبلغ عبارة وأجزلها، وتظهر الآيات الكريمة صدق الأخوة بين المهاجرين والأنصار، لا تلوثه أطماع، ولا حب دنيا، ولا أثرة، ولا شح أو حرص، ولا حاجة إنما هو أخوة تدور بين سلامة الصدر والإيثار، ولا شك أن المرء يقف مبهورًا أمام هذه الصورة الرائعة من الأخوة المتينة، والإيثار المتبادل، الذي لا نشهد له مثيلًا في تواريخ الأمم السابقة.

ولقد كان دافع الأنصار لهذا الإيثار هو رغبتهم فيما عند الله، وحبهم لإخوانهم المهاجرين؛ ولهذا صدر الله هذه الصفات للأنصار في هذه الآية بأنهم يحبون من هاجر إليهم، فالمحبة هي باعث هذا الإيثار؛ ولذلك لا يمكن أن تتصور الإيثار دون أن تتصور المحبة بين الناس، المحبة التي تنشأ في القلوب، ثم يتبع هذه المحبة رغبة صادقة في أن ينال الخير أخاك؛ ولذلك فلا يجد الواحد منهم غضاضة في نفسه أن يقدم إخوانه في الخير الذي لديه.

وكيف لا يؤثر الأنصار وقد بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإيثار؟!

فقد جاء عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله) 52.

فالسمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره: لهم معه، ومع الأئمة بعده، والأثرة: عدم منازعة الأمر مع الأئمة بعده خاصة.

ولو ذهبنا نلتمس الأسباب وراء هذا الإخاء والحب والإيثار فلن نجد إلا مسبب الأسباب، وأن ذلك كان بفضل الله ورحمته، لا بصنع بشر وحكمته وسياسته، وصدق الله حيث قال: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63] .

فلم يلتق النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار إلا في سويعات تحت جنح الليل، واكتفى فيها بعرض الإسلام، وأخذ العهود والمواثيق، ولم يطل لقاؤه معهم قبل الهجرة حتى يكون هذا الذي فعلوه بسبب تربية النبي إياهم، وطول تعهده لهم كما فعل تجاه المهاجرين حتى كون منهم رجالًا، فلم يكن بين دخول الأنصار الإسلام وقيامهم بهذه المآثر إلا أقل من عام.

فالأنصار قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، لقد فتحوا للمهاجرين قلوبهم قبل أن يفتحوا لهم بيوتهم، ووسعوهم بصدورهم قبل أن يسعوهم بأموالهم، وتسابقوا إلى لقائهم وإكرامهم، وضربوا في باب الإيثار، وسخاء النفس، وكرم الطبع مثلًا عليا، لا تزال تذكرها لهم الأجيال المتعاقبة، بالإكبار والإعظام.

أثنى الله على الأنصار بسبب سلامة صدورهم رضي الله عنهم، فقال: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .

فقوله: {وَلَا يَجِدُونَ} [الحشر: 9] . الضمير في (يجدون) للأنصار، قال ابن العربي: «قال الخلق بأجمعهم: يريد بذلك الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طرد، ونصروه حين خذل، فلا مثل لهم، ولا لأجرهم» 53.

وقوله: {حَاجَةً} أي: حزازة وغيظًا وحسدًا، قال الشوكاني في فتح القدير: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} [الحشر: 9] . «أي: لا يجد الأنصار في صدورهم حسدًا وغيظًا وحزازةً» 54.

وفي الكلام مضاف محذوف: أي لا يجدون في صدورهم مس حاجة، أو أثر حاجة، وكل ما يجده الإنسان في صدره مما يحتاج إليه فهو حاجة 55.

وقوله: {مِمَّا أُوتُوا} أي: مما أعطوا، والضمير للمهاجرين، والمراد (فيما أوتوه) هو مال الفيء، حيث قسم النبي صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط من الأنصار غير ثلاثة نفر، كانت بهم حاجة، فطابت أنفس الأنصار بتلك القسمة، أو يكون المراد (فيما أوتوه) هو: الفضل والتقدم 56.

قال شيخ الإسلام في الفتاوى: «وبهذا أثنى الله تعالى على الأنصار، فقال: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] .

أي: مما أوتي إخوانهم المهاجرون، قال المفسرون: لا يجدون في صدورهم حاجة أي: حسدًا وغيظًا، مما أوتي المهاجرون، ثم قال بعضهم: من مال الفيء، وقيل: من الفضل والتقدم» 57.

يعني: لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره، ويحتمل أن يريد به: ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا إذا كان قليلًا، بل يقنعون به، ويرضون عنه، وقد كانوا على هذه الحال حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كانوا عليه بعد موته صلى الله عليه وسلم.

وقد أنذرهم النبي صلى الله عليه وسلم قائلًا: (سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض) 58 59.

فالأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما خصص به المهاجرون من الفيء، ولا يحسدونهم على ذلك، ولا يعترضون بقلوبهم على حكم الله بتخصيص المهاجرين حتى لو كانت بهم حاجة، أو اختلال أحوال 60.

وعلى هذا ففي الآية بيان حال الأنصار، وأنهم لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله، وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم، وانتفاء الغل والحقد والحسد عنهم.

ويدل ذلك أيضًا على أن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن الله قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، فدل على أن الله تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم؛ لأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة.

ثانيًا: أبرز أعمال الأنصار:

الأنصار: ما أجملها من كلمة! إنها كلمة تحمل معاني شريفة جليلة، اتصف بها قوم ضرب بهم المثل في الكمال الإنساني، إنها علمٌ على قوم عملوا أعمالًا استحقوا بها أن يكونوا من أنصار الرسول الكريم.

ومن أبرز هذه الأعمال:

لما هاجر المسلمون من مكة هجروا المحبوبات والمألوفات من الديار والأوطان والأحباب والخلان والأموال، وتجردوا من كل شيء إلا من الإيمان؛ رغبةً في الله، ونصرةً لدين الله، ومحبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوصلوا إلى أرضٍ جديدة، وواقعٍ مختلف، وكان من أثر هذه الرحلة نشوء عدد من المشكلات الجديدة، ليس أقلها: الشعور بالغربة، ومفارقة الأهل والديار، وترك معظم الأموال والممتلكات في مكة، وطبيعة الوضع المعيشي والاقتصادي الجديد، أضف إلى ذلك الآثار الصحية والبدنية التي أحدثها الانتقال المفاجئ إلى بيئةٍ أخرى؛ مما أدى إلى ظهور الأمراض في صفوفهم كالحمى وغيرها، كل هذا ترك في أنفسهم وحشة وغربة، حتى أصبح وضعهم يحتاج إلى حل عاجل وسريع.

فترجم الأنصار ما تعاقدوا عليه من أقوال في البيعتين إلى جملة أفعال، حيث فتح الأنصار أبواب بيوتهم وقلوبهم، واستعدوا لاحتضان من جاءهم مهاجرًا تحت ظاهرة عظيمة من التكافل الاجتماعي، فحوى المسكن الواحد تحت سقفه الأنصاري والمهاجر، وهم يتقاسمون كل شيء المسكن والمال والطعام.

فلم يعرف تاريخ البشرية حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلي الإيواء، واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة؛ لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين، وهم لا يجدون في أنفسهم شيئًا من حسد، أو ضيق من هذا، والإيثار على النفس مع الحاجة قيمة عليا، وقد بلغ بها الأنصار مبلغًا لم تشهد له البشرية نظيرًا.

وهنا ظهر دور الأنصار الذين أبدوا من التضحية وضروب الإيثار ما استحق التخليد في كتاب الله.

قال الله تعالى عنهم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 72] .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 74] .

فجمع الله تعالى في هاتين الآيتين الذين كانوا دعامة الإسلام، وعليهم هدى الرسول قام بنيانه، وشيدت أركانه، وهم المهاجرون والأنصار، فالمهاجرون ابتدأ بهم تكوين الجماعات الأولى التي صبرت وصابرت، وتلقت الصدمة الأولى من المشركين.

والأنصار وهم الذين آووا ونصروا، وأعزوا كلمة التوحيد، وأغلوها وأعلوها، فإذا كان المهاجرون هم الذين أظلوا شجرة الإسلام ابتداءً، فالأنصار هم الذين حموا ثمرتها، وقامت دولة الإسلام في أرضهم وحراستهم، وإذا كان المهاجرون قد لاقوا العنت في مكة فقد لقوا الإيواء في المدينة.

وإذا كانوا هم دعامة الإسلام فالأنصار دولته، وفي رحابهم قامت المدينة الفاضلة التي أقامها محمد صلى الله عليه وسلم في ديارهم، وإذا كان المهاجرون قد جاهدوا ابتداءً بالصبر والمصابرة، فقد كان جهادهم في المدينة مع إخوانهم الأنصار بذلك وبالقتال في المدينة، والفريقان اختارهم الله للتأليف حتى تكونت منهم أطهر جماعة رأتها الإنسانية وأقواها.

فبعد أن ذكر الله تعالى هنا في الآيتين الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، عقب بذكر الأنصار، وهم الذين آووا ونصروا.

فقال: {وَالَّذِينَ آوَوْا} [الأنفال: 74] . المراد: بهم الأنصار، أي: وطنوا المهاجرين، وأنزلوهم منازلهم، وبذلوا إليهم أموالهم، وآثروهم على أنفسهم، ونصروهم على أعدائهم 61.

فإذا كانوا قد نقصوا عن إخوانهم -المهاجرين- فضل الهجرة، فقد عوضوا عن ذلك بفضل الإيواء والنصرة 62.

حيث استقبل الأنصار المهاجرين، فشاطروهم المال والديار؛ بكرم وسخاء، وضربوا مثلًا رائعًا في التكافل، وبناء الجماعة المسلمة، وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوءوا دار الهجرة والإيمان، حتى صارت موئلًا ومرجعًا يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه المسلمون؛ إذ كانت البلدان كلها بلدان حرب وشرك وشر.

فلم يزل أنصار الدين يأوون إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام وقوي، وجعل يزيد شيئًا فشيئًا، وينمو قليلًا قليلًا، حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان والقرآن، والبلدان بالسيف والسنان.

وقوله في الآية: {وَنَصَرُوا} أي: نصروا الرسول وأصحابه على أعدائهم الكفار، وما سموا بالأنصار إلا لذلك؛ ولقد قال حسان رضي الله عنه في مدح الأنصار أنهم ما سموا أنصارًا إلا لنصرتهم الدين 63:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت