فهرس الكتاب

الصفحة 303 من 2431

ثانيًا: الغلبة: كما في قول الله عز وجل: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة:56] .

قال الطبري: «وهذا إعلامٌ من الله -تعالى ذكره- عباده جميعًا الذين تبرؤوا من حلف اليهود وخلعوهم رضًا بولاية الله ورسوله والمؤمنين، والذين تمسكوا بحلفهم، وخافوا دوائر السوء تدور عليهم، فسارعوا إلى موالاتهم أن من وثق بالله وتولى الله ورسوله والمؤمنين، ومن كان على مثل حاله من أولياء الله من المؤمنين، لهم الغلبة والدوائر والدولة على من عاداهم وحادهم؛ لأنهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، دون حزب الشيطان» 62.

ثالثًا: الفلاح في الدنيا والآخرة: كما في قوله عز وجل: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22] .

والمعنى: لا تجد قومًا يجمعون بين الإيمان بالله عز وجل واليوم الآخر، وبين مودة أعداء الله تعالى ورسله، فلا يجتمع هذان ولا يتحققان.

وفي هذا التوصية بمجانبة أعداء الله عز وجل ومباعدتهم، والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم حتى ولو كان آباء الموادين، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، فإن قضية الإيمان تستلزم هجر المحادين حتى ولو كانوا أقرباءهم، فأولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله، أثبت الله تعالى في قلوبهم الإيمان، وقواهم بنصرٍ منه على عدوهم في الدنيا، وسمى نصره لهم روحًا؛ لأن به يحيا أمرهم، وليس هذا فقط؛ بل يدخلهم يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها إلى الأبد.

فرضي الله تعالى عنهم، وقبل أعمالهم، وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة، كما أنهم رضوا عن الله عز وجل، ففرحوا بما أعطاهم عاجلًا وآجلًا، فأولئك حزب الله تعالى وجنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وينصرون أولياءه، ألا إن حزب الله تعالى هم الفائزون بسعادة الدارين الدنيا والآخرة، وهم الكاملون في الفلاح 63.

وهكذا تتجلى آثار ولاية المؤمنين لبعضهم البعض في الدنيا والآخرة.

ثالثًا: ولاية المؤمنين للكافرين والظالمين:

لقد حذر الله تعالى المؤمنين وتوعدهم على سبيل التهديد من اتخاذهم الكافرين والظالمين أولياء من دون المؤمنين، وبينَّا سابقًا أن الولاية الحقة قد حصرها الله تعالى في ولاية المؤمنين لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين أمثالهم، فتترتب على ولاية المؤمنين للكافرين والظالمين جملة من الآثار، ومنها:

أولًا: براءة الله تعالى منه: يقول الله عزَّ وجلَّ: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران:28] .

والمعنى أنَّ الله تعالى ينهى المؤمنين أن يتخذوا الكفار أعوانًا وأنصارًا يوالونهم على دينهم، ويظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، ويدلونهم على عوراتهم وأسرارهم، وتوعد الله تعالى أن من يفعل ذلك فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، حيث ارتد عن دينه، ودخل في الكفر.

ثم استثنى من هذا الأمر حالة واحدة، وهي إذا كان المؤمنون تحت سلطان الكافرين، وكانوا في حالة ضعف يخافونهم على أنفسهم، فحينئذٍ يظهرون لهم الولاية باللسان فقط، ويضمرون لهم العداوة، فلا يعينونهم على مسلم، ولا يشايعونهم على ما هم عليه من كفر 64.

ثانيًا: وقوعهم في دائرة الكفر: حيث يقول جلَّ جلاله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51] .

والمعنى أن الله تعالى ينهى المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، بحيث يعاملونهم معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة، وعلل الله تعالى هذا النهي بأن هؤلاء اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، فكيف تتخذونهم أولياء؟

فبعض اليهود أولياء البعض الآخر منهم، وكذلك بعض النصارى أولياء البعض الآخر منهم، فهم يتعاضدون فيما بينهم، ويتناصرون على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم وعداوة القرآن الذي جاء به من عند الله تعالى، ووجه تعليل هذا النهي أن هذه الموالاة هي شأن الكفار لا شأن المؤمنين، فلا يفعلوا ما هو من فعلهم، فيكونوا أمثالهم؛ لذلك عقب الله تعالى هذه الجملة التعليلية بما هو كالنتيجة لها فتوعدهم وعيدًا شديدًا أن من يتولاهم منكم، فإنه من جملتهم وفي عدادهم.

ثم علل الله تعالى ذلك بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي: إن وقوع المؤمنين في الكفر إذا والوا الكفار هو بسبب عدم هداية الله تعالى لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر 65.

يقول السعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: «يرشد تعالى عباده المؤمنين حين بين لهم أحوال اليهود والنصارى وصفاتهم غير الحسنة، أن لا يتخذوهم أولياء. فإن بعضهم أولياء بعضٍ يتناصرون فيما بينهم ويكونون يدًا على من سواهم، فأنتم لا تتخذوهم أولياء، فإنهم الأعداء على الحقيقة ولا يبالون بضركم؛ بل لا يدخرون من مجهودهم شيئًا على إضلالكم، فلا يتولاهم إلا من هو مثلهم.

ولهذا قال: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} لأن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئا فشيئًا، حتى يكون العبد منهم. {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي: الذين وَصْفُهُم الظلم، وإليه يرجعون، وعليه يعولون، فلو جئتهم بكل آية ما تبعوك، ولا انقادوا لك» 66.

ثالثًا: الحكم عليهم بالضلال: كما في قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة:1 - 2] .

وكان سبب نزول هاتين الآيتين متمثلًا في قصة حاطب بن أبي بلتعة، وهو رجل من المهاجرين، وشهد غزوة بدر، وكان له في مكة مال وأولاد، ولم يكن حاطب من قريش نفسها؛ بل كان حليفًا لعثمان، فلمَّا عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على فتح مكة بعدما نقضت قريش صلح الحديبية، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتجهيز الغزو، واستعان على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم عم عليهم خبرنا) .

فذهب حاطب وكتب كتابًا إلى قريش يعلمهم بما عزم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، وفعل ذلك؛ ليتخذ به عندهم يدًا، فأطلع الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وهذا من باب استجابة الله تعالى لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم السابق.

فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا ابن أبي طالب والزبير والمقداد في طلب المرأة وأخذ الكتاب منها، حتى وصلوا إلى روضة خاخ، فوجدوها وأمروها بإخراج الكتاب، فنفت وجوده معها، فهددوها إما أن تخرج الكتاب، وإما أن ينزعوا الثياب ليخرجوه بأنفسهم، فأخرجت الكتاب من عقاصها، وأتوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم حاطبًا وسأله عن سبب ما فعل، فأجاب: لا تعجل عليَّ، إني كنت امرءًا ملصقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني من ذلك النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام.

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنه صدقكم) واستأذن عمر بن الخطاب من النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب عنقه، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقال: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فأنزل الله تعالى الآيتين 67.

والمعنى أن الله تعالى ينهى المؤمنين عن اتخاذ المشركين والكفار الذين هم محاربون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، فهم الذين شرع الله تعالى عداوتهم ومجانبتهم، ونهى أن يُتَّخَذُوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، فهم قد أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بين أظهرهم؛ لما كرهوا منهم ما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله عز وجل وحده، فلم يكن لكم ذنب عندهم إلا أنكم مؤمنون بالله رب العالمين، فإن كنتم خرجتم جهادًا في سبيل الله تعالى تبتغون مرضاتي، فلا توالوهم، فهم أعدائي وأعداؤكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم؛ حنقًا عليكم، وسخطًا لدينكم، فإن أسررتم لهم بالمودة، فأنا أعلم بالسرائر والضمائر والظواهر، ومن يفعل ذلك فقد ضل الطريق المستقيم.

ولو قدر عليكم هؤلاء الكفار المشركون لما اتقوا منكم أذى ينالونكم به من القول والفعل، كما أنهم يحرصون على ألا تنالوا خيرًا، فعداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون أمثال هؤلاء، ولا يخفى ما في هذا من تهييج للمؤمنين على عداوة الكافرين 68.

وخلاصة القول: أن من يوالي الكفار من المؤمنين دون عذر فهو منهم، وقد ارتد عن دينه، ورضي بالكفر بعد الإسلام، وقد ضل سواء السبيل، وقد ظلم نفسه بفعله هذا مما يعرضها لعقاب الله عز وجل في الدنيا والآخرة.

يتطلب الحديث عن ولاية الشيطان توضيح صفات أولياء الشيطان، ومن ثم توضيح آثار هذه الولاية على أصحابها، وبيان ذلك كما يأتي:

أولًا: صفات أولياء الشيطان:

إن أولياء الشيطان قد اتصفوا بصفات سبغت عليهم نتيجة ولايتهم للشيطان، حيث أكسبهم الشيطان هذه الصفات كي يقوموا بمهمتهم في مساعدته في إغواء الخلق، وقد تحدث القرآن الكريم عن تلك الصفات، فهي متمثلة فيما يأتي:

1.الشرك وعدم الإيمان.

يقول الله عز وجل: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ? إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ? إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ?27?) [الأعراف:27] .

ففي هذه الآية يحذر الله تعالى بني آدم أن يفعل بهم الشيطان كما فعل بأبيهم آدم عليه السلام، حين زين له المعصية، ودعاه إليها، ورغبه فيها، ومن ثم كانت النتيجة أن انقاد له، فأنزل آدم وحواء من مكانهما العالي المرموق، فكما فعل بأبيهم ما فعل، كذلك يريد أن يفعل ببنيه، وهو لا يألو جهدًا عنهم حتى يفتنهم عن دينهم إن استطاع، فعلى جميع المؤمنين أخذ الحذر منه، ولا يغفلوا عن المداخل التي يدخل منها الشيطان إليهم، فإن الشيطان يراقبهم على الدوام، ويراهم هو وقبيله من شياطين الجن من حيث لا يرونهم، فالله عز وجل جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون، فعدم الإيمان موجب لعقد الولاية بين الإنسان والشيطان 69.

أما المؤمنون فقد أخبر الله تعالى أنه لم يجعل للشيطان عليهم سلطانًا ولا سبيلًا، حيث قال جل جلاله: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?99?إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ?100?) [النحل:99 - 100] .

فالمشركون الذين يتصفون بالشرك وعدم الإيمان هم أولياء الشيطان.

2.الاغترار بالباطل.

تعد هذه الصفة مهمة في طريق اتباع الشيطان، ويكسبها الشيطان لأوليائه حتى يغويهم به، فالشيطان لا يحارب أهل الحق وحده؛ بل يحتاج إلى أتباع ومعاونين ومناصرين، ولا بد أن يكون هؤلاء الأتباع بعيدين كل البعد عن الحق والإيمان، ولا يتأتى هذا البعد إلا بزيادة اغترارهم بالباطل الذي هم عليه، فلا يرون الحق إلا فيما هم عليه، وغيره لا يكون صوابًا، فيدخل الشيطان إلى نفوس أتباعه من مدخل يتميز بضعفهم فيه، ألا هو حب الذات والظهور، فيبدأ الشيطان بالوسوسة لأتباعه، ويوحي إليهم أنه على حق، وأنهم هم الأقوى، وأن عليهم الآن محاربة المؤمنين بكل ما يتصفون به من كبر وغرور 70.

ويؤكد هذا الأمر قول الله عز وجل: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ? وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) [النساء:120] .

ولقد بين الله تعالى هذه الصفة للشيطان وأتباعه المتصفين بالغرور بما هم عليه من باطل، حيث قال:(إِنَّمَا ذَ?لِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?175? [آل عمران:175] .

أي: يخوفهم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وشدة 71.

والمعنى: أيها المؤمنون، إنما الذي خوفكم بجموع عدوكم ومسيرهم إليكم هو الشيطان، فهو يخوفكم بأوليائه من المشركين؛ وذلك لترهبوهم، وتخافوهم، فنهاهم الله عز وجل عن خوف المشركين الذين هم أولياء الشيطان، وألا يعظم عليهم أمرهم، ولا يرهبوا جمعهم مع طاعتهم لله تعالى، واتباعهم أمره، فإنه جل جلاله متكفل للمؤمنين بالنصر والظفر، ثم وجههم إلى أن يكون هذا الخوف من الله -تعالى وحده-، فلا يعصوه ويخالفوا أمره إن كانوا مصدقين للرسول صلى الله عليه وسلم، وما جاءهم به من عند الله عز وجل 72.

وعليه فإن الشيطان يجعل أولياءه مغترين بالباطل الذي هم عليه، فيعظم صورة أوليائه في نظر المؤمنين، ويستعمل هؤلاء الأتباع والأولياء لتخويف المؤمنين.

3.الخوف من الشيطان.

إذا كان الشيطان قد أغرى حب الذات والظهور في أوليائه، وهو من أشعل فيهم الكبر والغرور، وسخرهم الشيطان للحرب على الحق وأهله، فإن هؤلاء الأولياء يصبحون ضعفاء أمام سيدهم الشيطان فيخافون منه، وينفذون أوامره، ولا يعصون منها شيئًا.

يقول الله عز وجل: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?99?إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ?100?) [النحل:99 - 100] .

والمعنى: أن الله تعالى يخاطب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من بعده أنه إذا أراد الشروع في قراءة القرآن الكريم أن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، ومن وساوسه، فإن الشيطان ليس له تسلط على إغواء المؤمنين المتوكلين على ربهم حيث يفوضون أمرهم إليه في كل قول وفعل.

وعليه فإن الإيمان بالله عز وجل والتوكل عليه يمنعان الشيطان من وسوسته لهم، وإن وسوس لأحد منهم، فإن وسوسته لا تؤثر فيهم، فهم الذين قال فيهم إبليس: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [الحجر:40] .

وقال الله تعالى فيهم: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ?42?) [الحجر:42] .

ثم حصر الله عز وجل تسلط الشيطان على الإغواء على الذين يتخذونه وليًّا حيث يطيعونه في وساوسه، كما أنهم مشركون بالله تعالى، أو أنهم مشركون بالله بسبب وسوسة الشيطان لهم 73.

4.الجدال بالباطل.

إن الحق والباطل في سجال شديد إلى يوم الدين، فكما أن الحق يحتاج إلى أعوان ليظهر وينتصر، فكذلك الباطل يحتاج إلى أعوان ونصراء ليواجه به الحق وأهله، فيواجهونهم به مرة، ويكيدون لهم مرة أخرى، فيزينون لهم الباطل، وهذا السجال من أهل الباطل الذين هم أولياء الشيطان يحتاج إلى جدال، فيقول الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} [الحج:3] .

والمعنى: أنه يوجد من الناس من يخاصم ويجادل في دين الله تعالى بغير حجة ولا علم، ويتمرد على الله عز وجل. وقد بين الله تعالى أن ما يقوله هؤلاء الأولياء من جدال، وما يفعلونه من عداء للحق وأهله، إنما هو وحي من الشيطان إليهم، فيقول الله عز وجل: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام:121] .

روى أبو داود في سبب نزول هذه الآية أن اليهود جاءؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟! فأنزل الله تعالى هذه الآية 74.

والمعنى: أن الأكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه فسق ومعصية، وإن الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا أهل الحق بغير علم، ومعلومٌ أن المجادلة هي دف القول على طريق الحجة بالقوة.

وإن أطعتموهم أيها المؤمنون في تحليل ما لم يذكر اسم الله تعالى عليه فإنكم مشركون بالله جل جلاله 75.

يقول السعدي رحمه الله: «فإن المشركين -حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتة، وتحليله للمذكاة، وكانوا يستحلون أكل الميتة قالوا معاندةً لله ورسوله، ومجادلةً بغير حجة ولا برهان: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟

يعنون بذلك: الميتة، وهذا رأي فاسد، لا يستند على حجة ولا دليل؛ بل يستند إلى آرائهم الفاسدة التي لو كان الحق تبعًا لها لفسدت السماوات والأرض، ومن فيهن.

فتبًّا لمن قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه، الموافقة للمصالح العامة والمنافع الخاصة، ولا يستغرب هذا منهم، فإن هذه الآراء وأشباهها، صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين، الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم، ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير.

{وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ} في شركهم وتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} ، لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله، ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين، فلذلك كان طريقكم، طريقهم» 76.

ثانيًا: آثار ولاية الشيطان:

بعد عرض صفات أولياء الشيطان التي ذكرها القرآن الكريم، بين الله تعالى ما يترتب على ولاية الشيطان من آثار، ومنها:

يقول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} [النساء:116 - 121] .

ومعنى هذه الآيات: أن فيها إخبارًا من الله عز وجل عن طعمة بن أبيرق الذي مات على الشرك بأنه تعالى لا يغفر له، أما غيره من الذين لم يموتوا مشركين، فإن أمرهم إلى الله تعالى إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ومن يشرك بالله تعالى فقد ضل عن طريق الهداية والصواب، وذلك بسبب بعده عن الحق، وإشراكه بربه عز وجل.

ثم أخبر الله تعالى أن هؤلاء المشركين ما يعبدون إلا أوثانًا لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنطق، ولا تعقل، وفي حقيقة الأمر ما يعبدون إلا الشيطان الذي دعاهم إلى عبادة هذه الأوثان، فلعنه الله تعالى وطرده من رحمته بسبب إبائه لأمر الله عز وجل بالسجود لآدم، فقال الشيطان متوعدًا وحانقًا: لأتخذن من عبادك عددًا كبيرًا منهم يعبدونني، وهم معروفون بمعصيتهم لك، وطاعتهم لي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت