أولًا: المعنى اللغوي:
المعاني اللغوية للميسر تدور حول معنى محوري جامعٍ لها، وهو: «سريان الشيء الرقيق في الباطن (أو من الباطن) مستطابًا بلطف واتصال، كما يسري السمن في البدن، وفي ما بين الأسارير، وكوجود اللبن، وكما يطلق اليسر عند العامة على احتباس البول في الدواب» 1.
وقد أشار ابن فارس رحمه الله إلى هذا المعنى المحوري كأول المعنيين الكليين الذين ذكرهما لمادة: يسر، فقال: « (الياء والسين والراء) أصلان يدل أحدهما على انفتاح شيء وخفته، والآخر على عضو من الأعضاء، فالأول: اليسر: ضد العسر، ومن الباب الأيسار: القوم يجتمعون على الميسر، وأحدهم يسر - بفتح الياء والسين أو بفتح الياء وسكون السين -، والكلمة الأخرى: اليسار لليد، يقال: تياسروا، إذ أخذوا ذات اليسار» 2.
والراجح في نظري اشتقاقه من اليسر بمعنى السهولة، حيث هو معنى أصل للتجزئة، ويتضمن معنى الوصول إلى المال بغير تعب، وهذا ما يستنبط من المعنى المحور للمادة، ومن إشارات المؤلفين في غريب القرآن الكريم 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه الإمام مالك رحمه الله في قوله: «الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو: النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار: ما يتخاطر الناس عليه» 4
وعرفه الماوردي الشافعي بقوله: «هو الذي لا يخلو الداخل فيه من أن يكون غانمًا إن أخذ، أو غارمًا إن أعطى» . 5
وعرفه القاضي أبو بكر ابن العربي بأنه: «طلب كل واحد منهما صاحبه بغلبة في عمل، أو قول؛ ليأخذ مالًا جعله للغالب» . 6.
وعرف ابن أبي الفتح البعلي القمار بأنه: «المخاطرة الدائرة بين أن يغنم باذل المال أو يغرم أو يسلم» 7.
وعرفه الشيخ السعدي بقوله: «وهو: جميع المغالبات، التي فيها عوض من الجانبين، كالمراهنة ونحوها» 8.
وهكذا يمكننا القول أن الميسر بمعناه الاصطلاحي في القرآن الكريم يشمل كل معاملة تضمنت مخاطرة أو مراهنة أو مقامرة أو غررًا، فيشمل بيوع الغرر والقمار واللعب بالشطرنج والنرد، وكل معاملة أو لهو كانا سببًا في وقوع العداوة والبغضاء بين الناس، أو الصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
والتعريف المختار أنه: «كل مخاطرة يعلق تمييز مستحق الغُْْْنْمِ والملزم بالغرم من جميع المشاركين فيها على أمر تخفى عاقبته» 9.
وذلك لأنه جامع لكل ما يندرج تحت مفهوم الميسر من صور يجمع بينها المخاطرة والجهالة والتعليق بأمر غيبي، وكذلك يمنع دخول غير أفراد الميسر من المعاملات الأخرى التي اختلف في اندراجها تحت مفهوم الميسر، ويسلم من الاعتراضات.
وردت مادة (يسر) في القرآن الكريم (44) مرة 10، يخص موضوع البحث منها (3) مرات.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المصدر الميمي ... 3 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ} [المائدة:90]
وجاء الميسر في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: القمار، سمي بذلك لسهولة مكسبه 11.
القمار:
القمار لغة:
طلب الغرة والمخادعة، يقولون: تقمرها: طلب غرتها وخدعها. وقامره فقمره إذا راهنه فغلبه، قال في اللسان: وكأن القمار مأخوذ من الخداع يقال: قامره بالخداع فقمره 12.
القمار اصطلاحًا هو:
«تحكيم الغرر في تمييز الغارم من مستحق الفوز والظفر» 13.
ويقصد بهذا التعريف أن تكون جهالة العاقبة محكمة في تمييز الغارم من الفائز في عملية الميسر، حيث لا يدري أي من المتياسرين أيكون فائزًا أو غارمًا، فلا ينبني ذلك على قاعدة مطردة، بل مرجع الأمر إلى ما يخرج من القداح، وهو أمر مجهول حتمًا.
الصلة بين القمار والميسر:
وللتفريق بين الميسر والقمار يقال: الميسر أعم من القمار، فالميسر قد يكون موضوعه اللهو، وقد لا يتضمن مالًا، مثل النرد والشطرنج، أما إذا كان اللعب حول مال يأخذه الغالب من المغلوب، ويبذل فيه المتلاعبون جهدًا عضليًّا، مثل المصارعة والسباق، أو ذهنيًّا مثل لعبة الورق المسماة (بلاك جاك) ، أو لعب الشطرنج على مال، فيكون قمارًا 14.
المراهنة:
المراهنة لغة:
الرهان والمراهنة: المخاطرة، راهن فلانٌ فلانًا على كذا: اتفقا على أن يكون للسابق أو للفائز منهما مالٌ ونحوه يأخذه من الخاسر 15.
المراهنة اصطلاحًا هو:
«عقد يتعهد بموجبه كل من المتراهنين أن يدفع إذا لم يصدق قوله في واقعة غير محققة للمتراهن الذي يصدق قوله فيها مبلغًا من النقود أو أي عوض آخر يتفق عليه» 16.
الصلة بين المراهنة والميسر:
وأما الفرق بين الميسر والرهان، فالميسر أعم من الرهان، فالميسر قد يكون موضوعه اللهو، وقد لا يتضمن مالًا، مثل النرد والشطرنج، أما إذا كان اللعب يتضمن مالًا يأخذه الغالب من المغلوب، ولا يتضمن جهدًا عضليًّا أو ذهنيًّا، مثل لعبة الروليت، أو أوراق اليانصيب، فيكون رهانًا 17.
الغرر:
الغرر لغة:
الخطر، وهو مثل بيع السمك في الماء والطير في الهواء. وقيل: بيع الغرر المنهي عنه ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول 18.
الغرر اصطلاحًا هو:
«ما يكون مجهول العاقبة لا يدرى أيكون أم لا» 19.
الصلة بين الغرر والميسر:
المشهور أن الغرر أعم من الميسر؛ لأن بعض أنواع الغرر لا يصح أن يطلق عليه أنه ميسر، فالبيع الذي فيه غرر، والإجارة التي فيها غرر، وغيرهما من العقود، من الخطأ إطلاق كلمة القمار عليها، وتشبيهها به إلا ما تحققت فيه مميزات القمار؛ وعلى هذا فإن كلمة الميسر أخص من كلمة الغرر، فكل ميسر غرر، وليس كل غرر ميسرًا، فبين الغرر والميسر عموم وخصوص مطلق، كما يقول الأصوليون 20.
وذهب بعض المؤلفين إلى أنه لا علاقة بين الغرر والميسر والقمار أصلًا، فلكل منهما مجاله المختلف عن غيره، فالغرر في رأيهم يختص بالبيوع، والميسر ليس من أنواع البيوع 21.
يقصد بحقيقة الميسر صورته الواقعية في الأزمنة المختلفة، فإذا كان مضمون الميسر واحدًا، فليس من الضرورة أن تتحد صوره وأشكاله، فتلك مظاهر ترتبط بالواقع الاجتماعي والزمني، فميسر الجاهلية بالضرورة يختلف عن ميسر العصر الحديث، والعكس صحيح، كما أن الميسر قبل الإسلام كان عادة اجتماعية ووسيلة من وسائل اللهو، بينما تبدلت الصورة بعد الإسلام، وهذا ما سيظهر من خلال ما يلي:
أولًا: الميسر عند العرب في الجاهلية:
اشتهر الميسر عند العرب في الجاهلية كعادة من العادات الاجتماعية وظاهرة من الظواهر، وهو في الحقيقة صورة تجسد الخلل العقدي وضعف الأصول الدينية لديهم، ولم يكن في أصله لعبةً أو لونًا من اللهو المجرد.
وإذا كان الميسر مذمومًا في الإسلام من وجوه محرمًا بالنص الواجب الاتباع، فقد اعتبروه صورة من صور الكرم والإقدام المحمود أحيانًا، فقد يترتب عليه - رغم ما فيه من إثم -إطعام فقراء العشيرة في الشتاء القارص والبرد الشديد، في موسم الجدب والقحط لقوم جل اعتمادهم على الرعي والتنقل مع المراعي، ولهذا كان التعبير القرآني في آية سورة البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] .
بالنص على أن في الميسر منافع للناس.
قال صاحب المنار: «ومن منافع الميسر مواساة الفقراء كما علمت من عادة العرب التي لا وجود لها الآن» 22.
ويلاحظ هنا أمران:
أولًا: دقة التعبير القرآني في عرضه الواقع والحقيقة، بنصه على اشتمال الميسر على منافع، على الرغم من حكمه بتحريمه، وهذا ينطوي على دلالات متنوعة وبراهين ساطعة لمن تدبر وتأمل، كما لا يخفى ما فيه من إعجاز التشريع كما مر.
قال ابن عاشور: «فإن قلت: ما الوجه في ذكر منافع الخمر والميسر مع أن سياق التحريم والتمهيد إليه يقتضي تناسي المنافع؟ قلت: إن كانت الآية نازلة لتحريم الخمر والميسر فالفائدة في ذكر المنافع هي بيان حكمة التشريع؛ ليعتاد المسلمون مراعاة علل الأشياء، لأن الله جعل هذا الدين دينًا دائمًا، وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرعون لمختلف ومتجدد الحوادث، فلذلك أشار لعلل الأحكام في غير موضع» 23.
ثانيًا: الصعوبة النسبية في الوقوف على حقيقة الميسر في الجاهلية، حيث قطع الإسلام هذا الأمر بتحريمه، فكان سببًا في الصعوبة النسبية في تفسيره والوقوف على حقيقته.
قال أبو عبيد: «ولم أجد علماءنا يستقصون معرفة علم هذا، ولا يدعونه كله، ورأيت أبا عبيدة أقلهم ادعاءً لعلمه، قال أبو عبيدة: وقد سألت عنه الأعراب فقالوا: لا علم لنا بهذا، لأنه شيء قد قطعه الإسلام منذ جاء، فلسنا ندري كيف كانوا ييسرون» 24.
ولعل هذه الصعوبة كانت السبب في عزوف بعض العلماء كابن العربي المالكي عن معالجة الموضوع في كتبهم.
قال ابن العربي في تفسير آية سورة البقرة: «الميسر ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله تعالى، فما حرم الله فعله وجهلناه حمدنا الله تعالى عليه وشكرناه» 25.
وقال أيضًا في تفسير آية سورة المائدة: «وأما الميسر فهو شيء محرم لا سبيل إلى علمه، فلا فائدة في ذكره، بل ينبغي أن يموت ذكره ويمحى رسمه» 26.
وللوقوف على حقيقة الميسر في الجاهلية لابد من ترتيب متعلقاته ترتيبًا فكريًّا يوضح صورته جلية، وذلك من خلال الفروع الآتية:
اتفق الكاتبون من أهل الأدب واللغة والتفسير على أن فصل الشتاء كان زمانًا للميسر عند العرب، حيث الحاجة والعوز، حين تجدب البلاد وتقشعر الأرض ويتعذر القوت على طالبه، وتتضح هذه الصورة وتتجلى إذا تعلقت بقوم غالبيتهم من الأعراب الرحَّل تبعًا للكلأ والمرعى، وكيف السبيل إلى ذلك والحال كما سبق.
وكان العرب يختارون الليل من الشتاء، باعتباره وقت طروق الضيف، وحين اشتداد البرد، فيوقدون النار ليهتدي بها الضيف، وليستطيعوا أن يزاولوا هذا العمل في يسر 27.
وقد سجل الشعر العربي زمان الميسر، فقال الأعشى 28:
المطعمو الضيف إذا ما شتوا
والجاعلو القوت على الياسر
وقد أوضح العلامة عبد السلام هارون رحمه الله مدى حرص العربي على الميسر في الشتاء، طلبًا للمفاخرة والتباهي به صيفًا بقوله: «وكان الرجل من العرب يخشى الصيف، أن يحضر الصيف ولم يكن صنع لنفسه في شتائه مفخرة تذكر له حين تذكر المفاخر، فهو يخشى أن يعير في الصيف بنكوصه عن المشاركة في هذا الجهد الاجتماعي، وإمساك يده عن مساعدة القبيلة.
إذا يسروا لم يورث اليسر بينهم
فواحش ينعى ذكرها بالمصايف 29
اشتملت عملية الميسر - إذا صح التعبير- عند العرب على عدد من الأركان والوسائل والآلات التي لا تتم بدونها، وتفصيلها كالتالي:
1.الجزور.
وهو موضوع الميسر ومحوره الرئيس، إذ بغيره لا تتحقق مقاصد الميسر لدى القوم من التفاخر والكرم ومساعدة الفقراء والمحتاجين وقرى الضيوف.
ولفظ: الجزور كما جاء في المعاجم اللغوية أصله الجزر، وهو القطع، ويطلق على الذكر والأنثى، ولكنهم كانوا أكثر ما ينحرون النوق 30.
وإن كان الأصل اللغوي يبيح المياسرة بما يسمى جزورًا على الإطلاق، إلا إنهم وضعوا قيودًا وضوابط للجزور المستعمل في تلك العملية.
يقول العلامة عبد السلام هارون رحمه الله: «وليست كل ناقة و لا كل بعير بصالح للميسر، وإنما كانوا يتخيرون أسمنها وأنفسها وأعزها عليهم، فكأنما ألهموا من وراء الغيب: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى? تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: 92] » 31.
وكان الأيسار إذا أرادوا أن ييسروا ابتاعوا ناقة بثمن مسمىً يضمنونه لصاحبها، ولم يدفعوا الثمن حتى يضربوا بالأقداح عليها فيعلموا على من يجب الثمن، ويدفع الثمن من خابت سهامهم متضامنين في ذلك بحسب أنصبتهم لو فازوا، إعمالًا لمبدأ: الغرم بالغنم 32.
ومن عاداتهم كذلك التي تواضعوا عليها قبل الضرب بالقداح على الجزور «التأريب» ، وصورته: أن يجعلوا بينهم عدلًا يأخذ من كل منهم رهنًا بما يلزمه من نصيب قدحه إن خاب، مقدرًا كل الاحتمالات التي يتعرض لها الغارمون 33.
وهذا ضرب من محاولة اكتشاف المستقبل ومعرفة الغيب، وتلك أم الآفات وأساس كل فساد.
2.الأيسار.
ويراد بهم القوم المتقامرون على الجزور، أحدهم: يسر - بفتح الياء والسين-، والأيسار واليسر تسميتهم الأصلية، وقد يقال لهم: ياسرون وأحدهم ياسر على خلاف الأصل؛ لأنهم أيضًا جازرون، إذ كانوا سببًا لذلك 34.
3.الجزار.
وهو من يقوم بتقطيع الجزور، وربما سمي: الياسر كما مر، ويسمونه: «القدار» ، ووظيفته معلومة، وله من الجزور نصيب مما سوى الأصول وهو الريم 35.
4.قداح الميسر.
وتسمى عند الأيسار: قداحًا، وزلمًا، وقَلْمًا، وأكثرها استعمالًا: «القِدْح» 36 - بكسر القاف وسكون الدال-، وهي عيدان تتخذ من النبع 37، ولذلك وصفت بالاصفرار، وكانوا يستحسنون نحتها من غصون الشجر وقضبها، لخلوها من العقد، وتوصف بالتشابه في المقادير، لأنها لو اختلفت قد يتمكن الضارب من الحيلة فيها، وهي كصغار النبل، وتجعل سواءً في الطول، وتختلف في العلامات والرسوم، ولها رأس صغيرة ناقصة عن مقدار جسمها، ولها طرائق وخطوط مستقيمة ومنحنية تكون في لون العود، تعرف بالسفاسق 38.
وكذلك يكون القدح مدورًا أملس كالسهم خاليًا من القوادح والسوس، ويمتاز بالرزانة والسلامة وحسن الصوت إذا ضرب به 39.
ولابن الحاجب رحمه الله في أسماء قداح الميسر ثلاثة أبيات، وهي 40:
هي فذ وتوأم ورقيب
ثم حلس ونافس ثم مسبل
والمعلى والوغد ثم سفيح
ومنيح وذي الثلاثة تهمل
ولكل مما عداها نصيب
مثله أن تعد أول أول
وقداح الميسر على ضربين:
أولهما: قداح الحظ: وهي سبعة:
وتتميز القداح السابقة بتشابه أجسامها، فلا يمتاز بعضها من بعض إلا بعدد الفروض، وهي الحزوز التي تحز فيها لتبين قدرها، فللفذ حز وللتوأم حزان، وللرقيب ثلاثة، وهكذا، وربما كانت هذه الحزوز بالنار، وتكون في تلك الحالة موسومة غير محزوزة 43.
الثاني: القداح التي لا حظ لها ولا نصيب:
ذهب أكثر المؤلفين والكاتبين 44 إلى أن السهام التي لا تفوز في الميسر بنصيب ثلاثة هي:
والثلاثة السابقة كما وصفها ابن قتيبة ليس عليها علامات ولا سمات، ولذلك تدعى: «الأغفال» ، وسميت بذلك لخلوها من العلامات، وجعلها مع السبعة ذوات الحظوظ لأجل أن يكثر بها العدد، ولتؤمن بها حيلة الضارب 45.
وذهب بعض المؤلفين إلى أن السهام التي لا حظ لها أربعة، وهي: السفيح والمنيح والرقيب، وهو الضريب، والوغد 46.
وأجود من القول السابق قول من فسر الأربعة بأنها: المصدر والمضعف والمنيح والسفيح 47.
وقد يبدو للقارئ بعض الغرابة في القول الثاني، حيث جعل الرقيب، وهو السهم الثالث من سهام الحظ السابقة غفلًا.
ويمكن إزالة هذه الغرابة بإدراك أمرين:
الأول: ثبوت الاضطراب في أسماء قداح الحظ والأغفال لعدم حفظ الأعراب لها، وذلك لتحريم الميسر في الإسلام.
قال أبو عبيد: «سألت الأعراب عن أسماء القداح فلم يعرفوا منها غير المنيح، ولم يعرفوا كيف يفعلون في الميسر» . 48
الثاني: - وهو أجود من الأول -ثبوت استعارة الأيسار لبعض أسماء القداح تيمنًا وتطيرًا، ويعرف هذا بالخياض.
قال الأزهري: « ... وقال اللحياني: المنيح أحد القداح الأربعة التي ليس لها غنمٌ ولا غرمٌ، إنما يثقل بها القداح كراهة التهمة؛ أولها المصدر ثم المضعف ثم المنيح ثم السفيح، والمنيح أيضًا قدح من قداح الميسر يوثق بفوزه فيستعار ليتيمن بفوزه، فالمنيح الأول من لغو القداح، وهو اسم له، والمنيح الثاني هو المستعار» . 49
وقال أيضا: « ... والخياض: أن تدخل قدحًا مستعارًا بين قداح الميسر تتيمن به، يقال: خضت به في القداح خياضًا، وخاوضت القداح .. خواضًا» .50
5.الخريطة.
وهي وعاء من الجلد أو نحوه يشد على ما فيه مثل كنانة سهام الرمي، توضع فيها القداح، وهي واسعة بقدر يمكن من استدارة القداح فيها واستعراضها، وفمها ضيق بقدر أن يخرج منها قدحان أو ثلاثة، وتسمى أيضًا: «الربابة» بكسر الراء. 51
6.الحرضة 52.
وهو بضم الحاء وسكون الراء، ويسمى أيضًا: (المجيل) ، و (المفيض) ، و (الضارب) : الرجل المكلف بتقليب السهام في الخريطة وإفاضتها 53.
ثم دفعها من فم الخريطة، وتعصب الخريطة على يديه، وذلك بعد لف يده بقطعة من جراب، لئلا يجد مس قدح تكون له مع صاحبه محاباة، وأحيانًا يشدون عينيه بعصابة ليحولوا بينه وبين رؤية القداح، ويقوم بذلك الرقيب، ويوصف الحرضة بأنه رجل من الرجال ساقط، لأنه لم يأكل لحمًا قط بثمن، إنما يأكله عند الناس وفي المآدب، ويوصف أيضًا بحدة النظر وسرعة تقليبه، حتى صار ذلك مثلًا، فقالوا: «نظر بعين مفيض» 54.
7.الرقيب.
ويسمى أيضًا: (رابئ الضرباء) 55.
ويختار في العادة من الأمناء الموثوق بهم من الرجال، ومهمته مراقبة الحرضة وإدارة رحى الميسر، ويجلس خلف الحرضة، ليتمكن من مراقبته، ومن مضامين وظيفته أيضًا تسلم السهام بعد خروجها من الخريطة ليعلم من صاحبها وليعلن اسمه في حالة الفوز، وكذلك رد السهام الأغفال إلى الربابة إن خرجت مرة، وهو من يأمر الحرضة بجلجلة الأقداح في الخريطة وإفاضتها حتى يخرج سهم من قداح الحظ السبعة 56.
ويسمى أيضًا: المجمد، وأصل معناه: البخيل المتشدد، ثم جعل اسمًا للرقيب أو الأمين، لما يقوم به من إلزام كل ذي صاحب سهم بسهمه، ومراقبته للحرضة 57.
3.طريقة تقسيم الجزور.
ذكر المفسرون 58 قديمًا وحديثًا خلافًا في طريقة تقسيم الجزور في عملية الميسر، والخلاف الذي ذكره المفسرون يعتبر من مروياتهم، وهو متفق مع ما ذكره الأدباء وأهل اللغة.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: «وقد اختلفوا في عدد الأجزاء فقال أبو عمرو: على عشرة أجزاء وقال الأصمعي: على ثمانية وعشرين جزءا ولم يعرف أبو عبيدة لها عددًا» 59.
ويمكن إجمال كلامهم في ثلاثة آراء:
الأول: وذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الجزور تقسم إلى ثمانية وعشرين جزءًا على عدد سهام الميسر ذوات الحظوظ، وذلك لأن مجموع أنصباء السهام ثمانية وعشرون نصيبًا، ونسب هذا إلى الأصمعي.
قال أبو جعفر النحاس: «وزعم الأصمعي أن الميسر كان في الجزور خاصة كانوا يقتسمونها على ثمانية وعشرين سهما» 60.
الثاني: وذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الجزور تقسم إلى عشرة أجزاء، ونسب هذا القول إلى أبي عمرو الشيباني.
قال أبو جعفر النحاس: «وقال أبو عمرو الشيباني: كانوا يقتسمونها على عشرة أسهم ثم يلقون القداح ويتقامرون على مقاديرهم، وهذا القول ليس بناقض لما تقدم» 61.