وفي ختمه تعالى الآية بقوله: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} تلميح يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل، فليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه، وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد، وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها- ويقودها - اليهود، لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين.! 82.
وفي مضمون هذه الآية دلالة على أن أسباب العداوة والصراع بين أهل الكتاب والمسلمين في أصلها دينية.
هكذا يكشف القرآن الكريم عن مشاعر أهل الكتاب الذين كفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونواياهم الخبيثة تجاه المسلمين، إنها مشاعر الكراهية والحسد وتمني الشر، كما تحدث القرآن الكريم عن هذه المشاعر في آيات أخرى، قال تعالى: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) } [آل عمران: 69] .
قال ابن كثير: «يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين وبغيهم إياهم الإضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم، وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم» 83، إنهم يتمنون أن يضل المسلمون، ولكن هيهات أن يكون ذلك لهم، فمن خالطت بشاشة الإيمان قلبه لا يتركه أبدًا، ومن أبصر النور لا يعود إلى الظلام، أما أولئك من أهل الكتاب فإنهم {وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ} ؛ لأنهم بسعيهم في إضلال المسلمين يزدادون ضلالًا وعذابًا 84، وينشغلون بذلك الإضلال عن النظر في طرق الهداية، ودلائل الحق 85.
«لقد اتخذوا الضلال مركبًا، والزور طريقًا، والجدل سلاحًا، في تلك المعركة التي اشتبكوا فيها مع الإسلام والمسلمين، إنهم قد خسروا أنفسهم من أول الطريق، إذ كانوا على ضلال وفي ضلال، فإن كسبوا المعركة واستطاعوا أن يضلوا غيرهم، فحسبهم من الغنيمة أنهم خسروا معها أنفسهم مرتين، مرة قبل المعركة ومرة بعدها!» 86، {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي: ومع كون هذا حالهم فإنهم لا يفطنون له، ولا يشعرون أنهم يضرون أنفسهم ويهلكونها قبل كل شيء.
3.تمني كثير منهم ردة المسلمين عن دينهم:
قال تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) } [البقرة: 109] .
فأخبر تعالى أن كثيرًا من أهل الكتاب يتمنى ردة المسلمين، وأن السبب الحامل لهم على ذلك إنما هو الحسد، وأنهم ما صدر منهم ذلك إلا بعد معرفتهم الحق 87.
قال ابن كثير في تفسير الآية: «يحذر تعالى عباده المؤمنين من سلوك طرائق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم. ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح» 88.
4.تولي الكافرين ومظاهرتهم على المسلمين:
قال تعالى: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) } [المائدة: 80 - 81] .
قال صاحب المنار: «أي: ترى أيها الرسول، كثيرًا من بني إسرائيل يتولون الذين كفروا، من مشركي قومك، ويحرضونهم على قتالك، وأنت تؤمن بالله، وبما أنزل على أنبيائهم، وتشهد لهم بالرسالة، وأولئك المشركون لا يوحدون الله تعالى ولا يؤمنون بكتبه، ولا برسله مثلك، فكيف يتولونهم، ويحالفونهم عليك، لولا اتباع أهوائهم، وسخط الله عليهم؟
{لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} هذا ذم مؤكد بالقسم لعمل اليهود الذي قدمته لهم أنفسهم؛ ليلقوا الله تعالى به في الآخرة، وما هو إلا العمل القبيح الذي أوجب سخط الله عليهم ...
{وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} فهو محيط بهم، لا يجدون عنه مصرفًا ...
{وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ} أي: ولو كان أولئك اليهود الذين يتولون الكافرين من مشركي العرب يؤمنون بالله والنبي محمد صلى الله عليه وسلم أو النبي الذي يدعون اتباعه، وهو موسى صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إليه من الهدى والفرقان، لما اتخذوا أولئك الكافرين من عبدة الأصنام أولياء لهم وأنصارًا؛ ... فهذه الولاية بين اليهود والمشركين لم يكن لها علة إلا اتفاق الفريقين على الكفر بالله ورسوله وكتابه والتعاون على حرب الرسول وإبطال دعوته، والتنكيل بمن آمن به» 89.
ثانيًا: موقف المودة من المؤمنين:
وأما الموقف الثاني من بعض أهل الكتاب: فهو موقف المودة والمحبة، وهو موقف بعض النصارى الذين بقوا على شيء من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام لهم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم مصدقًا لما معهم من الحق آمنوا به.
قال تعالى:، {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) } [المائدة: 82 - 83] .
عن قتادة قال: «أناس من أهل الكتاب كانوا على شريعةٍ من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام، يؤمنون به وينتهون إليه. فلما بعث الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، صدقوا به وآمنوا به، وعرفوا الذي جاء به أنه الحق، فأثنى عليهم ما تسمعون» 90، وعليه فالمراد في الآية: الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب، ولا شك أن المؤمنين من أهل الكتاب من النصارى أكثر من اليهود، فإن المؤمنين من اليهود قليل، وذلك لما في اليهود من أدواء الحسد والكذب وكثرة المراء والجدال في الحق، أما النصارى ففيهم رأفة ورحمة ومنهم قسيسون ورهبان، قال ابن كثير: «قوله: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} ، أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم؛ إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد: 27] .
وفي كتابهم: (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر) . وليس القتال مشروعًا في ملتهم؛ ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} أي: يوجد فيهم القسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم ... والرهبان: جمع راهب، وهو العابد. مشتق من الرهبة، وهي الخوف» 91، «والعلم مع الزهد وكذلك العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه ما فيه من الجفاء والغلظة، فلذلك لا يوجد فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين» 92.
وخصت الآية النصارى بالذكر لكثرة المؤمنين منهم، وقد وجد الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة - رضي الله تعالى عنهم - من النجاشي ملك الحبشة - وكان نصرانيًا قبل أن يسلم - المعاملة الحسنة والإيواء الحسن، ولما مات النجاشي، قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه -كما في رواية جابر رضي الله عنه عنه-: (مات اليوم رجل صالح، فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة) 93، وهو بخلاف ما وجد النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه من اليهود في المدينة من التآمر والكيد لدعوته، ومن محاولات الاغتيال لشخصه الشريفة صلوات الله وسلامه عليه.
وقد ذكر تعالى لهم صفة الخشوع والبكاء عند سماع القرآن، وهذا الانفعال والتأثر كثيرًا ما يذكره تعالى عنهم وعن أمثالهم من مؤمني أهل الكتاب، كما في قوله تعالى:، {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء: 107 - 109] .
وقوله: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) } [آل عمران: 199] .
وهو مما يدل على ظهور هذه الصفة منهم، وفي تخصيص هذه الصفة بالذكر مع صفة التواضع {لَا يَسْتَكْبِرُونَ} تعريض بغيرهم من أهل الكتاب الذين لا يحرك فيهم كلام الله ساكنًا، ولا يتأثر لهم قلب، ولا تدمع لهم عين.
وإذا كانت الآية قد صرحت بأن أقرب الناس مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى، فليس المراد من الآية عموم النصارى، وذلك لأن من النصارى من يشاركون اليهود في عداوتهم للمؤمنين، وإن كان اليهود أشد منهم عداوة، وقد بين تعالى عداوة اليهود والنصارى معًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) } [المائدة: 51] .
قال ابن كثير: «ينهى تعالى عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى، الذين هم أعداء الإسلام وأهله، قاتلهم الله، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك فقال: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} » 94.
والواقع التاريخي شاهد على هذه العداوة بلا ريب أو شك، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم في غزو الروم - وهم نصارى - في مؤتة من أرض الشام، كما غزاهم بنفسه في تبوك، ومعارك المسلمين مع الصليبين في مشهورة معلومة.
لقد بات معلومًا لكل باحث ومنصف ما وصل إليه الحال بأهل الكتاب من الانحراف الكبير في الدين، ومن الانتكاس العظيم للفطرة، لقد انحرف أهل الكتاب في أصول الدين قبل فروعه، ولقد انحرف علماؤهم قبل عامتهم، انحرف أهل الكتاب في أصل الدين وهو التوحيد الخالص، فنسبوا لله الولد، وقالوا: ثالث ثلاثة، وقالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وانحرف علماء أهل الكتاب فغيروا وبدلوا في كتبهم ودينهم، وأكلوا أموال الناس بالباطل، وداهنوا ملوك الأرض على حساب دينهم وعقيدتهم.
ولقد بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب جملة وتفصيلًا، وبين أخطاءهم وضلالاتهم، ورد عليها، وصححها، وذلك ليرجع أهل الكتاب عن غيهم وضلالهم، ويعلموا الحق في تلك الأمور، ولا يغتروا هم بما هم عليه مما ظاهره التدين بدين أو بالانتساب للأنبياء عليهم السلام، ولذلك نجد من أسلوب القرآن الكريم في رده على أهل الكتاب أنه يبين باستمرار براءة جميع الأنبياء مما هم عليه من الباطل، ومما ينسبونه إليهم منه.
كما أن في تبيين القرآن الكريم انحرافات أهل الكتاب وأسبابها ونتائجها: تحذيرًا لهذه الأمة المحمدية من الوقوع فيها، ومن سلوك سبيل أهل الكتاب في الانحراف والخروج عن دين الله تعالى، نسأل الله العافية.
وسنتحدث عن بعض هذه الانحرافات:
أولًا: نسبة الولد لله سبحانه والتطاول على الذات الإلهية.
بين القرآن الكريم انحراف أهل الكتاب في أصل الدين وهو التوحيد، ورد عليهم ذلك في عدة مواضع منه، كقوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) } [المائدة: 72 - 75] .
وقوله: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) } [المائدة: 116] .
وقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } [التوبة: 30 - 31] .
وقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) } [المائدة: 64] . وغير ذلك من الآيات وهي كثيرة.
وبالنظرة الإجمالية في هذه الآيات نلحظ ما يلي:
بينت الآيات الكريمة انحراف أهل الكتاب في أصل التوحيد واختلافهم في ذلك، فمنهم: من يعتقد أن الله هو المسيح ابن مريم، ومنهم من يقول: هو ابن الله، ومنهم: من يقول: هو ثالث ثلاثة، أي: الله وعيسى وأمه 95، أو الله وعيسى وروح القدس، وهو قول المتأخرين منهم، ومنهم: نصارى هذا الزمان.
قال صاحب المنار: «وأما النصارى المتأخرون فالذي نعرفه منهم وعنهم أنهم يقولون بالثلاثة الأقانيم، وبأن كل واحد منها عين الآخر، فالأب عين الابن، وعين روح القدس، ولما كان المسيح هو الابن كان عين الأب وروح القدس أيضًا» 96.
ومنهم: من يتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله، وكل هذه الأقوال كفر بالله تعالى، وجهل بدينه وشرعه، وعدم تفريق بين الخالق والمخلوق، والرب والمربوب، وهي من جنس أقوال الوثنيين من عبدة الأصنام والبشر والحجر، ومأخوذة عنهم 97.
بدأ تعالى الآية الأولى من سورة المائدة بقوله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا} وهو إعلان واضح بكفر النصارى فيما قالوه من أقوال قبيحة ضالة، وتنبيه لهم على خطورة الأمر، وأن القائلين هذا القول يخرجون به من الدين من أوسع أبوابه، وإن ادعوا أنهم أهل كتاب، أي: يا من تقولون هذا القول قد كفرتم، وأكد تعالى هذا الإعلان بلام القسم في {لَقَدْ} ، وبـ (قد) التوكيدية، «أي: أقسم لقد كفر أولئك النصارى الذين قالوا كذبًا وزورًا: إن الله المستحق للعبادة والخضوع هو المسيح ابن مريم» 98.
بين القرآن الكريم في رده على أهل الكتاب، أن المسيح عيسى عليه السلام بريء من عبادتهم له، ومن أقوالهم، وما نسبوه إليه، وأنه كغيره من الرسل إنما أمر بعبادة الله تعالى، وبالتوحيد وبين أنه لا يدخل أحد الجنة ابتداءً إلا به، ونهاهم عن الشرك وبين أنه الذي يلقي بصاحبه في النار.
تخلل رد القرآن الكريم على أهل الكتاب أمرهم بالتوبة مما هم عليه من الباطل، وتحذيرهم من الاستمرار عليه.
قال تعالى: {وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 73 - 74] .
واللام في {لَيَمَسَّنَّ} للقسم 99، «وعبر بالمس للإشارة إلى شدة ما يصيبهم من آلام؛ لأن المراد أن هذا العذاب الأليم يصيب جلدهم وهو موضع الإحساس فيهم إصابة مستمرة.
كما قال تعالى في آية أخرى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ} [النساء: 56] » 100.
والهمزة في قوله تعالى: {أَفَلَا يَتُوبُونَ} للاستفهام التعجبي الإنكاري 101.
وفي الآية حث منه تعالى لهم على التوبة من أقوالهم الباطلة، وصدر تعالى دعوتهم إلى ذلك بالعرض الذي هو غاية في اللطف واللين.
ثم قال: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان السماء 102.
قال ابن كثير: «وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه، مع هذا الذنب العظيم وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه» 103.
بين القرآن الكريم بعد رده على أهل الكتاب باطلهم، حقيقة المسيح وأمه، والحق في ذلك، وأن المسيح رسول من عند الله، وأمه مريم من الصديقين الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء 104.