فهرس الكتاب

الصفحة 1406 من 2431

المقصود به عفو المجروح إن كان باقيًا، أو وارثه إن كان هالكًا عن عقوبة القصاص في القتل العمد، أو ما دون ذلك من الأطراف والجروح، فيعفون عفوًا مشروطًا مقيدًا بدفع الجاني أو عاقلته الدية للمجروح إن كان باقيًا أو إلى وارثه إن كان هالكًا مقابل عفوهم عن الجاني، وهو ما يمكن أن يطلق عليه العفو عن القصاص مقابل الدية؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178] .

يعني الولي إذا أعطي شيئًا من المال فليقبله، وليتبعه بالمعروف، وليؤد القاتل إليه بإحسان.

فندبه الله تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة، كما قال عقيب ذكر القصاص من سورة المائدة: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] .

فندبه إلى العفو والصدقة، وكذلك ندبه بما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني؛ لأنه بدأ بذكر عفو الجاني بإعطاء الدية ثم أمر الولي بالاتباع، وأمر الجاني بالأداء بالإحسان 89.

ومقصد الآية الترغيب في الرضا بأخذ العوض عن دم القتيل بدلًا من القصاص؛ لتغيير ما كان أهل الجاهلية يتعيرون به من أخذ الصلح في قتل العمد، ويعدونه بيعًا لدم مولاهم.

وهذا كله في العفو على قتل العمد، وأما قتل الخطأ فإن شأنه الدية عن عاقلة القاتل 90.

وقوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ} [البقرة: 178] .

أي: شيء من العفو؛ لأن عفا لازم. وفائدته الإشعار بأن بعض العفو كالعفو التام في إسقاط القصاص.

وقيل: «عفا» بمعنى ترك، وشيء مفعول به، وهو ضعيف، إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه، بل أعفاه. و «عفا» يعدى بـ «عن» إلى الجاني وإلى الذنب، قال الله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} [التوبة: 43] ، وقال: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95] .

فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام، وعليه ما في الآية، كأنه قيل: «فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه، يعني ولي الدم» 91.

والعفو عن القصاص مقابل الدية ليس على سبيل الوجوب والإلزام، بل على سبيل الجواز والتخيير؛ لما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه: (فمن قتل فهو بخير النظرين: إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل) 92.

وهذا من فضل الله على هذه الأمة، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 178] ؛ لأن أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية، فجعل الله تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة، فمن شاء قتل، ومن شاء أخذ الدية، ومن شاء عفا 93.

تحدث القرآن الكريم عن أسباب العفو الدنيوية والأخروية حاثا للعباد على الأخذ بها؛ لنيل رضا الله تعالى، ومحبة الخلق، وسوف نبين هذه الأسباب فيما يأتي:

أسباب العفو كثيرة، منها:

1.كرم النفس.

فمن كانت نفسه كريمة فإنه سيعفو ويصفح كما عفا أنبياء الله ورسله عن أقوامهم، ومن ذلك عفو يوسف عليه السلام عنه إخوته وقوله لهم: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92] .

وعفو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن أعدائه، فضلا عن أتباعه وأصحابه.

وأيضًا من علم أن الجاني أهلا للعفو؛ فإنه سيعفو ويصفح.

2.استشعار الأجر.

فقد جاءت آيات كثيرة تبين أن للعفو أجورا عظيمة، كقوله تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] .

فبين القرآن أن العفو عن القصاص صدقة، وأن من عفا كفر الله من ذنبه بقدر ما عفا.

وقال تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن: 14] .

فبينت الآية أن من عفا وصفح فقد نال مغفرة الله، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] .

فقد بينت هذه الآية أن العفو والصفح سبب لنيل مغفرة الله؛ ولذلك لما استشعر أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا الأجر العظيم عفا عن مسطح.

وقال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] .

فقد بينت الآية أن الله تبارك وتعالى هو من يتولى مكافأة من عفا وأصلح.

فإذا استشعر العبد هذه الفضائل وجعلها نصب عينيه كانت مدعاة له للتحلي بالعفو والصفح والإحسان.

3.امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

لما سبق في الآيات السابقة أن الصحابة رضوان الله عليهم لما امتثلوا أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم عفا الله عنهم، وأنزل في ذلك آيات تتلى إلى يوم القيامة.

4.التوبة.

فهي أعظم سبب من أسباب عفو الله على العبد؛ فهو سبحانه عفو يحب العافين عن الناس، تواب يحب التوابين؛ ولذلك لما تاب بنو إسرائيل تاب عليهم وعفا عنهم، كما في قوله تعالى عنهم: {ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: 153] .

وفي هذه الآية الكريمة لم يبين سبحانه وتعالى سبب عفوه عنهم ذنب اتخاذ العجل إلها، ولكنه بينه في سورة البقرة بقوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54] 94.

وقد ذكر المفسرون أن في قوله تعالى: {فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ} استدعاء إلى التوبة، والمعنى: أن أولئك الذين أجرموا لما تابوا عفونا عنهم؛ فتوبوا أنتم نعف عنكم 95.

وقال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] .

فمن تاب في الدنيا توبة صادقة تاب الله عليه وعفا عنه في الآخرة.

5.الدعاء.

فهو من أهم أسباب عفو الله على العبد؛ كما دل على ذلك قوله تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286] .

«فقد طلبوا من ربهم أن يعفو لهم عن تقصير إن كان منهم في بعض ما أمرهم به من فرائضه، فيصفح لهم عنه ولا يعاقبهم عليه» 96.

فيستفاد من هذه الآية الكريمة: «أنه ينبغي للإنسان سؤال الله العفو؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير في المأمورات؛ فيسأل الله العفو عن تقصيره؛ لقوله تعالى: {وَاعْفُ عَنَّا} ، وسؤال الله المغفرة من ذنوبه التي فعلها؛ لقوله تعالى: {وَاغْفِرْ لَنَا} لأن الإنسان إن لم يغفر له تراكمت عليه الذنوب ورانت على قلبه، وربما توبقه وتهلكه» 97.

قال الألوسي عند تفسيره لهذه الآية: «فهو تعليم منه تعالى لعباده كيفية الدعاء والطلب منه، وهذا من غاية الكرم ونهاية الإحسان، يعلمهم الطلب؛ ليعطيهم، ويرشدهم للسؤال؛ ليثيبهم» 98.

وقد استجاب الله لهم، كما جاء ذلك مفسرا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 284] .

اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) ، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] .

فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ) قال: نعم. ( {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} ) قال: نعم. ( {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ) قال: نعم. ( {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} ) قال: نعم) 99.

الشاهد قوله: {وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا} قال: (قد فعلت) .

فبينا أن الله قد استجاب للصحابة دعوتهم، ولبى طلبهم، وعفا عنهم، وتجاوز عنهم.

بل إن العبد الصادق في إيمانه المخلص في دعائه إذا دعا الله أن يعفو أولياء المجني عليه على الجاني استجاب الله له، كما جاء في حديث أنس رضي الله عنه: (أن الربيع وهي ابنة النضر كسرت ثنية 100 جاريةٍ 101 فطلبوا الأرش 102، وطلبوا العفو، فأبوا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله؟! لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال:(يا أنس، كتاب الله القصاص) 103، فرضي القوم وعفوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره 104) 105.

7.كرم الله على عباده وتفضله عليهم.

فقد بين القرآن أن الله سبحانه ذو فضل عظيم يتفضل على عباده بالعفو، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] .

ففي هذه الآية أخبر الله تبارك وتعالى بتفضله سبحانه وتعالى بالعفو عن الذين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتاركين طاعته فيما تقدم به إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم بلزومه عنكم، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه عما هو أعظم مما عاقبكم به من هزيمة أعدائكم إياكم، وصرف وجوهكم عنهم، إذ لم يستأصل جمعكم 106.

وقوله تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} بالعفو عنهم وقبول توبتهم، أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛ لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة 107.

8.السيرة الحسنة وعدم تعمد الوقوع في الخطأ.

كما في عفو الله سبحانه عن الرماة الذي خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بملازمة الجبل وعدم النزول منه مهما كانت الظروف، إلا أنهم لما رأوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه قد انتصروا وأن كفار قريش قد انهزموا نزلوا من الجبل، فحصل ما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن معه من الصحابة، فانقلب النصر إلى هزيمة بسبب ذلك، إلا أن الله تبارك وتعالى عفا عن ذلك، فقال تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} ذلك أن هذا الخطأ كان عن اجتهاد ولم يكن عن تعمد.

9.من كان له عذر «ذوو الأعذار» .

{فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99] .

قال الحسن: {عَسَى} من الله واجبة، وقيل: إنها بمنزلة الوعد؛ لأنه لا يخبر بذلك عن شك. وقيل: إنما هذا على شك العباد، أي: كونوا أنتم على الرجاء والطمع 108.

10.الموعظة.

وعظ المجني عليه وحثه على العفو: فقد كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحث على العفو والأمر به، كما في حديث أنس رضي الله عنه: (ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو) 109.

وكل آيات القرآن الكريم الواردة في خلق العفو تشير إلى أنه ينبغي وعظ المجني عليه بالعفو عن الجاني؛ إذ كان أهلا لذلك، ومن تلك الآيات قوله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ} [التغابن: 14] .

نزلت في وعظ أولياء الأمور على العفو عمن تحت أيديهم من زوجات وأولاد وخدم، وما أشبه ذلك.

ولما نزل قول الله تعالى في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ومسطح: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] .

كانت موعظة بليغة له؛ فما كان منه رضي الله عنه إلا أن عفا عن مسطح.

ولما أخطأ أعرابي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهم به، فوعظه أحد الحاضرين بقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ، فعفا عنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سمع هذه الآية.

ولما وعظ أحد الخلفاء بقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] من قبل أحد جواريه عفا عنها.

11.العفو عن الغير.

والعفو اسم من أسماء الله تبارك وتعالى الحسنى، وصفة فعلية من صفاته العلى، فهو سبحانه عفوٌ يحب العفو، بل العفو أحب إليه من العقوبة، وبما أنه تبارك وتعالى عفو يحب العفو فإنه يعفو عمن يعفو عن الناس.

قال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} فمن عفا عن أخيه في الدنيا عفا الله عنه في الآخرة؛ لأن: «الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك، وكما تصفح يصفح عنك» 110.

وإذا عفا أولياء المجني عليه «المقتول» عن الجاني «القاتل» عن عقوبة القصاص، وكذلك الجاني كانت جنايته دون القتل فعفا عن المجني؛ كفر الله عنه من ذنوبه بقدر ما عفا، كما في قوله تعالى: {فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة: 45] .

فقد سئل عبد الله بن عمرو بن العاص عن هذه الآية، فقال: «يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به» 111.

ويؤيد ذلك ما جاء في حديث المحرر بن أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أصيب بشيء في جسده فتركه لله كان كفارة له) 112.

للعفو ثلاث مراتب، وهي:

أولًا: ترك المعاقبة:

مرتبة ترك المعاقبة هي المعنى الأوَّلي المتبادر إلى الذهن، كما يدل على ذلك المعنى الاصطلاحي للعفو فهو باختصار: «ترك المؤاخذة بالذنب» 113.

والمؤاخذة: المعاقبة كما في دعاء الصالحين: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا} أي: لا تعاقبنا 114 {إِنْ نَسِينَا} أمرك ونهيك {أَوْ أَخْطَأْنَا} أي: ففعلنا خلاف الصواب، تفريطًا ونحوه 115.

والمعنى: «اعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين، أو أحدهما» 116 وترك المعاقبة يكون بالفعل والقول، أو هما معا.

وكما يدل على ذلك سياق الآيات الواردة في الحث على العفو، كقوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ} [المائدة: 13] .

ففي هذه الآية حث الله نبيه صلى الله عليه وسلم على العفو، وترك معاقبة من أرادوا به وبأصحابه سوءًا من اليهود، قال ابن جرير عند تفسيره لهذه الآية: «يقول الله جل وعز له: اعف يا محمد عن هؤلاء اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جرمهم بترك التعرض لمكروههم، فإني أحب من أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه» 117.

والحث على العفو عنهم في هذه الآية إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فإن الله سيتولى حسابهم، كما قال ابن جرير: «اعف عن هؤلاء الذين هموا ببسط أيديهم إليك وإلى أصحابك واصفح، فإن الله عز وجل من وراء الانتقام منهم، وسينبئهم الله عند ورودهم عليه في معادهم بما كانوا في الدنيا يصنعون من نقضهم ميثاقه، ونكثهم عهده، وتبديلهم كتابه، وتحريفهم أمره ونهيه، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم» 118.

وفي قوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ} فقد عفا صلى الله عليه وسلم عن الرماة الذين خالفوا أمره، وارتكبوا نهيه، وتجاوز عنهم، وترك معاقبتهم.

وفي قوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .

فقد فهم منها الصحابة رضوان الله عليهم أنها تحث على العفو عن الجاهلين والتجاوز عنهم، وترك معاقبتهم كما يدل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيسٍ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي هل لك وجهٌ عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباسٍ: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه، قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .

وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافًا عند كتاب الله 119.

قال ابن الجوزي: المعنى: «أنه وقف عند سماعها عن إمضاء ما هم به من العقوبة» 120.

بل عملوا بما دلت عليها، وطبقوها في حياتهم العملية، قال ابن حجر: ومعنى «ما جاوزها» ما عمل بغير ما دلت عليه، بل عمل بمقتضاها؛ ولذلك قال: «وكان وقافا عند كتاب الله» أي: يعمل بما فيه ولا يتجاوزه، وفي هذا تقوية لما ذهب إليه الأكثر أن هذه الآية محكمة.

«قال الطبري بعد أن أورد أقوال السلف في ذلك: وإن منهم من ذهب إلى أنها منسوخة بآية القتال والأولى بالصواب أنها غير منسوخة؛ لأن الله أتبع ذلك تعليمه نبيه محاجة المشركين، ولا دلالة على النسخ، فكأنها نزلت لتعريف النبي صلى الله عليه وسلم عِشْرَةَ من لم يؤمر بقتاله من المشركين، أو أريد به تعليم المسلمين وأمرهم بأخذ العفو من أخلاقهم فيكون تعليما من الله لخلقه صفة عِشْرَةَ بعضهم بعضًا فيما ليس بواجب، فأما الواجب فلا بد من عمله فعلًا أو تركًا» 121.

وجاء ذكرها كذلك في قوله تعالى: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التغابن: 14] .

كما يدل على ذلك سبب نزول هذه الآية فقد نزلت في قوم من أهل مكة أسلموا، وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم، فأتوا المدينة، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوهم قد فقهوا فهموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله عز وجل: {وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا} 122 الآية.

وهذه الآية وإن كانت نزلت في شأن قوم مخصوصين إلا أن «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» وبالتالي فهي عامة كما يقول القرطبي: «وخصوص السبب لا يمنع عموم الحكم» 123.

ففي هذه الآية حث الله تبارك وتعالى أولياء الأمور من الآباء والأزواج على العفو عن الضعفاء من زوجات وأولاد وخدم، وترك معاقبتهم، قال النسفي: « {وَإِنْ تَعْفُوا} عنهما أي: الزوجات والأولاد إذا اطلعتم منهم على عداوة، ولم تقابلوهم بمثلها» 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت