ومن مظاهر استدراج الله تعالى: الإطالة في العمر، قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) } [الأنبياء:42 - 44] .
فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمعرضين عن ذكر ربهم: {مَنْ يَكْلَؤُكُمْ} أي: من هو الذي يحفظكم ويحرسكم بالليل في حال نومكم والنهار في حال تصرفكم في أموركم غير الرحمن 92، أي: لا يعترفون بنعمه عليهم وإحسانه إليهم، بل يعرضون عن آياته وآلائه.
ثم قال: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا} ، استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا ولا كما زعموا؛ ولهذا قال: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} ، أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم. ثم قال تعالى: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} ، أي: إنما غرهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال، أنهم متعوا في الحياة الدنيا، ونعموا وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء» 93.
قال البيضاوي: «إضراب عما توهموا ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم، وهو الاستدراج والتمتيع بما قدر لهم من الأعمار، أو عن الدلالة على بطلانه ببيان ما أوهمهم ذلك، وهو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارهم فحسبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ما هم عليه ولذلك عقبه بما يدل على أنه أمل كاذب فقال: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ} ، أرض الكفرة، {نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} ، بتسليط المسلمين عليها، وهو تصوير لما يجريه الله تعالى على أيدي المسلمين، {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} ، رسول الله والمؤمنين» 94.
فحاصل معنى الآيات: «أي: لا تلتفت- أيها الرسول الكريم- إلى هؤلاء المشركين الذين أعرضوا عن ذكر ربهم، والذين زعموا أن آلهتهم تضر أو تنفع، فإننا قد كلأناهم برعايتنا بالليل والنهار، ومتعناهم وآباءهم من قبلهم بالكثير من متع الحياة الدنيا، حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحملهم ذلك على الطغيان والبطر والإصرار على الكفر. وسنأخذهم في الوقت الذي نريده أخذ عزيز مقتدر، فإن ما أعطيناه لهم من نعم إنما هو على سبيل الاستدراج لهم» 95.
ثالثًا: تأخير العقاب:
ومن مظاهر استدراج الله تعالى لعباده تأخير عقابه عنهم، فيتهاونون في معصيته ويتجرؤون عليها، أو يستحلونها -كحال أهل الشرك والكفر- ويعتقدون أنهم على حق في ارتكابها، وما ذلك إلا من استدراجه تعالى لهم، ليزدادوا إثمًا وضلالًا، ولو أن الله تعالى عاجل كل مسيء بالعقوبة لما بقي على ظهر الأرض منهم أحد، كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45) } [فاطر:45] .
قال السعدي: «ذكر تعالى كمال حلمه، وشدة إمهاله وإنظاره أرباب الجرائم والذنوب، فقال: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا} من الذنوب {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} أي: لاستوعبت العقوبة، حتى الحيوانات غير المكلفة. {وَلَكِنْ} يمهلهم تعالى ولا يهملهم و {يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} فيجازيهم بحسب ما علمه منهم، من خير وشر» 96، وقد كان أهل الكفر يغترون بإمهال الله لهم وإمساك العذاب عنهم، وقد ذكر تعالى ذلك في عدة مواضع من كتابه، قال سبحانه: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) } [الأنفال:32] .
أي: يقولون إن كان محمد صلى الله عليه وسلم على حق، فلم لا يعذبنا الله، وما علموا أن ذلك من استدراج الله لهم، قال ابن كثير: «هذا من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم وشدة تكذيبهم، وهذا مما عيبوا به، وكان الأولى لهم أن يقولوا: «اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك، فاهدنا له، ووفقنا لاتباعه» . ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة» 97.
وقال تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8) } [هود:8] .
ولذلك كانوا يستعجلون العذاب من النبي صلى الله عليه وسلم إنكارًا لوقوعه، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرد على المشركين قائلًا: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) } [الأنعام:58] .
«أي: لو أن في قدرتي وإمكاني العذاب الذي تتعجلونه، بأن يكون أمره مفوضًا إلي من قبله تعالى، لقضي الأمر بيني وبينكم، بأن ينزل ذلك عليكم إثر استعجالكم» 98.
وقوله: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ} «أي: بحالهم وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب، ولذلك لم يفوض الأمر إلي ولم يقض بتعجيل العذاب» 99.
وهكذا بين الله تعالى استدراجه بعض خلقه بتأخيره العقاب عنهم، ليزدادوا إثمًا وضلالًا.
1.ذكر القرآن الكريم نماذج كثيرة للمستدرجين في قصص الأمم، وواقع الجماعات والأفراد، ليعتبر منها أولو الأبصار والألباب، ويتعرفوا على سنن الله في خلقه.
قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) } [يوسف:111] .
ومن تلك النماذج:
أولًا: قارون:
وهو من المستدرجين بالمال والثروة.
قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) } [القصص:76] .
قال ابن عاشور رحمه الله: «كان من صنوف أذى أئمة الكفر للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ومن دواعي تصلبهم في إعراضهم عن دعوته اعتزازهم بأموالهم، {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) } [الزخرف:31] .
أي: على رجل من أهل الثروة، فهي عندهم سبب العظمة ونبزهم المسلمين بأنهم ضعفاء القوم، وقد تكرر في القرآن توبيخهم على ذلك كقوله تعالى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) } [المزمل:11] .
وقد ضرب الله الأمثال للمشركين في جميع أحوالهم بأمثال نظرائهم من الأمم السالفة، فضرب في هذه السورة لحال تعاظمهم بأموالهم مثلًا بحال قارون مع موسى عليه السلام 100، أي: كما أن إنعامنا على قارون بالأموال العظيمة، - والتي كانت في غاية الكثرة حتى إن مفاتح خزائنها لتثقل الجماعة القوية عن حمل هذه المفاتيح، فما ظنك بالخزائن؟ 101، كما أن ذلك الإنعام العظيم عليه لم يكن إلا استدراجًا له، بدليل قوله تعالى في آخر قصته: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) } [القصص:81] .
فكذلك أنتم يا كفار قريش وما أوتيتم من الأموال، والتي هي أقل مما أوتي قارون، وأيضًا كما كان قارون يقول عن نفسه وما أوتيه من مال: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78] .
أي: إنما أعطاني الله هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي، فتقديره: إنما أعطيته لعلم الله في أني أهل له 102، وهو من استدراج الله له، كذلك أنتم يا كفار قريش تقولون، وتفخرون بأموالكم، وقد رد القرآن الكريم على قارون.
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص:78] .
«أي: قد كان من هو أكثر منه مالًا، وما كان ذلك عن محبة منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: {وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} أي: لكثرة ذنوبهم» 103.
وقد بيَن الله تعالى في قصة قارون اغترار بعض قوم قارون بحاله، واعتقادهم أن ذلك من الخير العظيم الذي أوتيه.
قال سبحانه: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) } [القصص:79] .
ثم بيَن تعالى أن أهل العلم يعلمون أن ذلك من استدراج الله تعالى، وأن ثواب الله خير وأبقى لمن آمن وعمل صالحًا.
قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) } [القصص:80] .
وهكذا يضرب الله الأمثال لاستدراجه عباده، لعلهم يعتبرون بذلك.
ثانيًا: فرعون وملأه:
ومن المستدرجين بالقوة والملك من الأمم السابقة فرعون وملأه.
قال تعالى حاكيًا عن موسى دعاءه عليهم: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) } [يونس:88] .
قال ابن كثير: «هذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى عليه السلام على فرعون وملئه، لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين، ظلمًا وعلوًا وتكبرًا وعتوًا، قال: {رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً} أي: من أثاث الدنيا ومتاعها، {وَأَمْوَالًا} أي: جزيلة كثيرة، {فِي} هذه {الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ} بفتح الياء 104، أي: أعطيتهم ذلك وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم استدراجًا منك لهم ... وقرأ آخرون: {لِيُضِلُّوا} بضم الياء، أي: ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك، ليظن من أغويته أنك إنما أعطيت هؤلاء هذا لحبك إياهم واعتنائك بهم، {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ} قال ابن عباس، ومجاهد: أي: أهلكها ... {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} ، قال ابن عباس: أي اطبع عليها، {فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} .
وهذه الدعوة كانت من موسى عليه السلام غضبًا لله ولدينه على فرعون وملئه، الذين تبين له أنه لا خير فيهم، ولا يجيء منهم شيء» 105.
وقد اختلف المفسرون في اللام في {لِيُضِلُّوا} على أقوال، اختار منها ابن جرير الطبري وأبو حيان 106 أنها لام (كي) .
قال الإمام الطبري: «ومعنى الكلام: ربنا أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا والأموال لتفتنهم فيه، ويضلوا عن سبيلك عبادك، عقوبة منك. وهذا كما قال جل ثناؤه: {لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [الجن: 16 - 17] » 107.
وقال أبو السعود: «وقيل: اللام للعاقبة وهي متعلقة بآتيت، أو للعلة؛ لأن إيتاء النعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضلال» 108.
وهكذا ذكر الله تعالى استدراجه لآل فرعون بما أعطاهم من الأموال والزينة في الحياة الدنيا، ثم أهلكهم وجعلهم عبرة لمن يعتبر.
ثالثًا: صاحب الجنتين:
ومن أمثلة استدراج الله تعالى للعصاة ما جاء في قصة صاحب الجنتين، وقد ذكرها تعالى في سورة الكهف في سياق الرد على كفار قريش الذين كانوا يفتخرون بأموالهم على فقراء المسلمين وضعفائهم، ويمتنعون عن الجلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم والاستماع له بسبب وجود هؤلاء الفقراء في مجلسه، وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } [الكهف:28] .
قال الشنقيطي: «أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة: أن يصبر نفسه، أي: يحبسها مع المؤمنين الذي يدعون ربهم أول النهار وآخره مخلصين له، لا يريدون بدعائهم إلا رضاه جل وعلا، وقد نزلت هذه الآية الكريمة في فقراء المهاجرين كعمار، وصهيب، وبلال، وابن مسعود ونحوهم، لما أراد صناديد الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم أن يطردهم عنه، ويجالسهم بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين» 109.
وما علم كفار مكة أن كثرة أموالهم، وما هم فيه من النعم، هو من استدراج الله لهم، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يضرب لكفار قريش قصة صاحب الجنتين مثلًا لذلك الاستدراج، وأن إيتاء الله الأموال لبعض عباده، وتركهم يفتخرون بها على غيرهم، لا يدل على حبه تعالى لهم، ورضاه عنهم.
قال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) } [الكهف:32 - 33] .
قال الرازي: «اعلم أن المقصود من هذا أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على فقراء المسلمين، فبيَن الله تعالى أن ذلك مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير الفقير غنيًا والغني فقيرًا، أما الذي يجب حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته، وهي حاصلة لفقراء المؤمنين، وبيَن ذلك بضرب هذا المثل المذكور في الآية» 110.
وقال الحافظ ابن كثير: «يقول الله تعالى بعد ذكر المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم مثلًا برجلين، جعل الله {لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ} ، أي: بستانين من أعناب، محفوفتين بالنخل المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجود؛ ولهذا قال: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا} ، أي: أخرجت ثمرها {وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا} ، أي: ولم تنقص منه شيئًا، {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} ، أي: والأنهار تتخرق فيهما هاهنا وهاهنا» 111.
ثم ذكر تعالى حوارًا دار بين هذين الرجلين، بيَن تعالى فيه ظلم صاحب الجنتين لنفسه، وافتخاره على صاحبه، قال سبحانه: {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) } [الكهف:34 - 36] .
أي: قال «صاحب هاتين الجنتين لصاحبه {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} ، أي: يجادله ويخاصمه، يفتخر عليه ويترأس، {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا} ، أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا» 112.
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُ} ، قيل: إنه أخذ بيد أخيه المؤمن يطوف به فيها ويريه أثمارها 113، {وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} ، أي: «بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد، {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا} ، وذلك اغترار منه، لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى، ولا تفرغ، ولا تهلك، ولا تتلف، وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة» 114.
قال: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً} ، أي: «أنكر البعث بعد إنكاره لفناء جنته، قال الزجاج: أخبر أخاه بكفره بفناء الدنيا وقيام الساعة، {وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي} اللام هي الموطئة للقسم، والمعنى: أنه والله إن يرد إلى ربه فرضًا وتقديرًا كما زعم صاحبه، واللام في {لَأَجِدَنَّ} ، جواب القسم والشرط، أي: لأجدن يومئذ {خَيْرًا مِنْهَا} » 115.
قال أبو السعود: «ومدار هذا الطمع واليمين الفاجرة اعتقادٌ أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي وكرامته عليه سبحانه، ولم يدر أن ذلك استدراجٌ» 116.
وقد بيَن الله تعالى عاقبة استدراجه لهذا الكافر المكذب، فقال: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) } [الكهف:42] .
فأخبر الله تعالى عن ذلك الرجل الكافر الظالم لنفسه، الذي كان يظن أن بساتينه وثماره لن تبيد أبدًا، وأنه أوتيها لخير فيه واستحقاق لها، وأنه إن رد إلى ربه على فرض وقوع ذلك فسيجد أعظم وأفضل من هذه الجنة، - وما ذاك إلا من استدراج الله تعالى له - فأخبر الله تعالى عن عاقبة استدراجه له في الدنيا، فقال: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} ، أي: أحاط الهلاك بصنوف ثماره وأشجاره كما يحيط القوم بعدوهم فيهلكونهم عن آخرهم 117.
قال الفخر الرازي: « {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} وهو عبارة عن إهلاكه بالكلية، وأصله من إحاطة العدو؛ لأنه إذا أحاط به فقد ملكه واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك ومنه قوله: {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف:66] » 118، «والمعنى: أتلف ماله كله بأن أرسل على الجنة والزرع حسبان من السماء فأصبحت صعيدًا زلقًا، وهلكت أنعامه وسلبت أمواله، أو خسف بها بزلزال أو نحوه» 119.
{فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ} ، أي: يقلب كفيه ظهرًا لبطن أسفًا وتحسرًا على ذهاب نفقته التي أنفقها في جنته وعمارتها وتزيينها، وقد ضاعت هباءً، وذهبت سدى، {وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} ، وجنته ساقطة ومتهدمة على دعائمها وعلى سقوفها، والمقصود أن الجنة بجميع ما اشتملت عليه، صارت حطامًا وهشيمًا تذروه الرياح 120.
{وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا} ، أي: أخبر الله تعالى أنه لما سلبه ما أنعم به عليه، وحقق ما أنذره به أخوه المؤمن في الدنيا، ندم على شركه حين لا تنفعه الندامة 121، وقال الزمخشري: «علم أنه أتي من جهة شركه وطغيانه فتمنى لو لم يكن مشركًا، حتى لا يهلك الله بستانه» 122.
رابعًا: الكافر المغتر بماله وولده:
ومن نماذج المستدرجين، الكافر المغتر بماله وولده.
قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) } [مريم:77 - 80] .