فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 2431

داود عليه السلام

أولًا: نسب داود عليه السلام:

ورد اسم داود في القرآن علمًا على نبي الله، وهو اسم أعجمي، ونسبه كما ذكر أهل التاريخ 1 هو: داود بن إيشى بن عويد بن باعز بن سلمون بن نحشون بن عمّيّ نوذب بن رام بن حصرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.

وبالاطلاع على ما ذكره المؤرخون من نسب داود نجد أن فيه اتفاقًا، ما عدا تغير طفيف لا يكاد يذكر في إعجام أو إهمال بعض الحروف، مما قد يكون سببه النسخ أو التصحيف في المطبوع، فضلًا على أن مثل هذه الأنساب لا تستند إلى دليل يمكن الجزم به، وأوفرها حظًا ما كان مستنده المرويات الإسرائيلية.

ومما يلاحظ في نسب داود عليه السلام أن بينه وبين أبينا إبراهيم الخليل اثني عشر أبًا، مما قد يشير بالنظرة التقريبية إلى الفترة الزمنية بينهما على فرض إمكانية النسب بهذه الصورة.

ويرسم اسم (داود) في التوراة بأحرف ثلاثة (دود) وضبطه آخرون في التوراة بحيث ينطق (داويد) التي آلت من بعد إلى (دافيد) (David) 2.

وأما في النسخة المترجمة للعربية من الكتاب المقدس فإن الاسم مكتوب (داود) 3.

معنى اسم داود:

اسم (داود) عند علماء العبرية والتوراة بمعنى الحّب والمحبوب، ورجح صاحب العلم الأعجمي أن معنى داود (ذو الأيد) ودليله ما جاء في القرآن {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) } [ص:17] .

ومما قال: «لم ترد (ذو الأيد) في كل القرآن إلا في هذا الموضع فحسب، تفسيرًا لمعنى الاسم العلم (داود) بالمرادف المطابق اللصيق (ذو الأيد) » 4.

ثانيًا: عمر داود عليه السلام:

ذكر ابن جرير في تاريخه 5 أن بعض أهل الكتاب زعم أن عمر داود كان سبعًا وسبعين سنة، وضعّف هذا ابن كثير في البداية والنهاية، وقال: «هذا غلط مردود عليه» 6.

رغم أن ابن جرير ذكر معلومة أخرى في ذات الموضع من تاريخه دون أن يرجّح، فقال: «عمره فيما وردت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة سنة» 7.

فيحتمل أنه ذكر ما ورد عن بعض أهل الكتاب لمجرد إيراد ما لديهم، ويحتمل لعدم ترجيحه عدم صحة الحديث الوارد لديه بأن عمر داود مائة سنة.

ولا شك أن الصواب في عمر داود عليه السلام ما صح به الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن عمره مائة سنة، فقد روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم، فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب، زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟! قال: فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته) 8.

وممن صحح الحديث ابن الأثير في الكامل قال: «كان عمر داود لما توفي مائة سنة، صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم» 9.

ثالثًا: وصف داود عليه السلام:

جاء عن وهب بن منبه أنه قال: كان داود عليه السلام قصيرًا، أزرق العينين، قليل الشعر، طاهر القلب نقيّه 10.

رابعًا: وفاته:

قيل: إن داود عليه السلام مات في أورشليم 11 يوم السبت، وقيل: الأربعاء 12، وصح أنه مات عن مائة سنة، كما في حديث أبي هريرة السابق.

وأما قصة وفاته عليه السلام فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان داود النبي فيه غيرة شديدة، وكان إذا خرج أغلقت الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع) قال: (فخرج ذات يوم، وأغلقت الدار، فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل الدار والدار مغلقة؟ والله لتفتضحن بداود، فجاء داود فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا يمتنع مني الحجاب، فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مرحبًا بأمر الله، فرمل داود مكانه حيث قبضت روحه حتى فرغ من شأنه، وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أظلي على داود، فأظلت عليه الطير حتى أظلمت عليهم الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحًا جناحًا) 13. وجوّد إسناده ابن كثير في البداية والنهاية، فقال: «إسناده جيد، ورجاله ثقات» .

ورد ذكر داود عليه السلام في القرآن الكريم (16) مرة، في (9) سور.

وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:

السورة ... الآيات

البقرة ... 251

الأنبياء ... 78 - 80

ص ... 21 - 25، 30 - 33

وهب الله عز وجل داود عليه السلام عدة فضائل، منها:

أولًا: الجمع بين النبوة والملك:

كان داود عليه السلام نبيًا بدلالة القرآن الكريم؛ وذلك في أكثر من موضع ذكر فيه داود مع إخوته الأنبياء في سياق واحد في معانٍ مختلفة.

قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) } [المائدة:78] .

وقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) } [الأنعام:84] .

وذكره الله تعالى في معرض تفضيل الأنبياء فقال: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء:55] .

كما نص الله في القرآن على إيتائه الزبور، فقال تعالى: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [النساء:163] .

فذكر الله تعالى داود ضمن أنبيائه -في سياقات مختلفة- يدل على دخوله فيهم بلا شك، وأنه ممن اصطفاه رب العالمين معهم، كما جاء النص بإيتائه الزبور، وهو دليل محتمل يشير إلى إرساله بعد ثبوت نبوته، كما أن الله قد أعطى لداود من المعجزات الأخرى التي رافقت نبوته، قال الفخر الرازي في تفسيره: «لا شك أن داود عليه السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل» 14.

وقال السعدي في تفسيره: «داود وسليمان من خواص الرسل، وإن كانوا دون درجة أولي العزم الخمسة، لكنهم من جملة الرسل الفضلاء الكرام الذين نوه الله بذكرهم، ومدحهم في كتابه مدحًا عظيمًا» 15.

والجديد في حالة نبي الله داود عليه السلام وانفرد به عمَّن سبقه من الأنبياء الكرام: أن وهبه الله الملك مع النبوة، فهو أول من جمع الله له بين النبوة والملك من الأنبياء، فتميز بهذا، وانفرد عمن سبقه من أنبياء بني إسرائيل، فأعطى صورةً مختلفةً للنبي الملك للمجتمع الإسرائيلي.

قال ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن بيّن أنّ قتل داود لجالوت هو سبب حب بني إسرائيل لداود وتملكه عليهم: «وجمع الله له بين الملك والنبوة، بين خيري الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط والنبوة في سبط آخر، فاجتمع في داود هذا وهذا» 16.

وقال العليمي الحنبلي في تفسيره: «ولم تجتمع السلطنة والنبوة لأحد قبل داود، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط» 17.

وقد كان حال بني إسرائيل مختلفًا قبل ذلك، فكان الملك في جماعة والنبوة في آخرين، كما روى ابن عباس: «كان في بني إسرائيل سبطان أحدهما للنبوة والآخر للملك، فلا يبعث نبي إلا من الواحد، ولا ملك إلا من الآخر» 18. فكان داود أول من جمع الله له بين الملك والنبوة في بني إسرائيل 19.

وكان أول ملك ملّكه بنو إسرائيل على أنفسهم هو شاؤول 20، وجاء في العهد القديم في سفر صموئيل الأول 21 الإشارة إلى أن الله أوحى لنبيه صموئيل أن يأتيه رجل فأوحي إليه أن: «امسحه رئيسًا لشعبي إسرائيل» .

وشاؤول هو نفسه طالوت الذي نص الله على تملّكه على بني إسرائيل في قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة:247] .

وإنما الاسم (شاؤول) هو الاسم العبراني له، والوارد في التوراة، وجاء في القرآن باللفظ العربي له (طالوت) وبينهما اتفاق في المعنى، وليس هذا محل التوسع في ذلك، وحسبنا أن نعلم أن ملك بني إسرائيل الذي اسمه شاؤول في التوراة اسمه الوارد في القرآن طالوت 22.

وبعدما مات طالوت ملّك بنو إسرائيل عليهم داود 23، وقد أحبوه قبل ذلك عندما قتل جالوت.

وفي موضع آخر من القرآن جاءت الإشارة من الله عز وجل لملك داود وخلافته في الأرض، فقال تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص:26] .

وفسّر هذه الآية السديّ 24 بأن الله «ملّكه في الأرض» 25.

وفي ذات السياق جاء التوجيه الرباني لداود في طريقة حكمه في الأرض، فقال تعالى: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26] .

وعندنا قضيتان هنا:

الأولى: هل كان داود نبيًّا عند قتله لجالوت؟

قال الماوردي في النكت والعيون: «واختلفوا هل كان داود عند قتله جالوت نبيًّا؟ ذهب بعضهم أنه كان نبيًّا؛ لأن هذا الفعل الخارج عن العادة، لا يكون إلا من نبي، وقال الحسن: لم يكن نبيًّا. قال ابن السائب: وإنما كان راعيًا، فعلى هذا يكون ذلك من توطئة لنبوته مِنْ بعد» 26.

والثانية: هل كان مَلِكًا ثم أوتي النبوة، أم العكس؟

الظاهر من سياق الآيات أن داود عندما قتل جالوت لم يكن نبيًّا ولا ملكًا، وكانت النبوة بعد تملكه على بني إسرائيل، وظاهر اختيار ابن جرير أنه آتاه الله الملك قبل قتله لجالوت.

قال ابن جرير في تاريخه بعد أن ساق بعض الإسرائيليات في قصة داود وطالوت: «وفي هذا الخبر بيان أن داود قد كان الله حوّل الملك له قبل قتله جالوت» 27.

وذهب ابن كثير في البداية والنهاية إلى عكس ذلك، فقال: «والذي عليه الجمهور أنه إنما ولي الملك بعد قتل جالوت» 28.

وذهب ابن الأثير في تاريخه إلى احتمال الأمرين 29.

والذي يظهر أن داود أصبح ملكًا على بني إسرائيل قبل أن يكون نبيًّا.

قال ابن جرير في تاريخه: «ولما اجتمعت بنو إسرائيل على داود أنزل الله عليه الزبور، وعلمه صنعة الحديد، وألان له، وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح» 30.

كما أن ظاهر القرآن في ترتيب ما وهبه الله لداود كان الملك، ثم الحكمة التي فسرت بأنها النبوة، وسيأتي ذكر ذلك.

قال تعالى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة:251] .

وتحتمل الآية أن الله وهب داود الملك والنبوة معًا، ويحتمل أن داود أصبح ملكًا بعد حين أصبح نبيًّا.

وعلّلّ الفخر الرازي القول بتقدم ملكه على نبوته بأنه: «ترقّى في المراتب العالية، وإذا تكلم المتكلم في كيفية الترقي فكل ما كان أكثر تأخرًا في الذكر كان أعلى حالًا، وأعظم شأنًا» 31.

وقال الفخر الرازي في تفسيره: «قال بعضهم: ظاهر الآية يدل على أن داود حين قتل جالوت آتاه الله الملك والنبوة؛ وذلك لأنه تعالى ذكر إيتاء الملك والنبوة عقيب ذكره لقتل داود جالوت، وترتيب الحكم على الوصف المناسب مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم» 32.

وأما في مدة ملك داود، فقد كانت مدته أربعين سنة، كما ذكر ابن جرير وابن الأثير في تاريخيهما 33.

وعقب على ذلك ابن كثير في البداية والنهاية بقوله: «وهذا قد يقبل نقله لأنه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه» 34.

ونلحظ أن ابن كثير دقيق في عبارته، فأشار إلى قبول نقله لا إلى إثباته.

ولو نظرنا في تحديد وقت ملكه فلا فائدة من ذلك، والمهم أنه ملك دهرًا، وجمعت له النبوة والملك، واستمر ملك داود عليه السلام إلى حين وفاته.

وقد أثنى الله على ملك داود ووصفه بقوله: {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} [ص:20] ، فكان متانة ملك داود هبة من الله عز وجل.

ومعنى {وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ} تقويته، وتحديد متعلق القوة فيه خلاف، فقيل: إنه شدّد ملكه بالجنود والرجال، وهو قول السدي 35.

وقيل: شدّد ملكه بأن أعطي هيبة من الناس له لقضية كان قضاها، وهو قول ابن عباس 36.

وقال الطبري عقب ذكره للأقوال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى أخبر أنه شدّد ملك داود، ولم يحصر ذلك من تشديده على التشديد بالرجال والجنود دون الهيبة من الناس له، ولا على هيبة الناس له دون الجنود، وجائز أن يكون تشديده ذلك كان ببعض ما ذكرنا، وجائز أن يكون كان بجميعها، ولا قول أولى من ذلك بالصحة من قول الله؛ إذ لم يحصر ذلك على بعض معاني التشديد خبرٌ يجب التسليم له» 37.

وقال ابن العربي في أحكام القرآن: «وعندي أن معناه: شددناه بالعون والنّصرة، ولا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور وغير معان» 38.

وقال ابن كثير في تفسيره: «أي: جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك» 39.

وقال الطاهر ابن عاشور: «فشد الملك هو تقوية ملكه وسلامته من أضرار ثورة لديه، ومن غلبة أعدائه عليه في حروبه» 40.

والذي ظهر هو الجمع بين الأقوال -كما ذهب إليه ابن جرير- فهي أبلغ في شدة ملكه وثبوته له مما يزعزعه.

ثانيًا: إيتاؤه الزبور:

لقد تفضل الله على داود عليه السلام بأن آتاه الزبور، وهو كتاب الله عز وجل المنزل على داود، وقد جاء ذكر الزبور ونسبته لداود ككتاب من الله لداود عليه السلام في القرآن والسنة.

فالزبور هو كتاب الله الذي أنزله على داود عليه السلام.

قال ابن كثير في البداية والنهاية: «الزبور اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود عليه السلام» 41.

وجاء ذكر إيتاء الله الزبور لداود عليه السلام في مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) } [النساء:163] .

وقال جل وعلا: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء:55] .

وقد جاءت آية سورة النساء في سياق ذكر الله لأنبيائه ومنهم داود، وهذا أول موضع ورد فيه اسم كتاب داود عليه السلام في القرآن الكريم.

معنى الزبور ونزوله على داود عليه السلام:

اختلف أهل العلماء في المقصود بالزبور هل هو اسم علم على كتاب داود عليه السلام أم وصف؟ وسيتضح أن الراجح أنه علم على كتاب الله الذي أنزله على داود عليه السلام، وعلى ذلك جملة من الأدلة، وسيأتي إيرادها، بعد التعريج على جذر كلمة الزبور ومعناها في المعجم العربي، وورودها في القرآن الكريم.

إن مادة (زبر) في المعاجم العربية تأتي بمعان، ومنها: زبره بالحجارة أي رماه بها، وزبر البناء يعني وضع بعضه فوق بعض، أي رصّه رصًّا، وزبره عن الأمر يعني منعه ونهاه، والأصل فيها قطعه عنه، فزبر بمعنى قطع، والزّبر الكتابة، وزبر الكتاب يعني كتبه، والأصل فيه أتقن كتابته مبينًا مفصلًا (مقطعًا) وهذا هو المعنى الرئيس في مادة زبر 42. ولذا قال المفسرون (الزبور) بمعنى: المكتوب 43.

قال ابن منظور: «وقد غلب الزبور على صحف داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكل كتاب زبور، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) } [الأنبياء:105] » 44.

علمًا أن الآية السابقة من سورة الأنبياء لا تدل بوجه الجزم على نسبة الزبور لداود، فقد اختلف المفسرون 45 في تحديد المقصود بالزبور فيها، فمنهم من اعتبره كتاب داود بعينه، ومنهم من قال: هو التوراة والإنجيل، وقيل: اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب، وقيل غيره، والخلاف في هذه الآية بعينها لا ينقض أصل نسبة الزبور ككتاب إلهي لداود عليه السلام، وأقصى ما يذهب إليه أن الخلاف الواقع هنا إنما هو في تحديد المراد بالزبور في تلك الآية فحسب، وسيأتي ذكر الآيات الدالة على نسبة الزبور لداود.

وقد وردت كلمة (الزبور) في القرآن في أكثر من موضع، ومن أصرحها في نسبة الزبور لداود قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء 55] .

وفي كلمة (زبورًا) قراءتان متواترتان، فقرأ حمزة وخلف بضم الزاي (زبورًا) وقرأ الباقون بفتح الزاي (زبورًا) 46. وتوجيه قراءة ضم الزاي أن يكون جمع زبر، أي: كتبًا وصحفًا مزبوره 47.

قال ابن جرير في تفسيره: «وجهوا تأويله: وآتينا داود كتبًا وصحفًا مزبوره، من قولهم: زبرت الكتاب أزبره زبرًا، وزبرته أزبره زبرًا: إذا كتبته» 48.

وقال ابن أبي مريم في الموضح: «بضم الزاي وهو على وجهين:

أحدهما: أن يكون جمع زبر، وهو المزبور، وجاز جمعه وإن كان مصدرًا لوقوعه موقع الأسماء.

الثاني: أن يكون زبور بالضم جمع زبور بالفتح، جمعًا بحذف الزوائد، وبفتح الزاي وهو ظاهر، فإن زبورًا بمعنى مزبور، وهو اسم لهذا الكتاب المخصوص» 49.

وأما بفتح الزاي فيكون بمعنى: وآتينا داود الكتاب المسمى زبورًا. قال ابن أبي مريم في الموضح: «وبفتح الزاي وهو ظاهر، فإن زبورًا بمعنى مزبور، وهو اسم لهذا الكتاب المخصوص» 50.

فيكون اسمًا للكتاب الذي نزل على داود، كما سمّي الكتاب الذي أنزل على موسى بالتوراة، والذي نزل على عيسى بالإنجيل، والذي نزل على محمد عليهم الصلاة والسلام الفرقان؛ ولأن ذلك هو الاسم المعروف به مما أوتي داود 51.

قال مكي بن أبي طالب في الكشف: «حجة من قرأ بالفتح أن المعروف أن داود صلى الله عليه وسلم أوتي كتابًا اسمه الزّبور، كالتوراة والإنجيل والقرآن، فهو كتاب واحد لكل نبي، فالفتح أولى به؛ لأنه اسم لكتاب واحد، وهو الاختيار، لصحة معناه؛ ولأن عليه الجماعة» 52.

واعتبر السمرقندي 53 أن القراءتين بمعنى واحد، وهو عبارة عن الكتاب.

وجاء في العلم الأعجمي أن (الزبور) هو علم عربي -ليس فيه شبهة عجمة- على كتاب داود عليه السلام، وأن (زبور) بمعنى (مزبور) بالنظر إلى مادته وصيغته فهو كتاب (تسابيح) مقطعات، وقال: «ومن غير الجيد فهمه بمعنى مطلق الكتاب، وإلا لما تميز وحي الله على داود باسم علم يختص به من دون كتب الله على رسله، كما اختص باسمه العلم كل من التوراة والإنجيل والقرآن، وإنما أريد له معنى مضاف يميزه عن غيره من الكتاب المكتوب ... ، إنه كتاب (تسابيح) مقطعات» 54.

واسم كتاب داود في ترجمات العهد القديم هو (سفر المزامير) وهو كذلك في كتابهم المقدس الموجود الآن، وأما في النص العبراني فإن اسمه (سفر تهلّيم) أي: سفر التسابيح، وعليه فالترجمة العربية الدقيقة لاسم هذا السفر (سفر التسابيح) أو (سفر التهليل) 55.

ولقد أشار الله على فضل داود وكتابه الزبور، فقال جل وعلا: {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} [الإسراء:55] .

قال ابن كثير: «وقوله: {وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا} تنبيه على فضله وشرفه» 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت