فهرس الكتاب

الصفحة 1538 من 2431

تتمثل آثار الوفاء بالميثاق في الحياة الدنيا فيما يأتي:

فقد وصف الله تعالى الموفين لعهودهم ومواثيقهم بالإيمان والسعادة والفلاح: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى? أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى? وَرَاءَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8 ) ) [المؤمنون:1 - 8] .

فرعاية الميثاق من صفات المؤمنين الصادقين، والتخلي عن تلك الصفة إخلال بهذا الوصف وقدح بالموصوف، ورعاية العهد هنا تشمل العهد العام والخاص، فكل ما صدق عليه لفظ العهد فرعايته من الإيمان 122.

كما أن الوفاء بالميثاق هو الذي يحقق الإيمان، وأن الموفين بعهدهم وميثاقهم هم المؤمنون.

قال تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(8 ) ) [الحديد:8] 123.

لقد جاءت التقوى أثرا من آثار الوفاء بعهد الله، وثمرة من ثمرات الالتزام بميثاقه، ونجد أن الوفاء بالعهد بعد الوعد من صفات المتقين الصادقين قال تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ? وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة:177] .

ثم أخبر تعالى على جهة الشرط أن من أوفى بالعهد واتقى عقوبة الله في نقضه، فإنه محبوب عند الله، وأن أهل الوفاء بالعهد والميثاق هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم: (بَلَى? مَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى? فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [آل عمران:76] .

ويأتي ما يؤكده في سورة التوبة في آيتين متقاربتين: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:4] .

وكما أن إتمام العهد والميثاق من التقوى فإن الاستقامة عليه تؤدي إليها: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:7] 124.

وقد أمر الله تعالى بني إسرائيل بتذكر العهود والمواثيق التي أخذت عليهم بالعمل بما فيه لعلهم يتقون: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(63 ) ) [البقرة:63] 125.

وهما غاية الغايات ونهاية المقاصد والحاجات فإذا رضي الله على عبد وأحبه أدخله جناته ووقاه عذابه، وأكرمه في دنياه وأخراه، فقد أثبت الله محبته للمتقين الموفين بعهدهم، المستقيمين على عهودهم ومواثيقهم حتى مع أعدائهم ما استقاموا هم على تلك العهود: (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة:7] .

وقبلها بآيتين: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ( [التوبة:4] .

وكذلك قوله تعالى: (بَلَى? مَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى? فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [آل عمران:76] .

وبهذا تكون محبة الله ثمرة من ثمرات الوفاء بالعهد، وأثرا من آثار الالتزام بالميثاق.

لم تقتصر آثار الوفاء بالميثاق على المسلمين وحدهم، وإنما شمل الكفار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، ولهم عهود مع المسلمين.

فجاءت الآيات صريحة بوجوب الوفاء لهم وصيانة دمائهم وأكثر من ذلك أن الكافر الذي يطارده المسلمون لقتله عندما يلجأ إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق، ويدخل تحت حكمهم، يعصم دمه ويضع حدا لطلبه.

يقول تعالى مبينًا حكم بعض المنافقين: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ? فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى? يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ? وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا(89) ں) [النساء:89] ومع هذا النهي الحاسم والأمر الجازم بالقضاء عليهم ومقاطعتهم ينقلنا القرآن نقلة قوية تضع استثناء لما سبق: (ںإِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ? وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ? فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ?90) [النساء:90] .

ومن هنا فأن أثر الوفاء بالميثاق لم يقتصر على من عقد معه ووفى به، وإنما تعداه إلى آخرين أرادوا صيانة دمائهم المهدرة، فلم يجدوا بدا من اللجوء إلى هؤلاء 126.

كما يعطي أمانًا صريحًا لمن لهم ميثاق في حقن دمائهم وصيانة أهلهم وأموالهم، فالذين آمنوا ولم يهاجروا إن استنصروا المؤمنين في الدين فتجب نصرتهم وحمايتهم إلا في حالة واحدة، إذا كان هذا الاستنصار موجهًا ضد مَنْ للدولة المسلمة معهم عهد وميثاق، فهنا لا نصرة ولا مساعدة، وحق أولئك المعاهدين أولى من حق هؤلاء المؤمنين لقوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [الأنفال:72] 127.

وقد ساوى القرآن بين دية الكافر الذي يقتل خطأ، وهو من قوم معاهدين، بدية المسلم المقيم في دار الإسلام.

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ? وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ? فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ? فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ?92?) [النساء:92] .

وإن كان من قوم بينهم وبين المسلمين عهد فتحرير رقبة وتسليم الدية إلى ذوي الميثاق؛ لئلا تقع ضغينة بين أهل الميثاق والمؤمنين 128.

وردت في عدة آيات من كتاب الله، كوصفهم بأنهم أصحاب العقول السليمة: (إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ?19?الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ?20?) [الرعد:19 - 20] .

ووصفهم بالصدق في قوله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ? وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة:177] .

بعد ذكر الموفين بعهدهم إذا عاهدوا، وأن عملهم من البر فهم أبرار.

ذكر الله سبحانه أنه أخذ ميثاق بني إسرائيل، ثم بين هذا الميثاق وذكر الجزاء على الوفاء به: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ?) [المائدة:12] .

ولما ذكر صفات أولي الألباب ذكر منها أنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، ثم بين عاقبة هؤلاء فقال: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَ?ئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ?22?جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ? وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ?23?سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ? فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ?24? ہ) [الرعد:22 - 24] .

من الآثار التي وردت في أكثر من آية جزاء لمن وفى بعهده والتزم بميثاقه الوعد بدخول الجنة وتكفير السيئات، نجد هذا في قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة:40] .

قال الإمام ابن جرير: «وعهده إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة 129.

أمر الله سبحانه في سورة النحل بالوفاء بالميثاق، ونهى عن نقض الإيمان بعد توكيدها، وحث على الصبر على ذلك، ثم أكد على العهود مرة أخرى بين عاقبة الصابرين، وما أعده لهم من جزاء حسن.

ثم جاء بأسلوب بديع يشير إلى جزاء من عمل صالحا والوفاء بالعهد من العمل الصالح حيث وعده بالحياة الطيبة في الدنيا والجزاء الحسن في الآخرة: (ڑ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ? إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ?91?وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى? مِنْ أُمَّةٍ ? إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ? وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ?92?وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَ?كِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ? وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ?93?وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?94?وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ?95?مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ? وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ? وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?96?مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ? وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?97?) [النحل:91 - 97] .

ويعد الله الموفين بعهدهم بجزاء عظيم يجمله سبحانه ولا يفصله زيادة في التشويق وبيانا لعظم الأجر: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ? فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ? وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ?23?لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ?24?) [الأحزاب:23 - 24] .

جعل الله تعالى وراثة الفردوس والإكرام في الجنات للمؤمنين الذين من صفاتهم الوفاء بالمواثيق والعهود ورعايتها والقيام بها بكل صورها وأشكالها: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8] .

ذكر مآلهم فقال: (أُولَ?ئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ?10?الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?11?) [المؤمنون:10 - 11] .

وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ?32?وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ?33?وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى? صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ?34?أُولَ?ئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ?35?) [المعارج:32 - 35] .

ويبين جنة الفردوس ومنزلتها الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن) 130.

وكذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات، فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله) فذلك قوله تعالى: (أُولَ?ئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) [المؤمنون:10] 131.

وهذه الآية كقوله تعالى: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) [مريم:63] .

وكقوله: (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف:72] .

يترتب على نقض الميثاق بعض الآثار، منها:

أولًا: الإفساد في الأرض:

إن نقض الميثاق يكون سببًا للإفساد في الأرض، ويكون ذلك من خلال أن الإفساد في الأرض صفة من صفات الناقضين لمواثيقهم: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة:27] .

وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد:25] .

وفسادهم فيها هو: عملهم بمعاصي الله، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، وذلك أن التقاطع بين الناس يحصل من رفض المحبة والعداية، ورفضهما سبب كل فساد، فإن القوم إذا أحبوا وعدلوا تواصلوا، وإذا تواصلوا تعاونوا، وإذا تعاونوا عمروا وإذا عمروا عمروا 132.

وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى? ? إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ?19?الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ?20?وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ?21?) [الرعد:19 - 21] .

إلى أن قال: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد:25] 133.

لأن الفساد في الأرض من خصال المنافقين فإذا كانت فيهم الظهرة على الناس، أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم، أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا 134.

كما أن نقض الميثاق المبرم مع الإمام كالبيعة على السمع والطاعة، وكذلك نقض الميثاق من قبل الحاكم بعدم الوفاء لرعيته بالمواثيق التي قطعها على نفسه لهم، يكون سببا للإفساد في الأرض وخاصة في الخروج على الحاكم، فقد روى البخاري عن مصعب بن سعد، «قال: سألت أبي: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا [الكهف:103] : هم الحرورية؟ قال: لا هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين» 135.

وروى الحاكم عن مصعب بن سعد، قال: «كنت أقرأ على أبي حتى إذا بلغت هذه الآية: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) [الكهف:103] .

قلت يا أبتاه أهم الخوارج؟ قال: لا يا بني اقرأ الآية التي بعدها (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105 ) ) [الكهف:105] .

قال: «هم المجتهدون من النصارى كان كفرهم بآيات ربهم بمحمد ولقائه» وقالوا: ليس في الجنة طعام ولا شراب، ولكن الخوارج هم الفاسقون الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون» 136.

والصحيح أن الآية عامة الشمول، وفي الآية التي تأتي بعدها تفسير صريح عن المقصودين، وهم الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه واتخذوا آياته ورسله هزوا، وهذا تعبير شامل ليس فيه أي محل لجعله وصفا لطائفة معينة 137.

ويشير قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) [البقرة:84] إلى أن نقض العهد والميثاق يؤدي إلى سفك الدماء والتهجير من البلدان وذلك أن أهل الملة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة كما قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) 138.

فقد أخذ الله العهد على بني إسرائيل: لا يريق بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم وأوطانهم، وقد جعل غير الرجل كأنه نفسه، ودمه كأنه دمه إذا اتصل به دينا أو نسبا، إشارة إلى وحدة الأمة وتضامنها، وأن ما يصيب واحدا منها فكأنما يصيب الأمة جمعاء، فيجب أن يشعر كل فرد منها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم، فالروح الذي يحيا به والدم الذي ينبض في عرقه هو كدم الآخرين وأرواحهم، لا فرق بينهم في الشريعة التي وحدت بينهما في المصالح العامة.

ويجوز أن يكون المعنى: لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل قصاصا، أو بالإخراج من الديار فتكونون كأنكم قد قتلتم أنفسكم؛ لأنكم فعلتم ما تستحقون به القتل، كما يقول الرجل لآخر قد فعل ما يستحق به العقوبة: أنت الذي جنى على نفسه.

فقد كان سفك الدماء وتقاتل اليهود وطرد بعضهم بعضا من ديارهم ظاهرة شائعة فيهم، وظلت هذه الظاهرة إلى عصر التنزيل القرآني، فكان يهود بني قريظة حالفوا الأوس، ويهود بني النضير حالفوا الخزرج، فإذا نشبت الحرب بينهم، كان كل فريق من اليهود يقاتل مع حلفائه، فيقتل اليهودي يهوديا آخر، ويخرب بعضهم ديار بعض، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والمال، مع أن ذلك محرم عليهم بنص التوراة، وإذا أسر بعضهم فدوهم بالمال، وكانوا إذا سئلوا، لم تقاتلونهم وتفدونهم، قالوا: أمرنا- أي في التوراة- بالفداء، فيقال: فلم تقاتلونهم؟ فيقولون: حياء أن تستذل حلفاؤنا، فأنزل الله: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) 139.

ثانيًا: الكفر لمن ينقض ميثاقه مع الله تعالى:

قرن الله تعالى بين الكفر ونقض العهد معه تعالى في أكثر من موضع في القرآن الكريم، قال تعالى مخاطبا بني إسرائيل مذكرا لهم بالميثاق الذي أخذه عليهم ومبينا الحال التي آلوا إليها: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ? قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ? قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?93?) [البقرة:93] .

وينفي القرآن الإيمان عن النابذين لعهودهم وهم أكثر من الموفين، ولذلك فغير المؤمنين أكثر من المؤمنين، وهذا أحد وجهي تأويل الآية: (. أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ? بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) [البقرة:100] 140.

ويأمر الله تعالى أمرا حاسما لا تردد فيه بقتال ناقضي الميثاق بسبب كفرهم.

قال تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ? إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) [التوبة:12] .

وتستمر الآيات مبينة كفر من كذب بعهد الله وميثاقه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ?7?لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ? وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ?8?) [الأحزاب:7 - 8] .

وبأسلوب الاستفهام يأتي قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?8?) [الحديد:8] 141.

ثالثًا: الفسق:

جاءت الآيات القرآنية مبينة فسق من نقض الميثاق، ووردت بمعنى الكفر، وذلك تأكيد لما سبق من بيان كفر من تخلى عن العهد والميثاق، ففي أول آية جاء فيها لفظة: الميثاق حكم الله على الناقضين بالفسق فقال: (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ?26?الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ?27?) [البقرة:26 - 27] .

والفسوق هو: الترك لأمر الله والخروج عن طاعته، وقال الفراء: الفسق: الخروج عن الطاعة، والعرب تقول: فسقت الرطبة عن قشرها، إذا خرجت، وقد يكون الفسوق شركا، ويكون إثما، والذي أريد به ههنا: الكفر 142.

وكذلك قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ? قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى? ذَ?لِكُمْ إِصْرِي ? قَالُوا أَقْرَرْنَا ? قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ(81) فَمَن تَوَلَّى? بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82 ) ) [آل عمران:81 - 82] .

وكذلك قوله تعالى: (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ? وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ?102?) [الأعراف:102] .

وتؤكد هذه الآيات شناعة فعل الناقضين لعهودهم، وسوء جريرتهم، وأنهم فاسقون لخروجهم عن أمر الله وميثاقه.

والضلال في سواء السبيل، وهذا ما حل ببني إسرائيل لما كفروا بالله وخانوا مواثيقه:(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ? وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ? لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ?12? [المائدة:12] .

وهذه الآيات تبين فسوق وضلال وخسران ناقض الميثاق مع الله تعالى، وإن مصير ذلك إلى الكفر والنفاق وما يترتب على ذلك من العذاب الأليم في الآخرة 143.

رابعًا: الخسران:

قرر القرآن الكريم أن الخسران عاقبة من نقض ميثاقه ونكث بعهده.

قال تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة:27] .

ويؤكد القرآن الكريم أن الخسران مآل من تولى عن أخذ الميثاق كما أمر به الله، مبينا نعمة الله على بعض عباده حيث رحمهم من أن يكونوا من الخاسرين.

قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَ?لِكَ ? فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (64 ) ) [البقرة:63 - 64] .

خامسًا: اللعن وقسوة القلوب والطبع عليها:

لما نقض بنوا إسرائيل عهودهم كانت العاقبة شديدة والأثر أليم، فقد لعنهم الله وجعل قلوبهم قاسية، وتبعا لذلك ضلوا وانحرفوا عن سواء السبيل: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ? يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ? وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ? وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى? خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ? فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ?13?) [المائدة:13] .

وكما يبين سبحانه أنه طبع على قلوبهم جزاء لهم على كفرهم ونقضهم لميثاقهم: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ? بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا(155) [النساء:155] .

وفي آية أخرى يقول تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ?25?) [الرعد:25] 144.

وهذه الآيات بيان من الله للمصير الذي ينتظر الناكثين لعهودهم الناقضين لمواثيقهم، وهو إنذار وتحذير للمؤمنين بل وللناس أجمعين.

سادسًا: الإغراء بالعداوة والبغضاء:

أخذ الله الميثاق على النصارى كما أخذه على اليهود، ولكنهم سلكوا مسلكهم وأخذوا طريقهم، فنقضوا الميثاق وبدلوا في دينهم، وضيعوا أمر الله، فأورثهم الله العداوة والبغضاء وجعلها ملاصقة لهم لا تنفك عنهم، واستحكمت فيهم الخلافات والأهواء، فاختلفوا في نبيهم، وحرفوا كتابهم، وكانوا ضالين في دينهم.

قال تعالى: [المائدة:14] 145.

سابعًا: القتل والتشريد:

من الآثار الدنيوية العاجلة التي تحل بالخائنين، الناقضين للعهود والمواثيق، أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم إن لقي هؤلاء الخائنين وتمكن منهم، أن يعاقبهم عقوبة يؤدب بها من خلفهم، عقوبة قاسية تتعدى آثارها هؤلاء المجرمين إلى ما يقف خلفهم وبتربص بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الدوائر، يكون من آثارها تشريد أولئك المتربصين وتفريق كلمتهم وتشتيت شملهم: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ?56?فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ?57?) [الأنفال:56 - 57] .

وهذا ما فعله رسول صلى الله عليه وسلم عندما ظفر ببني قريظة، تنفيذا لأمر الله من فوق سبع سماوات وأي عقوبة دنيوية أشد من هذه العقوبة، إن أخذه أليم شديد 146.

ثامنًا: الخزي في الدنيا:

لما ذكر الله تعالى المواثيق التي أخذها على بني إسرائيل، ذكر خيانتهم وغدرهم ونكثهم للعهود والمواثيق، ثم هددهم قائلا: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ? فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَ?لِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى? أَشَدِّ الْعَذَابِ ? وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة:85] .

وتأتي الآية التي بعدها مباشرة مؤكدة هذه النهاية المفجعة التي تنتظر هؤلاء الغادرين: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ? فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ?86?) [البقرة:86]

والخزي هو: الذل والصغار، يقال منه: «خزي الرجل يخزى خزيا» ، في الحياة الدنيا، يعني: في عاجل الدنيا قبل الآخرة، وذلك هو حكم الله الذي أنزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من أخذ القاتل بمن قتل، والقود به قصاصا، والانتقام للمظلوم من الظالم، وأخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم، ذلة لهم وصغارا، كما أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير من ديارهم لأول الحشر، وقتل مقاتلة قريظة وسبي ذراريهم، فكان ذلك خزيا في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم 147.

وبين الله سبحانه ما أعده للكافرين الذين لم يصدقوا مع الله فيما أخذه على النبيين من عهد وميثاق، من العذاب الأليم الذي يليق بمكانتهم: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ?7?لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ? وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ?8?) [الأحزاب:7 - 8] 148.

تاسعًا: الموقف المخزي يوم القيامة والعذاب الشديد:

ما ذكره سبحانه عن حال الذين يشرون بعهد الله وإيمانهم ثمنا بخسا زهيدا في الدنيا، حالتهم يوم القيامة شر حالة، ومآلهم شر مآل، ومصيرهم أسوء مصير، فلا خلاق لهم ولا حجة ولا نصيب ولا قوام 149 وأشد من ذلك أن الله لا يكلمهم كلاما يسرهم، ولا ينظر إليهم نظر رحمة وعطف، بل ولا يزكيهم ويطهرهم من ذنوبهم وسيئاتهم في موقف ينتظر كل إنسان رحمة الله وعفوه ومغفرته، ونهايتهم في العذاب الأليم: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَ?ئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?77?) [آل عمران:77] 150.

كما يترتب على نقض العهد السؤال في الآخرة حيث يقف ناقض العهد أمام الباري عز وجل ليسأله عن جريرة اقترفها وذنب عمله: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ? وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا(15 ) ) [الأحزاب:15] .

أما السؤال عن نقض العهد في الدنيا: فإن الظاهر من أقوال المفسرين أن السؤال عن الميثاق يكون في الآخرة لكن يمكن أن يكون المعنى عاما يتناول السؤال عن الميثاق أيضا في الدنيا من خلال المطالبة بالوفاء ممن هو له أو من قبل الحاكم، قال الماوردي: « (وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا) يحتمل وجهين: أحدهما مسئولا عنه للجزاء عليه، الثاني: للوفاء به» 151.

وأما سوء الدار فإنه المصير السيئ ينتظر الناقضين لعهد الله، والنهاية المهلكة مآلهم ومستقرهم، والدار دار سوء لا دار سعادة وفلاح، ولقد حقت عليهم لعنة الله ومقته، قال عز وجل: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ?25?) [الرعد:25] .

عاشرًا: الجناية على النفس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت