فهرس الكتاب

الصفحة 1896 من 2431

الكتابة

أولًا: المعنى اللغوي:

(ك ت ب) الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد، يدل على جمع شيء إلى شيء 1. والكتابة لغة: الضم والجمع 2. يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبًا 3. ومن ذلك الكتيبة: وهي الطائفة من الجيش العظيم 4. وتكتبت الخيل، أي: تجمعت.

وتكتبوا: تجمعوا. ومنه: الكتب لجمع الحروف في الخط 5. ومنه: المكاتبة: وهي أن يكاتب الرجل عبده أو أمته على مالٍ ينجمه عليه، ويكتب عليه أنه إذا أدى نجومه في كل نجمٍ كذا وكذا فهو حرٌ 6. وإنما سمي هذا العقد بالكتابة لأنها بمعنى الجمع، ففي المكاتبة ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة، أو لأن فيه جمعًا بين نجمين فصاعدًا، أو لأن كل واحد من العاقدين -أي: المولى والمملوك- يكتب الوثيقة عادة، وهو أظهر 7.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف الكفوي الكتابة بقوله: جمع الحروف المنظومة وتأليفها بالقلم 8.

وجاء في معجم لغة الفقهاء: الكتابة: بكسر الكاف مصدر، (كتب) الكتاب خطه، ما يكتب في القرطاس من الكلام 9. وهذه التعاريف للكتابة كصناعة وعلم.

وردت مادة (كتب) في القرآن الكريم (319) مرة 10.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 30 ... {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة:187]

الفعل المضارع ... 16 ... {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة:282]

فعل الأمر ... 5 ... {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف:156]

اسم الفاعل ... 6 ... {وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة:282]

المصدر ... 255 ... {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) } [البقرة:2]

الجمع ... 6 ... {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء:104]

اسم المفعول ... 1 ... {الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ} [الأعراف:157]

وجاءت الكتابة في القرآن على أربعة أوجه 11:

الأول: الفرض: ومنه قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة:178] ، أي: فُرِض.

الثاني: القضاء: ومنه قوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ} [المجادلة:21] ، أي: قضى الله.

الثالث: الجعل: ومنه قوله: {كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} [المجادلة:22] ، أي: جعل.

الرابع: الأمر: ومنه قوله تعالى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة:21] ، أي: أمركم بدخولها.

القراءة:

القراءة لغة:

القراءة: مصدر قرأت الكتاب قراءةً 12. وفي الصحاح: (قرأ) الكتاب (قراءةً) و (قرآنًا) بالضم، و (قرأ) الشيء (قرآنًا) بالضم أيضًا جمعه وضمه، ومنه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور ويضمها 13. وقد تقرأ فلان: تنسك، واقرأ سلامي على فلان، وأقرأت المرأة: حاضت 14.

القراءة اصطلاحًا:

لا يختلف معنى القراءة في الاصطلاح عن معناها في اللغة.

الصلة بين القراءة والكتابة:

الكتابة هي رسم المقروء، الدال على المقصود، فالمكتوب يكون بالقلم والرسم، والقراءة باللسان والنطق، ويعبر بكلٍ منهما عن الآخر، من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.

السطر:

السطر لغة:

(سطر) السين والطاء والراء أصل مطرد يدل على اصطفاف الشيء، كالكتاب والشجر، وكل شيءٍ اصطف 15. يقال: سطرت الكتاب سطرًا -من باب (قتل) -كتبته 16.

فالأصل في السطر: الخط والكتابة، قال الله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) } [القلم:1] . أي: وما يكتبون 17.

السطر اصطلاحًا:

لا يختلف معنى السطر في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

في قوله تعالى: {وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) } [الطور:2] .

وصف الكتاب بأنه مسطور إشارة إلى أنه مكتوب كتابة في أسطر على نحو ما يكتب الكاتبون، وفي وصفه بأنه في رق منشور إشارة أخرى إلى أنه خفيف الحمل، سهل التداول، وأنه منشور، أي: مفتوح للقارئين، غير مطوي عنهم، وفي هذا كله تنويه بالكتابة، ورفع لقدرها، وأنها باب واسع من أبواب العلم، وطريق فسيح من طرق المعرفة 18.

الصلة بين السطر والكتابة:

(السطر) الصف من كل شيء، يقال: سطر من الكتابة وسطر من الشجر، فهو على هذا أعم من الكتابة بمعناها الاصطلاحي الذي سبق القول إنها: ضم وجمع الحروف بعضها إلى بعض.

الخط:

الخط لغة:

(خ ط ط) خط الشيء بيده يخطه خطًا إذا خطه بقلم أو غيره 19. وخط الكتاب يخطه، وكتاب مخطوط، واختط لنفسه دارًا إذا ضرب لها حدودًا؛ ليعلم أنها له 20.

الخط اصطلاحًا:

الخط: تصوير اللفظ بحروف هجائية، وعند الحكماء: هو الذي يقبل الانقسام طولًا لا عرضًا ولا عمقًا، ونهايته النقطة 21.

وقد وردت هذه المادة (خ ط ط) في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت:48] .

وهي هنا بمعنى: الكتابة.

الصلة بين الخط والكتابة:

الخط: الكتابة والشق 22. فهو أعم من الكتابة، فقد يكون خطًا مقروءًا، وقد يكون غير ذلك، وقد يكون على قرطاس، أو على أرض، أو رملٍ، بينما الكتابة خلافه.

وفي القاموس: الخط: الطريقة المستطيلة في الشيء، أو الطريق الخفيف في السهل، والكتب بالقلم وغيره 23.

أسند الله تعالى في القرآن الكريم الكتابة لنفسه في عدة آيات، بصيغ مختلفة (كتبنا، سنكتب، نكتب، كتب الله، كتبناها، كاتبون، إنا كنا نستنسخ، والله يكتب ما يبيتون، واكتب لنا، فاكتبنا) .

وفي آيات أخرى جعلها من فعل الملائكة، كما قال: {بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف:80] .

وقوله: {إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} [يونس:21] .

وقوله: {كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) } [الانفطار: 11] .

وفي آيات أخرى أطلق الكتابة ولم يسندها لأحد، كما في قوله: {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف:19] .

وقوله: {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} [آل عمران:154] .

وقوله: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ} [النساء: 77] .

وعلى هذا فالكتابة صفة من صفات الله الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة 24، وهي صفة تليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى، فهي من صفات الكمال والجلال، فهو سبحانه يكتب ما شاء، متى شاء، كما يليق بجلاله وعظيم شأنه.

وهذه الكتابة المنسوبة إلى الله تحتمل عدة معانٍ، منها:

يجوز أن يكون المعنى: أن الله أمر القلم أو غيره أن يكتب، فكتب ما أراد سبحانه كما قال الحافظ ابن حجر 25.

ويجوز أن يكون على ظاهره بأنه كتب سبحانه وتعالى بدون واسطة، ويجوز أن يكون قال: كن فكانت الكتابة، ولا محذور في ذلك كله 26.

ويستثنى من ذلك ما جاء النص فيه أنه كتبه بيده، كما في حديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام أن آدم قال لموسى: (أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك التوراة بيده) 27.

فهذا ليس له إلا معنىً واحدٌ، وهو حمله على ظاهره، وهو أن الله تعالى كتب ذلك بنفسه.

ومما يكتبه الله تعالى:

كتب الله سبحانه وتعالى مقادير الأشياء في اللوح المحفوظ، بعد علمه بها سبحانه وتعالى أزلًا، ومما يدل على هذا النوع من الكتابة قوله تعالى: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) } [التوبة:51] .

فـ (كتب) هنا بمعنى قضى وقدر، وأصل الكتابة هنا ما كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ، قال الطبري: {إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا 28. من خير أو شر، أو خوف أو رجاء، أو شدة أو رخاء، وفائدته أنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع -لأن خلاف معلوم الله ومقدوره محال- زالت عنه منازعة النفس، وهانت عليه المصائب، فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا أن العاقبة والدولة تكون لهم، والظفر يقع في جانبهم، فلا معنى لفرح المنافقين في الحال 29.

وعبر بقوله: {لَنَا} ولم يقل: (علينا) لنكتة بلاغية، أي: أن ما كتبه الله فهو خيرٌ، وإن كان في ظاهره مصيبة أو شرًا، لما فيه من الأجر لمن صبر، وجزيل الثواب لمن رضي بقضاء الله سبحانه.

والحاصل: أن مما يكتبه الله تعالى القدر، فالأقدار مكتوبة في الأزل، فلا راد لقضاء الله، ولا مبدل لكلماته.

فالقلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة، من خير وشر، فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروهًا نزل به، أو يجلب لنفسه نفعًا أراده لم يقدر له 30. ولا يستطيع أحد أن يمحو شيئًا مما كتبه الله في اللوح المحفوظ، ولا يمكن أن يحصل هذا، كما في الحديث: (رفعت الأقلام، وجفت الصحف) 31 فلا يمكن أن يغير فيها شيء.

ومن الآيات الدالة على أن الله كتب المقادير كلها قوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) } [الحديد:22] .

فقوله تعالى: {إِلَّا فِي كِتَابٍ} أي: إلا في أم الكتاب 32. أي: اللوح المحفوظ.

قال ابن العثيمين: هذا الكتاب هو اللوح المحفوظ، كتب الله فيه مقادير كل شيء؛ لما خلق الله سبحانه وتعالى القلم قال له: اكتب قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة 33، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، سبحان الله! ما أعظم هذا اللوح الذي يسع كل شيء إلى يوم القيامة!

ولكن ليس هذا بغريب على قدرة الله عز وجل؛ لأن أمر الله تعالى إذا أراد شيئًا يقول له: كن فيكون؛ ولقد كان الإنسان يتعجب من قبل، ولكن لا يستبعد أن يكتب في هذا اللوح مقادير كل شيء، فقد ظهر الآن من صنع الآدمي قطعة صغيرة يسجل فيها آلاف الكلمات، وهي عبارة عن لوحة صغيرة كالقرص تسجل فيها آلاف الكلمات، وقد يسجل فيها جميع كتب الحديث المؤلفة، أو جميع التفاسير، أو جميع كتب الفقهاء، وهي من صنع الآدمي، فكيف بصنع من يقول للشيء كن فيكون؟!

ولما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فالمصائب التي تصيب الناس هي في أمر سابق؛ ولهذا قال: {إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} وقوله: {نَبْرَأَهَا} قيل: إنها تعود على المصيبة. وقيل: على الأرض. وقيل: على النفس. وقيل: على الجميع. والصحيح أنها على الجميع، أي: من قبل أن نبرأ كل هذه الأشياء، أي: أن نخلقها؛ وذلك لأن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة 34.

واسم الإشارة في قوله: {إِنَّ ذَلِكَ} يعود إلى الكتابة في الكتاب.

{إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} يعني: إن كتابة هذه المصائب يسير على الله عز وجل؛ لأنه قال للقلم: اكتب فكتب، وهذا يسير، كلمة واحدة، حصل بها كل شيء 35.

قال الرازي في قوله: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام:59] .

فائدة هذا الكتاب أمور:

أحدها: أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على نفاذ علم الله تعالى في المعلومات، وأنه لا يغيب عنه مما في السموات والأرض شيء، فيكون في ذلك عبرة تامة كاملة للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ؛ لأنهم يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم، فيجدونه موافقًا له.

وثانيها: يجوز أن يقال: إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبة تنبيهًا للمكلفين على أمر الحساب، وإعلامًا بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء؛ لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف، فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى.

وثالثها: أنه تعالى علم أحوال جميع الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى ذلك العلم وإلا لزم الجهل، فإذا كتب أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب على التفصيل التام امتنع أيضًا تغييرها، وإلا لزم الكذب، فتصير كتبة جملة الأحوال في ذلك الكتاب موجبًا تامًا، وسببًا كاملًا في أنه يمتنع تقدم ما تأخر، وتأخر ما تقدم، كما قال صلوات الله عليه: (جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة) 36 37. أي: فرغ من الكتابة التي أمر بها حين خلقه وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.

ثم علل الله تعالى بعد ذلك سبب هذه الكتابة وهذا الإخبار بقوله: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد:23] .

والمعنى: فعل الله ذلك، وأخبركم به؛ لكيلا تتأسفوا على ما فاتكم، ومعنى لا تأسوا: لا تحزنوا، أي: فلا تحزنوا على ما فاتكم منها، ولا تفرحوا فيها 38.

وهذا من مقتضى الإيمان بالقدر الذي معناه: أن تؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.

ومن الآيات الدالة على كتابة المقادير قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) } [الرعد:39] .

وللمفسرين في معنى هذه الآية كلام طويل، لخصه الإمام الشوكاني تلخيصًا حسنًا، فقال: «وظاهر النظم القرآني العموم في كل شيء مما في الكتاب، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة، أو رزق أو عمر، أو خير أو شر، ويبدل هذا بهذا، ويجعل هذا مكان هذا، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون.

وقيل: الآية خاصة بالسعادة والشقاوة.

وقيل: يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة، وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما فيه الثواب والعقاب.

وقيل: يمحو ما يشاء من الرزق.

وقيل: يمحو من الأجل.

وقيل: يمحو ما يشاء من الشرائع فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه.

وقيل: يمحو ما يشاء من الذنوب بالتوبة، ويترك ما يشاء منها مع عدم التوبة 39.

فالمحو والإثبات على هذا يكون في الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما اللوح المحفوظ فلا يقبل المحو، كما قال تعالى: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39] .

أي: الذي لا يقبل بعد ذلك محوًا ولا إثباتًا.

ومنهم من يقول: إن هذا المحو والإثبات في الكتابة لا يمنع أن يكون مما في اللوح المحفوظ من الكتابة الأصلية.

والمحو والإثبات إذا كان في الكتابة الأصلية فهو راجع إلى قدرة الله عز وجل وتقديره، وأن الله يعلم أن هذا سيكون، فلا يتعارض مع كتابته وتقديره وخلقه.

والقول الثاني أولى؛ لما تفيده (ما) في قوله: {مَا يَشَاءُ} من العموم، مع تقدم ذكر الكتاب في قوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد:38] .

ومع قوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39] .

أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ.

فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ، فيكون كالعدم، ويثبت ما يشاء مما فيه، فيجري فيه قضاؤه وقدره على حسب ما تقتضيه مشيئته، وهذا لا ينافي ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: (جف القلم) 40 وذلك لأن المحو والإثبات هو من جملة ما قضاه سبحانه 41.

وهذا هو الظاهر، كما سبق من كلام الشوكاني رحمه الله.

ومن الآيات الدالة على كتابة المقادير قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب:6] .

فقوله: {كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ} أي: في اللوح المحفوظ {مَسْطُورًا} مكتوبًا 42.

قال ابن كثير: أي: هذا الحكم، وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل ولا يغير، قاله مجاهد وغير واحد، وإن كان قد يقال: قد شرع خلافه في وقت؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي، وقضائه القدري الشرعي 43.

ومن الآيات الدالة على الكتابة القدرية قوله تعالى: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) } [الأنفال:68] .

يقول: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله محلٌ لكم الغنيمة، وأن الله قضى فيما قضى أنه لا يضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وأنه لا يعذب أحدًا شهد المشهد الذي شهدتموه ببدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصرًا دين الله؛ لنالكم من الله بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم 44.

وقال في اللباب: فقوله: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ} أي: لولا أنه تعالى حكم في الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب عظيم، وهذا هو المراد من قوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:54] .

وقوله: (سبقت رحمتي غضبي) 45 46.

ومن الآيات الدالة على كتابة القدر قوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [المجادلة:21] .

والمعنى: قضى الله وخط في أم الكتاب لأغلبن أنا ورسلي من حادني وشاقني 47.

وهذا نظير قوله: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) } [الصافات:171 - 173] .

وهذا الوعد لهم بالنصر والغلبة لا ينافيه انهزامهم في بعض المواطن، وغلبة الكفار لهم، فإن الغالب في كل موطن هو انتصارهم على الأعداء، وغلبتهم لهم، فخرج الكلام مخرج الغالب، على أن العاقبة المحمودة لهم على كل حال، وفي كل موطن، كما قال سبحانه: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128] 48.

والمقصود بعد هذا: أن من أنواع الكتابة المسندة إلى الله تعالى كتابة مقادير الخلق في كتاب مبين، وهو الإمام المبين، وأم الكتاب، والذكر، والزبر، واللوح المحفوظ.

وقد ورد في هذا المعنى آيات كثيرة، ففي سورة يونس: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس:61] .

وفي سورة هود بعد بيان علمه بما يسرون وما يعلنون، وما في الصدور {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) } [هود:6] .

وفي سورة النمل: {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) } [النمل:75] .

وفي سبأ: {لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [سبأ:3] .

وفي سورة طه: {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) } [طه:51 - 52] .

وفي سورة الأنبياء: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) } [الأنبياء:105] .

ولهذا كان الإيمان بالكتابة من الأركان الأساسية في الإيمان بالقدر، فيجب الإيمان بأن الله عز وجل كتب مقادير كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وقد ذكر العلماء أن للقدر درجتين:

الدرجة الأولى: أن الله تعالى علم الأشياء قبل وجودها، ثم كتبها في اللوح المحفوظ.

والدرجة الثانية: أن الله تعالى أراد الأشياء الموجودة، ثم خلقها.

فالدرجة الأولى: تتضمن العلم والكتابة، والدرجة الثانية تتضمن الإرادة والخلق 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت