فهرس الكتاب

الصفحة 1370 من 2431

فالمكذبون: «لا يفلحون أي فلاح، لا يفلحون في شعب ولا طريق. لا يفلحون في الدنيا ولا في الأخرى. والفلاح الحقيقي هو الذي ينشأ من مسايرة سنن الله الصحيحة، المؤدية إلى الخير وارتقاء البشر وصلاح المجتمع، وتنمية الحياة، ودفعها إلى الأمام. وليس هو مجرد الإنتاج المادي مع تحطم القيم الإنسانية، ومع انتكاس البشر إلى مدارج الحيوانية، فذلك فلاح ظاهري موقوت، منحرف عن خط الرقي الذي يصل بالبشرية إلى أقصى ما تطيقه طبيعتها من الاكتمال» 33.

وبعد أن أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بإخبار المشركين أنهم لا يفلحون، أعقب ذلك في سورة النحل بخطاب للمشركين؛ ليقرر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ ما يأمره الله به فقال: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] .

«نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحير ة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك، مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعةً ليس له فيها مستندٌ شرعيٌ، أو حلل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه.

و (ما) في قوله: {لِمَا تَصِفُ} مصدريةٌ، أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم، ثم توعد على ذلك فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} أي: في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فمتاعٌ قليلٌ، وأما في الآخرة فلهم عذابٌ أليمٌ» 34.

وبعد هذا النص، كيف يجرؤ ناس على التشريع بغير إذن من الله، وبغير نص في شريعته يقوم عليه ما يشرعونه من القوانين؟! وهل ينتظر هؤلاء أن يكون لهم فلاح في هذه الأرض أو عند الله؟ كلا بنص كتاب الله.

خامسًا: الاعتبار بعاقبة المكذبين:

أمر الله سبحانه بالنظر والتأمل في عاقبة المكذبين؛ للاعتبار والاتعاظ، وهذا الاعتبار والاتعاظ يحتاجه الرسول صلى الله عليه وسلم ليثبت فؤاده على طريق الدعوة، ويحتاجه المؤمنون كذلك، ويحتاجه المكذبون أنفسهم؛ ليرتدعوا وينزجروا عن تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم.

فأمر الله عز وجل الرسول صلى الله عليه وسلم بـ {قُلْ} التلقينية - الدالة على أنه صلى الله عليه وسلم مبلغ من قبل الله- أن يأمر المشركين بالسير في الأرض؛ للاعتبار بما حدث للمكذبين قبلهم، فقال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11] .

«يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأنداد المكذبين بك الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي: جولوا في بلاد المكذبين رسلهم الجاحدين آياتي من قبلهم من ضربائهم وأشكالهم من الناس {ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ} أعقبهم تكذيبهم ذلك الهلاك والعطب وخزي الدنيا وعارها، وما حل بهم من سخط الله عليهم من البوار وخراب الديار وعفو الآثار. فاعتبروا به، إن لم تنهكم حلومكم، ولم تزجركم حجج الله عليكم، عما أنتم مقيمون عليه من التكذيب، فاحذروا مثل مصارعهم، واتقوا أن يحل بكم مثل الذي حل بهم» 35.

وأمر سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينظر بتأمل وتفكر كيف كان عاقبة من كذبوا بآيات الله ورسله؟ ليحذر قومه أن يستمروا على تكذيبهم، فيصيبهم مثل ما أصاب من قبلهم، قال تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الزخرف: 25] .

ثم أمر سبحانه وتعالى المشركين بنفس ما أمرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم -تأكيدًا على أنه مبلغ عن ربه- أن يمشوا في الأرض؛ ليبصروا بأعينهم كيف كان مآل المكذبين قبلهم؟ وماذا حل بهم من دمار؟ ليعتبروا {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36] .

ثم خاطب سبحانه وتعالى المؤمنين لما أصيبوا يوم أحد تعزية لهم بأنه قد مضت من قبلكم أمم، ابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين فكانت العاقبة لهم، فسيروا في الأرض معتبرين بما آل إليه أمر أولئك المكذبين بالله ورسله، فقال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] .

فإن قيل: ما الفرق بين قوله {فَانْظُرُوا} في قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] . وبين قوله: {ثُمَّ انْظُرُوا} ؟

قال الرازي رحمه الله: «قوله: {فَانْظُرُوا} يدل على أنه تعالى جعل النظر سببًا عن السير، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين.

وأما قوله: {سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا} [الأنعام: 11] .

فمعناه: إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ثم نبه الله تعالى على هذا الفرق بكلمة {ثُمَّ} لتباعد ما بين الواجب والمباح» 36.

ذكر القرآن الكريم للكاذبين مظاهر إذا رآها الناس أشاروا إلى أصحابها وقالوا: هذا الذي حكى عنه القرآن فاحذروه، من هذه المظاهر ما يلي:

الكذب على الله والتكذيب بآياته والتكذيب بكتبه ورسله واليوم الآخر:

أولًا: الكذب على الله:

قال تعالى: {فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [آل عمران: 94] .

قال الراغب رحمه الله: «الافتراء والاختلاق: افتعال للكذب الذي لا أصل له، من افتراء الأديم واختلاقه. والكذب ضربان: اختراع قصة لا أصل لها وزيادة، أو تغيير فيما له أصل. والأول: أعظمهما، والمفترى عليه ضربان: رفيع ووضيع. فالمفتري على الرفيع أعظم ذنبًا، ثم المفتري له ضربان: عارف بالفرية. وجاهل بها، فالمفتري العارف بالفرية أوقحهما وجهًا، فبين الله تعالى بالآية أنهم اختلقوا الكذب على الله تعالى، الذي يعلم السر وأخفى، وفعلوا ذلك بعد أن أطلع الله الناس على كذبهم» 37.

وبين سبحانه وتعالى أن متخذي ذلك في نهاية الظلم في مواضع من كتابه:

من أعظم صور الظلم الكذب على الله: أنه لم يبعث رسولًا من البشر، أو ادعى كذبًا أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شيء، أو ادعى أنه قادر على أن ينزل مثل ما أنزل الله من القرآن.

قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] .

وقد اختلف في سبب نزولها:

فعن عكرمة رحمه الله: «إنها نزلت في مسيلمة أخي بني عدي بن حنيفة فيما كان يسجع ويتكهن به» 38.

وعن السدي رحمه الله: «نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح خاصة» 39.

ويرى الطبري رحمه الله: «أنه لا تمانع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال: إني قد قلت مثل ما قال محمد، وأنه ارتد عن إسلامه ولحق بالمشركين، فكان لا شك بذلك من قوله مفتريًا كذبًا، وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسي الكذابين ادعيا على الله كذبًا أنه بعثهما نبيين وقال كل واحد منهما: إن الله أوحى إليه. وهو كاذب في قوله، فإذا كان كذلك فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقًا على الله كذبًا، وقائلًا في ذلك الزمان وفي غيره أوحى الله إلي وهو في قوله كاذب لم يوح الله إليه شيئًا، فأما التنزيل فإنه جائز أن يكون نزل بسبب بعضهم وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم» 40.

ومن صور الكذب التحليل والتحريم، بحسب الأهواء، لا بحسب الشرع المنزل من عند الله، ولهذا عنف الله عز وجل الكفار حين ادعوا أن ما شرعوه من عند أنفسهم هو الشرع الذي أوحى به الله عز وجل.

قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 116 - 117] .

فالآية خطاب للكفار الذين حرموا البحيرة والسائبة، وأحلوا ما في بطون الأنعام، فليس كلامهم كذبًا فقط، بل يصفه، فمن لا يعرف الكذب فليعرفه من كلام هؤلاء، وتحليلهم وتحريمهم كذب وافتراء على الله عز وجل؛ لأنه وحده صاحب التحليل والتحريم، فإن انطلى كذبهم على بعض الناس فأخذوا من ورائه منفعة عاجلة، فعما قليل سيفتضح أمرهم وينكشف كذبهم وتنقطع مصالحهم بين الخلق، وذلك أن الله أمرهم بخلاف ما قالوا فهم يكذبونه يحللون ويحرمون من غير تحليل الله وتحريمه، ويجعلون ذلك من الشرع 41.

ويصف الله عز وجل ما يأخذه هؤلاء من دنياهم بالكذب والافتراء على الله {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} زائل، سيحرمون من المتاع الكثير الدائم الذي قال الله عنه: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] .

ليس هذا فقط بل {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} والذين هادوا: هم اليهود، عاقبهم الله عز وجل بتحريم هذه الأشياء، مع أنها حلال في ذاتها، وهذا تحريم خاص بهم 42.

«وقد كان السلف الصالح يتجنبون قول: هذا حلال وهذا حرام إذا كان باجتهاد، وإنما يقولون: أكره هذا أو يستحب هذا» 43.

ومن صور الكذب على الله: الافتراء على الله أنه حرم بعض الأنعام وحلل بعضها تقولًا عليه، قال تعالى: {وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 144] .

ومن صور التكذيب على الله: نسبة الشريك إليه في عبادته.

قال تعالى: {هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الكهف: 15] .

وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الصف: 7] .

ثانيًا: التكذيب بآيات الله:

قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 36] .

أي: والذين كذبوا منكم بآياتنا التي تقص {وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا} ولم يقبلوها، أولئك هم الخالدون في النار؛ لتكذيبهم واستكبارهم 44.

وقال تعالى: {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 4 - 5] .

أي: إن المشركين المكذبين المعاندين مهما أتتهم من دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات على وحدانية الله وصدق رسله الكرام فإنهم يعرضون عنها فلا ينظرون إليها ولا يبالون بها 45.

«وإنهم لما أعرضوا عن القرآن وكذبوا به فكيف لا يعرضون عن غيره؟!» 46 مع أنه أعظم آية وأكبرها، بدليل أنهم تحدوا به فعجزوا عنه حين جاءهم، وتكذيبهم فيه دلالة على قلة خوفهم وتقديرهم للعواقب 47.

وسوف يعاقبون على تكذيبهم وما وقع منهم من الاستهزاء، وفي لفظ الأنباء: إيذان بغاية العظم لما أن النبأ لا يطلق إلا على خبر عظيم الوقع، أي: سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة 48.

وهذه رتب ثلاث صدرت من هؤلاء الكفار: الإعراض عن تأمل الدلائل، ثم أعقب الإعراض التكذيب، وهو أزيد من الإعراض، إذ المعرض قد يكون غافلًا عن الشيء، ثم أعقب التكذيب الاستهزاء، وهو أزيد من التكذيب، إذ المكذب قد لا يبلغ إلى حد الاستهزاء، وهذه هي المبالغة في الإنكار 49.

وقال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [الزمر: 32] .

أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله عز وجل بأن له ولدًا وشريكًا، أو كذب بالتوحيد والقرآن، فلا أحد أظلم من هذا؛ لأنه جمع بين طرفي الباطل كذب على الله وكذب بالقرآن؛ ولهذا جاء الوعيد لهم سريعًا 50.

ثالثًا: التكذيب بالكتب:

قال تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} [غافر: 70 - 72] .

يقول تعالى: لا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله، ويجادلون في الحق والباطل، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال، وكذبوا بالقرآن أو بجنس الكتب السماوية وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب أو الوحي والشرائع.

{فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد من الرب جل جلاله لهؤلاء 51، كما قال تعالى: {فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [الطور: 11] .

{إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ} كقوله تعالى: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن: 43 - 44] .

يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتحقير والتصغير والتهكم والاستهزاء بهم 52.

ثم توعد من كذب بالقرآن فقال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [القلم: 44] .

يعني: القرآن، وهذا تهديدٌ شديدٌ أي: دعني وإياه مني ومنه أنا أعلم به منه كيف أستدرجه وأمده في غيه وأنظر ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر 53.

«وهو تهديد مزلزل، والجبار القهار القوي المتين يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: خل بيني وبين من يكذب بهذا الحديث. وذرني لحربه فأنا به كفيل، ومن هو هذا الذي يكذب بهذا الحديث؟

إنه ذلك المخلوق الصغير الهزيل المسكين الضعيف! هذه النملة المضعوفة. بل هذه الهباءة المنثورة، بل هذا العدم الذي لا يعني شيئًا أمام جبروت الجبار القهار العظيم فيا محمد خل بيني وبين هذا المخلوق. واسترح أنت ومن معك من المؤمنين. فالحرب معي لا معك ولا مع المؤمنين. الحرب معي. وهذا المخلوق عدوي، وأنا سأتولى أمره فدعه لي، وذرني معه، واذهب أنت ومن معك فاستريحوا! أي هول مزلزل للمكذبين؟! وأي طمأنينة للنبي والمؤمنين المستضعفين؟!» 54.

رابعًا: تكذيب الرسل:

1.تكذيب قوم نوح.

أخبر سبحانه وتعالى في كتابه أن قوم نوح كذبوه، فكانوا بهذا مكذبين لجميع الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل.

قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105] .

ومن صور تكذيبهم:

-أنهم قالوا: إنه افترى هذا الكلام من عند نفسه قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ? قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ(35 ) ) [هود: 35] .

-اتهموه بالجنون -حاشاه-: قال تعالى حكاية عن قومه: (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى? حِينٍ ?25?) [المؤمنون: 25] . (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ) [القمر: 9] .

-الاستكبار وعدم طاعته والصد عن الإيمان لما يدعوا له: قال تعالى: (وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) [نوح: 7] .

-إن دعوته ليست صادقة وإنما يريد الرئاسة والتسلط عليهم، وأنهم لم يسمعوا بمثل هذه الدعوة من قبل: قال تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَ?ذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) [المؤمنون: 24] .

-الأنفة والتعالي عن الدخول في دعوته؛ لأن أول الذين آمنوا بدعوته هم من الفقراء والضعفاء، وقد جعلوه مانعًا من الإيمان، قال تعالى: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ?27?) [هود: 27] .

وهم يعنون بالأرذلين الفقراء، وهم السابقون إلى إجابة الرسل والرسالات، وإلى الإيمان والاستسلام، لا يصدهم عن الهدى كبرياء فارغ ولا خوف على مصلحة أو مكانة، والكبراء دائما يقولون عن الفقراء: إن عاداتهم وأخلاقهم لا ترضي العلية من القوم، ولا تطاق في أوساط الطبقة الراقية، فنوح يقول لهم: إنه لا يطلب إلى الناس شيئًا إلا الإيمان، وقد آمنوا، فأما عملهم فموكول إلى الله، وهو الذي يزنه ويقدره ويجزيهم على الحسنات والسيئات، وتقدير الله هو الصحيح 55.

2.تكذيب قوم هود.

أخبر سبحانه وتعالى في كتابه أن قوم نوح كذبوه، فكانوا بهذا مكذبين لجميع الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل؛ ولاتحاد دعوتهم في أصولها وغايتها، قال تعالى: (كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء: 123] .

ومن صور تكذيب قوم هود:

-تكذيب الرسول فيما يدعي واتهامه بالسفاهة والافتراء: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [الأعراف: 66] . وإنما وصف الملأ بالكفر، إذ لم يكن كلهم على الكفر كملأ قوم نوح، بل كان منهم من آمن به عليه السلام، ولكن كان يكتم إيمانه كمرثد بن سعد (فِي سَفَاهَةٍ) أي: متمكنًا في خفة عقل راسخًا فيها، حيث فارقت دين آبائك فيما ادعيت من الرسالة 56.

-جحود آيات الله وعصيانهم لرسله؛ لأن من كذب برسول من الرسل فقد كفر بجميع الرسل 57، قال تعالى: (وَتِلْكَ عَادٌ ? جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ) [هود: 59] .

-التمسك بالآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل والدفاع عنها والمجادلة عنها بالباطل قال تعالى: (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ? فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ(70 ) ) [الأعراف: 70] . وقوله تعالى: (قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ? أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ? ں) [الأعراف: 71] .

-انغماسهم في الملذات والركون إلى الحياة الدنيا وإنكارهم لما بعد الموت قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ?33?) [المؤمنون: 33] . أي: أنتم مغبونون بترككم آلهتكم من غير فضيلة له عليكم؛ فإنه يأكل ويشرب كما تأكلون وتشربون 58.

-إتباعهم المجرمين العتاة المتكبرين، وارتكابهم الجرائم والبطش بالضعفاء وضربهم بالسياط 59، قال تعالى: (وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ) [الشعراء: 130] وقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) [هود: 59] . والمعنى: «إنكم قساة غلاظ إذا سلطتم على من هو دونكم في القوة كان بطشكم بهم بطش جبابرة، لا ترعون له عهدًا ولا تعملون لجواره حسابًا، وما أقرب ذلك الوصف الذي يصف الله به نبي الله هود قومه عاد إلى غلاة المستعمرين، ودول الحضارة اليوم إذا سلطهم الله على شعب من الشعوب بطشوا به بطش الجبابرة، وأذاقوه العذاب ألوانًا فيتموا الأطفال وسبوا النساء، وهتكوا الحرمات، ومزقوا المصاحف وقتلوا الأبرياء» 60.

3.تكذيب قوم فرعون لموسى وهارون عليهما السلام.

أخبر سبحانه وتعالى أنه أرسل موسى وهارون إلى فرعون وقومه، فكذبوهما فيما جاء به، فكانوا من المهلكين بالغرق في البحر، قال تعالى: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى? وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ(45) إِلَى? فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47 ) ) [المؤمنون: 45 - 48] .

ومن صور تكذيب قوم فرعون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت