فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 2431

وتخصيص الخمسة المذكورين في الآية مع اندراجهم مع النبيين «للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم، وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع، وأساطين أولي العزم من الرسل» 36.

أسباب التفضيل:

أسباب التفضيل بين الرسل وأسرار تفاوت الرتب بينهم لا يعلمها إلا الله عز وجل «غير أنها ترجع إلى ما جرى على أيديهم من الخيرات المصلحة للبشر، ومن نصر الحق، وما لقوه من الأذى في سبيل ذلك، وما أيدوا به من الشرائع العظيمة المتفاوتة في هدى البشر، وفي عموم ذلك الهدى ودوامه» 37.

كذلك يتعلق التفضيل «بالفضائل والخصائص الراجعة إلى ما مَنَّ به عليهم من الأوصاف الممدوحة، والأخلاق المرضية، والأعمال الصالحة، وكثرة الأتباع، ونزول الكتب على بعضهم المشتملة على الأحكام الشرعية، والعقائد المرضية» 38.

وقد ذكر الله في كتابه مزايا كثيرة لبعض الأنبياء فيها إظهار لمزيد فضلهم، وعظيم شرفهم، وفيما يلي عرض لهذه المزايا:

1.آدم عليه السلام.

هو أبو البشرية، وقد ذكر القرآن له عددًا من الخصائص:

وهذه من الفضائل العظيمة التي خصَّ بها سيدنا آدم عليه السلام، فقد قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ?28?فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ?29?) [الحجر: 28 - 29] .

وهنا يخبر المولى جل جلاله عن خلقه المباشر لسيدنا آدم عليه السلام، وهذه خصيصة عظيمة لآدم حيث خلقه الله بيديه مباشرة، فلم يكن له أب ولا أم، وفي هذا «إيماء إلى شرف آدم عليه السلام، وعظم مكانته» 39.

وهذه من الخصائص العالية القدر التي ذكرت لآدم عليه السلام، فهي تدل على عظيم رعاية الرب له، وشريف عنايته به.

قال الله عز وجل: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَ?ؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ?31?قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ? إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ?32?قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ? فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ?33?) [البقرة: 31 - 33] .

ففي هذه الآيات يظهر المولى جل وعلا فضل آدم عليه السلام من جهة أن علمه مستمد من تعليم الله له، فإن إمداد الله له بالعلم يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية، ثم إن العلم الذي يحصل عن طريق النظر والفكر قد يعتريه الخلل، ويحوم حوله الخطأ، فيقع صاحبه في الإفساد من حيث إنه يريد الإصلاح، بخلاف العلم الذي يتلقاه الإنسان من تعليم الله، فإنه علم مطابق للواقع قطعًا، ولا يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإصلاح 40.

وهذا من المواقف العظيمة التي ذكرها القرآن في غير ما موضع والتي تشي بعظيم فضل آدم عليه السلام.

قال تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى? وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ?34? [البقرة: 34] .

وفي حديث الشفاعة الطويل: (فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك) 41.

فأَمْرُ الملائكة بالسجود لآدم -لاشك- يدل على مدى رفعة هذا النبي وعلو مقامه، وفي هذا «كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم عليه السلام» 42.

2.نوح عليه عليه السلام.

هو من الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم الذين فضلهم الله على بقية الأنبياء والرسل، وقد ورد ذكره في القرآن كثيرًا، ومن المزايا التي ذكرها القرآن له أنه:

وهذا من المزايا الرفيعة التي اختص بها سيدنا نوح.

قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى? ? أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ? كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ? اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ?13?) [الشورى: 13] .

فإنه بدأ بذكر نوح عليه السلام «لأن نوحًا أول رسول أرسله الله إلى الناس» 43.

وفي حديث الشفاعة يأتي بعض الخلق (فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض) 44.

فالرسل موكب كريم شريف القدر عالي المقام، وأن يكون نوح عليه السلام هو مفتتح هذا الركب الميمون، فهذا تشريف كبير له.

3.إبراهيم عليه السلام.

إبراهيم عليه السلام من الأنبياء الكبار أصحاب الفضل العظيم، والمقام الرفيع، وقد حفل القرآن بكثير من مزاياه وخصائصه، وفيما يلي عرض لأبرزها:

وهذه مرتبة رفيعة، ومزية جليلة اختص بها سيدنا إبراهيم عليه السلام.

قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى? إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ? قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ? قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ? قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) [البقرة: 124] .

وهاهنا يخبر الرب الجليل أنه ابتلى نبيه إبراهيم «ببعض الأوامر والنواهي، فأداها خير الأداء، وأتى بها على وجه الكمال» 45.

فجعله الله إمامًا للناس «يتخذونه قدوة، ويقودهم إلى الله، ويقدمهم إلى الخير، ويكونون له تبعًا، وتكون له فيهم قيادة» 46.

وبذلك يحصل له الثناء الدائم، والتعظيم المستمر، والأجر الذي لا ينقطع.

وهذه من الدرجات الرفيعة، ومن المزايا الجليلة التي ذكرها القرآن لإبراهيم.

قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ? وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء: 125] .

فالخلة «تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما» 47.

ولشريف هذا المنصب فإنه لم يختص به إلا إبراهيم ومحمد -صلوات الله وسلامه عليهما-، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا) 48.

ومنزلة الخلة هذه تُظْهِرُ -ولا شك- ما لإبراهيم عند الله من مكانة، فهي «منزلة عليا من منازل القرب من الله، لا تكاد تدانيها منزلة» 49.

النبوة شرف ما بعده شرف، فالأنبياء والرسل هم منارات الهدى للبشر، وأدلاء الناس على طريق خالقهم، فأن يكونوا في ذرية إبراهيم فـ «هذه خلعة سنية عظيمة» 50. تدل على علو قدره.

قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: 27] .

فهذه الآية تبين كيف أن شرف النبوة قد انحصر في سلالة إبراهيم عليه السلام «فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته، ولا نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم» 51. وأن تكون مواد الهداية والخير «والرحمة والسعادة والفلاح في ذريته، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون، فهذا من أعظم المناقب والمفاخر التي أكرم الله بها هذا النبي عليه الصلاة والسلام» 52.

4.موسى عليه السلام.

هو من الأنبياء الذين توسع القرآن في ذكر خبرهم، وما كان من شأنهم مع أقوامهم، ومن مزاياه التي أشار إليها القرآن:

وهذه من المزايا العظيمة التي أكرم الله بها موسى عليه السلام، وقد ذكرها القرآن في أكثر من موضع.

قال تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ? وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى? تَكْلِيمًا) [النساء: 164] .

فتكليم الله لموسى «تشريف لموسى عليه السلام بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له: الكليم» 53.

وهذه خصيصة انفرد بها موسى عليه السلام دون غيره من الأنبياء والرسل وهي -حتمًا- تدل على مدى عظمة هذا النبي، وعلو قدره عند ربه؛ إذ «وقف في أكرم موقف يلقاه إنسان» 54.

5.عيسى عليه السلام.

احتفى القرآن بذكر عيسى عليه السلام، وعدد له الكثير من المزايا والخصائص، وفيما يلي عرض لها:

الأنبياء جميعًا -عدا آدم عليه السلام - لهم آباء وأمهات، ولكن سيدنا عيسى اختص بميلاد عجيب، حيث إن ميلاده جعله الله آية، فقد ولد بغير أب.

قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [آل عمران: 45] .

فقد سمي بكلمة الله «لأنه كان بالكلمة من الله؛ لأن حالته خارجة عن الأسباب، وجعله الله من آياته، وعجائب مخلوقاته» 55. وهذه مزية عظيمة لعيسى عليه السلام.

ومن الآيات التي ذكرت هذا أيضًا قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ? إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى? مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ? فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ? وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ? انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ? إِنَّمَا اللَّهُ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ? لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ وَكِيلًا ?171? [النساء: 171] .

وهاهنا يؤكد القرآن على كون عيسى خلق خلقًا مغايرًا لما تجري عليه الأسباب؛ فقد كان بكلمة الله التي (أَلْقَاهَا إِلَى? مَرْيَمَ) [النساء: 171] .

أي: «أوصلها إليها، وحصلها فيها بنفخ جبريل عليه السلام (ٹ وَرُوحٌ مِنْهُ) أي: بتخليقه وتكوينه كسائر الأرواح المخلوقة» 56.

وهذه من الخصائص التي أكرم الله بها نبيه عيسى عليه السلام.

قال تعالى: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 46] .

أي: إن عيسى عليه السلام سيدعو إلى عبادة الله وحده «في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه بذلك» 57.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثةٌ: عيسى ... ) 58 الحديث.

وخص تكليمه في حال كونه في المهد وحال كونه كهلًا مع أنه يتكلم فيما بينهما «لأن لذينك الحالين مزيد اختصاص بتشريف الله إياه، فأما تكليمه الناس في المهد؛ فلأنه خارق عادة إرهاصًا لنبوءته، وأما تكليمهم كهلًا فمراد به دعوته الناس إلى الشريعة» 59.

وهذه من المزايا التي تفرد بها هذا النبي الكريم، قال جل جلاله: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى? إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ ? ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ?55?) [آل عمران: 55] .

ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى أن عيسى عليه السلام رفع بجسده وروحه.

قال ابن تيمية: «عيسى عليه السلام حي، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده، ليوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عادلًا، وإمامًا مقسطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحدٌ) 60.

وثبت في الصحيح عنه أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه يقتل الدجال 61. ومن فارقت روحه جسده لم ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي فإنه يقوم من قبره.

وأما قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى? إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) [آل عمران: 55] .

فهذا دليل على أنه لم يعن بذلك الموت؛ إذ لو أراد بذلك الموت لكان عيسى في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في ذلك خاصية، وكذلك قوله: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ولو كان قد فارقت روحه جسده لكان بدنه في الأرض كبدن سائر الأنبياء.

وقد قال تعالى في الآية الأخرى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَ?كِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ? وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ? مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ? وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ?157?بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ?158?) [النساء: 157 - 158] .

فقوله هنا: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) يبين أنه رفع بدنه وروحه، كما ثبت في الصحيح أنه ينزل ببدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته لقال: وما قتلوه وما صلبوه بل مات 62.

6.محمد صلى الله عليه وسلم.

نبينا محمد صلى الله عليه وسلم له الكثير من الفضائل والمزايا التي ذكرها الله في كتابه، وفيما يلي عرض لها:

وهذه من الفضائل العظيمة التي كانت من نصيب محمد صلى الله عليه وسلم، فالنبوة سلسلة رفيعة القدر، فأن يكون هو خاتمها وحلقتها الأخيرة فهذا يدل على عظيم قدره.

قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَ?كِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ? وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ?40?) [الأحزاب: 40] .

فكونه النبي الخاتم يدل على أنه صلى الله عليه وسلم «وارث النبيين جميعًا، والمهيمن برسالته على رسالات الرسل كلهم، فلا رسول بعده إلى يوم الدين؛ لقد ختمت به رسالات السماء، وأضيفت شعاعاتها كلها إلى شمس شريعته، فأصبحت تلك الشعاعات مضمونًا من مضامينها، وقبسًا من أقباسها، فلا هدى بعد هذا إلا من هداها، ولا نورًا إلا من نورها (. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85] » 6364.

وهذه من المناقب العظيمة التي أكرم الله بها نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فرسالته هي «الرسالة الأخيرة، فهي الرسالة الشاملة التي لا تختص بقوم ولا أرض ولا جيل، ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات محلية قومية، محدودة بفترة من الزمان» 65.

وكان النبي في السابق يرسل لقومه خاصة، ولكنه صلى الله عليه وسلم بعث للناس عامة، قال صلى الله عليه وسلم: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصةً وبعثت إلى الناس عامةً) 66.

فهو المبعوث للثقلين للإنس والجن، قال عز وجل: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: 158] .

أي: إن النبي بعث «إلى كافة الإنس وكافة الجن» 67.

وأن يكون النبي رسولًا للعالمين، فهذا يدل على علو مقامه عند ربه» وهو مقام لا يطاول، ومنزلة لا تنال، قد انفرد بها صلى الله عليه وسلم من بين رسل الله وأنبيائه جميعًا، فهو رسول الإنسانية كلها، والشمس التي تملأ آفاقها، وتدخل كل مكان فيها» 68.

وهذا مقام عظيم أشار إليه القرآن بقوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى? أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) [الإسراء: 79] .

وكلمة (عَسَى) في كلام العرب تفيد التوقع، أما في كلام الله فإنها تفيد الوجوب والقطع، قال الإمام الرازي: «اتفق المفسرون على أن كلمة (عسى) من الله واجبة؛ لأن لفظة (عسى) تفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانًا في شيء ثم حرمه كان عارًا، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدًا في شيء، ثم لا يعطيه ذلك» 69.

فالله عز وجل يقول لنبيه: داوم على ما أمرت به من العبادة: «لنقيمك يوم القيامة مقامًا يحسدك فيه الخلائق كلهم» 70.

قال ابن جرير: «أكثر أهل العلم على أن المقام المحمود هو ذلك المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم» 71. وهذا مقام عظيم يوم القيامة يشي بعظم شأن النبي صلى الله عليه وسلم عند خالقه.

قال تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) [الحجر: 72] .

ففي هذه الآية «شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى أقسم بحياته، ولم يفعل ذلك مع بشر سواه» 72.

وقسم الله بحياة نبيه يدل على «تشريف عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض» 73.

خاطب الله أنبياءه بأسمائهم المجردة، فقال: (قَالَ يَا مُوسَى? إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي) [الأعراف: 144] .

(وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ) [الصافات: 104] .

(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى? إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) [آل عمران: 55] .

(قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ) [هود: 48] .

ولكن لم يناد الله عز وجل نبيه باسمه المجرد أبدًا، وما ناداه إلا بـ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) [المائدة: 67] .

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) [الطلاق: 1] .

فكون النبي لا يخاطب باسمه المجرد، فهذا -لا شك- يشير «إلى المحبة والقرب من ربه، الذي يخلع عليه ما يخلع من أوصاف التكريم، ويناديه بها، حتى لكأنها علم عليه وحده» 74.

إن الله عز وجل أثنى على أنبيائه كثيرًا، ولكنه كان يمدحهم ومدحهم ببعض أخلاقهم، فقال عن إبراهيم عليه السلام: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) [هود: 57] .

ووصف موسى عليه السلام بأنه (كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) [مريم: 51] .

وأثنى على إسماعيل بأنه (صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) [مريم: 54] .

ولكنه لمَّا أثنى على محمد صلى الله عليه وسلم أثنى عليه بجميع خلقه، فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] .

وتأمل كيف أنه عبر بـ (على) التي هي «للاستعلاء المجازي، المراد به التمكن» 75.

وهذا يشعر بمدى تمكن النبي ورسوخه في كل خلق كريم، «وحسب رسول الله شرفًا وعزًّا بهذا الوصف الكريم من الله تعالى حسبه بهذا، حيث توجه ربه عز وجل بتاج الكمال كله؛ إذ ليس بعد حسن الخلق حلية تتحلى بها النفوس، أو تاج تتوج به الرؤوس» 76.

وهذه وحدها مزية عظيمة جليلة، تدل على قدر النبي عليه الصلاة السلام عند خالقه.

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56] .

وصلاة الله على النبي تعني «ذكره بالثناء في الملأ الأعلى، وصلاة ملائكته دعاؤهم له عند الله تعالى» 77.

وهذه الآية «شرف الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم حياته وموته، وذكر منزلته منه» 78. فيا لها من منزلة كريمة.

الأنبياء السابقون آتاهم الله عز وجل عددًا من المعجزات، ولكنها كانت مخصوصة بزمنهم، وموقوتة بحياتهم، ولكن المولى تبارك وتعالى اختص حبيبه ومصطفاه بمعجزته الكبرى، والتي ستبقى خالدة على امتداد الزمان.

قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ) [الحجر: 87] .

وهنا يمتن الحق سبحانه على رسوله «بأنه يكفيه أن أنزل عليه القرآن الكتاب المعجزة، والمنهج الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فالقرآن يضم كمالات الحق التي لا تنتهي» 79.

إن معجزة القرآن معجزة لها خصوصيتها وتفردها عن كل ما تقدمها من معجزات، فهي معجزة «مفتوحة للأجيال، وليست كالخوارق المادية التي تنقضي في جيل واحد، ولا يتأثر بها إلا الذين يرونها من ذلك الجيل» 80. فأن يختص بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهذه -لا شك- مزية عظيمة.

النصوص التي تنهى عن التفضيل بين الأنبياء:

قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ? وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ? وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) [البقرة: 253] .

وهذه الآية تقطع بوجود التفاضل بين الأنبياء والرسل، ولكن هناك أحاديث ثابتة تنهى عن التفضيل، ومن ذلك قوله: (لا تخيروني على موسى) 81، و (لا تفضلوا بين أنبياء الله) 82 أي: لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان؛ ولكن هذه الأحاديث لا تعارض بينها وبين الآية.

قال الإمام القرطبي: يمكن الجمع بين الآية والأحاديث من وجوه:

ثم قال: وأحسن من هذا القول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة، لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والمعجزات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها؛ ولذلك فهم رسل وأولو عزم، ومنهم من كلمه الله، فالقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل، وأعطي من الوسائل؛ وبذلك نكون قد جمعنا بين الآية والأحاديث من غير نسخ 83.

لمرتبة النبوة شروط نتناولها في النقاط الآتية:

أولًا: الصدق:

لما كانت النبوة هي أداء رسالة، وتبليغ شريعة، وتوجيه للناس نحو الخير، كان من أهم شروط هذه الوظيفة العظيمة الصدق؛ لأن النبي مبلغ عن الله، أمين على وحيه، والكذب في حقه عظيم؛ لأنه كذبٌ على الله، وافتراء عليه، وتضليل للناس: (ڑ ڑ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى? عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ? إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [الأنعام: 21] .

ثم إن النبي قدوة للناس، وأنموذج حي لتعاليم الله في الأرض؛ لذا اشترط فيه أن يكون صادقًا فيما يقوله أو يبلغه حتى يهتدي الناس به.

لذا كان الصدق من أخص صفات الأنبياء، ومن أهم الشروط التي جعلها الله فيمن اصطفاه لهذا المقام الكريم، ومن جعل القرآن نصب عينيه بانت له أمارات صدقهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

فهذا موسى عليه السلام يبين التزامه بالصدق خلقًا ومقامًا وحالًا لا يتجاوزه، فيقول: (حَقِيقٌ عَلَى? أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ? قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف: 105] .

أي: «جدير بأن لا أقول على الله إلا الحق، وحريٌ بي أن ألتزمه» 84.

والمعنى: «أن الرسول لا يقول إلا الحق، فصار نظم الكلام كأنه قال: أنا رسول الله، ورسول الله لا يقول إلا الحق» 85.

فرسول الله خليق بألا يقول على الله إلا الحق والصدق.

وأثنى الله على إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد.

قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ? إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا) [مريم: 54] .

ففي هذه الآية «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد في الكتاب إسماعيل بن إبراهيم، فاقصص خبره إنه كان لا يكذب وعده، ولا يخلف، ولكنه كان إذا وعد ربه أو عبدًا من عباده وعدًا وفَّى به» 86.

وبالصدق الكثير وصف الله نبيه إبراهيم عليه السلام فقال سبحانه: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ? إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) [مريم: 41] .

«كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده لا يكذب» 87.

وصدِّيقٌ لفظ فيه «مبالغة في كونه صادقًا، وهو الذي يكون عادته الصدق؛ لأن هذا البناء ينبئ عن ذلك، يقال: رجل خمير وسكير للمولع بهذه الأفعال» 88. فالصديق: كثير الصدق.

وبذات الوصف ذكر الله نبيه إدريس أيضًا، فقال:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ? إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا [مريم: 56] .

وجاء في آخر سورة المائدة قول عيسى عليه السلام لربه: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ?) [المائدة: 117] .

وهو واضح جدًّا في التزام عيسى عليه السلام بما أمره الله به فقط، لم يزد عليه شيئًا، ولم ينقص منه شيئًا، وإنما هو الصدق في التبليغ، والامتثال في الأداء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت