وقد ورد اتباع الآباء واضحًا في قوله تعالى: (فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ?66?ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ?67?ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ?68?إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ?69?) [الصافات: 66 - 69] .
حيث إن الآية التاسعة والستين جاءت تعليلًا بما جازى الله تعالى الكافرين به من العذاب، وإبداءً للمناسبة، بينه وبين جرمهم، فإن جرمهم كان تلقيًا لما وجدوا عليه آباءهم من الشرك وشعبه، بدون نظر ولا اختيار لما يختاره العقل، فكان جزاؤهم أنهم يطعمون طعامًا مؤلمًا، ويسقون شرابًا قذرًا، بدون اختيارٍ منهم، كما تلقوا دين آبائهم تقليدًا واعتباطًا 94.
فإن أولئك القوم وجدوا آباءهم على ضلالة، فهم على آثار آبائهم يسرعون، ولقد ضل عن قصد السبيل قبلهم من الأمم الخالية 95.
وبعد كل ما تقدم من بيان تقليدهم لآبائهم في الكفر، يتضح أنهم عريقون في الضلالة، وهم في الوقت ذاته مقلدون، لا يفكرون ولا يتدبرون، بل يطيرون معجلين يقفون خطى آبائهم الضالين غير ناظرين، ولا متعقلين، وقد كان ضلالهم بعد الإنذار والتحذير، وفي ذلك يقول تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ(72) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) [الصافات:72 - 73] 96.
ويقصد بمجالات الضلال هنا تلك الجوانب التي يقع فيها انحراف وضلال، وهي:
أولًا: العقائد:
سنتناول هنا بيان ضلال الكافرين عن اتباع الدين، في أصوله ومعتقداته؛ حيث إن القرآن الكريم بين ضلالهم من خلال جوانب عديدة، منها:
1.ضلالهم بالكفر بكل الدين مجمله ومفصله.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى? رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ? وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ?136?) [النساء: 136] .
والضلال هنا بعدٌ عن الحق، وقد جاء في رأس هذه الآية أمرٌ للمؤمنين بأن يؤمنوا بالله تعالى، أي: يثبتوا على الإيمان، كأن تقول للرجل الواقف: اثبت واقفًا، وقال البعض: هو خطابٌ للمنافقين، الذين آمنوا باللسان أن يؤمنوا بالقلب، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خطابٌ لأهل الكتاب، أي: أنهم كما آمنوا بموسى وعيسى -عليهما السلام-، يؤمرون في هذه الآية بأن يؤمنوا بمحمد، والكتاب الذي نزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن، والكتاب الذي أنزل من قبل، أي: كل الكتب المنزلة من قبل القرآن 97.
2.الضلال بعبادة غير الله تعالى.
قال تعالى: (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(149 ) ) [الأعراف: 149] .
ولما ندم الذين عبدوا العجل الذي وصف جل ثناؤه صفته عند رجوع موسى صلى الله عليه وسلم إليهم، واستسلموا لموسى صلى الله عليه وسلم، وحكمه فيهم، ورأوا أنهم قد جاروا عن قصد السبيل، وذهبوا عن دين الله تعالى، وكفروا بربهم، عندها قالوا تائبين إلى الله تعالى، منيبين إليه من كفرهم به: (لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) 98.
وفي هذه الآية دليلٌ على أن بني إسرائيل الذين اجتازوا البحر مع نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم، ونجوا بفضل الله تعالى من فرعون وقومه، قد ضلوا حينما أخرج لهم السامري عجلًا جسدًا له خوارٌ، وقال لهم: هذا إلهكم وإله موسى، وبعد تلبسهم بعبادته أرادوا أن يرجعوا إلى الله تعالى تائبين منيبين، وقبل أن يقبل الله تعالى توبتهم رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا؛ لأن الله تعالى كان قد أخبره أن قومه قد فتنوا، وأن السامري قد أضلهم؛ فكان حال رجوعه حال غضبٍ وأسف، فلا تنفع بني إسرائيل الشرائع ما داموا قد كفروا بالعقائد؛ ولذلك ألقى الألواح وفعل ما فعل بأخيه هارون، إذ إنه أوصاه قبل أن يذهب إلى ربه أن يصلح ولا يتبع سبيل المفسدين، فابتدره أخوه هارون صلى الله عليه وسلم قائلًا له: (ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [الأعراف: 150] .
وعندها استغفر موسى صلى الله عليه وسلم له ولأخيه هارون صلى الله عليه وسلم وطلب أن يدخلا في رحمة الله تعالى.
وقد ورد في آياتٍ أخرى أنه ليس هنالك أضل ممن يدعو من دون الله تعالى من لا ينتصر ولا يستجيب، وذلك مثل قوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ?5?) [الأحقاف: 5] .
والمراد: ليس هناك أضل ممن يقف أمام الأصنام والأوثان، ويطلب منهم الرزق والخير، وما شابه؛ لأنهم لا يمكن أن يستجيبوا له إلى يوم القيامة، فهم لا يسمعون، ولا يفهمون؛ إذ إنهم غافلون 99.
وقد وردت آية أخرى في السياق نفسه تبين أن الذي يختار الكفر بعد إيمانه فهو ضالٌ، قال تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى? مِن قَبْلُ ? وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) [البقرة: 108] .
حيث قيل في معنى هذه الآية: إنه من يتبدل الشدة بالرخاء فقد عدل عن السبيل 100، وقيل: من يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عما لا يعنيه بعد وضوح الحق فقد ضل سواء السبيل 101، والراجح أن الكفر هنا ما هو مخرجٌ من الملة، وإن كان السياق القرآني حمالًا للمعاني السابقة.
3.ضلال الكافرين في يأسهم من رحمة الله.
قال تعالى: (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر: 56] .
حيث إن نبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين طلب من ضيوفه الملائكة بعدما بشروه بغلامٍ عليم -وهو النبي إسحاق صلى الله عليه وسلم - أن يبينوا له بأي شيء يبشرون؟ فقالوا له: بشرناك بالصدق، فلا تكن من اليائسين من رحمة الله تعالى، فأجابهم بسؤال فيه دهشة واستغراب، ومن ييأس من رحمة ربه إلا الضالون الجاهلون الذين خسروا الدنيا والآخرة؟! حيث إن القنوط من رحمة الله تعالى كبيرةٌ، سيما إذا كان من جهة الولد 102.
4.حكم الله تعالى على الضالين بأنهم لن يهتدوا.
قال تعالى: (إِن تَحْرِصْ عَلَى? هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ ? وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ(37 ) ) [النحل: 37] .
أي: إن تحرص يا محمد صلى الله عليه وسلم على هدى هؤلاء المشركين على الإيمان بالله تعالى، واتباع الحق، فإن من أضله الله تعالى لا هادي له، فلا تجهد نفسك في أمره، وبلغه ما أرسلت به؛ لتتم الحجة، ثم إنهم ما لهم من ناصرٍ ينصرهم من الله تعالى إذا أراد عقوبتهم 103.
5.المفاصلة العقدية بين الحق والباطل.
قال تعالى: (فَذَ?لِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ? فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ? فَأَنَّى? تُصْرَفُونَ) [يونس: 32] .
أي: هذا الدين كله الالتزام به هو الحق، وليس هؤلاء الذين جعلتموهم معه شركاء، فماذا بعد عبادة الله تعالى الحق إلا الضلال الذي هو عبادة الشيطان، فكيف تصرف عقولكم إلى عبادة من لا يرزق ولا يحيي ولا يميت؟! 104.
ثانيًا: الأحكام الشرعية:
نتناول هنا بيان ضلال المضلين في الأحكام الشرعية، التي تعتبر المفصل للعقائد، التي سبق ذكر بعضها، ومن هذه الأحكام الشرعية: العبادات، والمعاملات.
وسيتم الوقوف على كل واحدٍ من هذين التفرعين، بما يعالج هذا الموضوع -إن شاء الله تعالى-.
أما العبادات: فقد وردت آية توضح ضلال المتمسكين بغير الله تعالى، وهم يظنون أن هذا خيرٌ لهم عند الله تعالى، قال الله عز وجل: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَ?ؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ? قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ? سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ ?18?) [يونس: 18] .
أي: ومن شأن المعبود القدرة على النفع والضر، وليس هذا متوفرًا لدى الأوثان، التي هي جمادٌ لا تقدر على فعل أي شيء، فهلا تخبرون الله تعالى بكونهم شفعاء عنده، وهذا إنباء بما ليس بمعلوم الله تعالى، فإن قيل: كيف أنبأوا الله بما لا يعلم؟
فالجواب هو أن هذا تهكمٌ بهم، وبما ادعوه من الحال الذي هو شفاعة الأصنام، وإعلام بأنه الذي أنبأوا به باطل؛ فكأنهم يخبرونه بشيء لا يتعلق علمه به، كما يخبر الرجل بما لا يعلمه 105.
وأما المعاملات: فقد ورد ذلك في آياتٍ تبين أن العلاقة بين الإنسان وربه ليست علاقة ضلال؛ لأن الله تعالى يبين الحق من الباطل؛ فإما أن يشكر الإنسان فيهتدي، وإما أن يكفر فيضل، قال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى? يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ? إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(115 ) ) [التوبة: 115] .
هذه الآية من تتمة ما تقدم من تأكيد مباينة المشركين، والبراءة منهم، وترك الاستغفار؛ وذلك لأنهم حقت عليهم الكلمة، حيث قامت عليهم الحجة بإبلاغ الرسول إليهم ما يتقون، ودلالته إياهم على الصراط السوي، فضلوا عنه فأضلهم الله، فاستحقوا عقابه، إنه تعالى عليمٌ بجميع الأشياء 106.
وليس من قبيل العادة في القرآن الكريم أن يصف الله تعالى المشركين بأنهم ضالون عن طريق الحق، وأن أحكامه تجري عليهم بعد أن هداهم للإسلام؛ حتى يبين لهم بالوحي صريحًا أو دلالةً ما يجب اتقاؤه من محظورات الدين، فلا ينزجر أحدٌ عما نهي عنه قبل إنزال الشرائع الحقة؛ لأنه لا يسمى ما صدر عنهم ضلالًا، ولا يؤاخذون به، فكأنه تسليةٌ للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك، وفيه دليلٌ على أن الغافل غير مكلف بما لا يستند بمعرفته العقل 107.
ثم وردت آية أخرى في سياق الضلال في المعاملات، تبين العلاقة بين الناس بعضهم لبعض، بين فريق المؤمنين المهتدين، وبين فريق الكافرين الضالين، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ? لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ? إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [المائدة: 105] .
أي: الزموا أمر أنفسكم وإصلاحها، واحفظوها من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب، فواجبٌ عليكم أنفسكم 108.
والضلال هنا ليس ضلال الكفر، ولكن في الضلال عن الحق في الإسلام؛ لأن من المسلمين من يقصرون فيجب دعوتهم إلى الحق، وإذا لم يلتزموا فعندها لا يضر من دعاهم هذه الضلالة التي هم فيها 109.
وقد وردت آية كريمة تبين أن المشركين حينما أقيمت عليهم الحجة بأمرهم بالإنفاق في سبيل الله تعالى توطئةً لأمرهم بالإسلام إذا بهم يقلبون الحق ضلالًا، وهذه الآية هي قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [يس: 47] .
فإن هذه الآية تأتي في سياق الحديث عن المشركين الذين من الكفر ما بلغوا؛ حيث تبين أنهم إذا قيل لهم من قبل المؤمنين الداعين إلى الله تعالى: أنفقوا مما منحكم الله تعالى من الرزق، وهذا لإقامة الحجة عليهم؛ لبيان ضلالهم؛ إذ إنه ليس بعد الكفر ذنب، حينها يردون على المؤمنين بقولهم: إذا لم يشأ الله أن يطعمهم لم نطعمهم؟ ثم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين أن المشركين وصلوا إلى عمىً عن الحقيقة؛ حتى قلبوا الموازين فقالوا للمؤمنين: ما أنتم إلا غارقون في الضلال البائن بينونةً واضحةً 110.
ثالثًا: الأخلاق:
ورد في القرآن الكريم ما يبين أن أهل الضلال لازمهم صفة البعد الكامل عن الأخلاق، كما أن القرآن الكريم بين أن الدعاة استخدموا مصطلح الضلالة في دعوتهم لأقوامهم، وسيتم الوقوف -إن شاء الله تعالى- هنا على بعض النماذج القرآنية لكل نقطة من النقطتين السابقتين، وذلك فيما يأتي:
قال تعالى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَ?ذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ?41?إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ? وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ?42?) [الفرقان: 41، 42] .
حيث يبين الله تعالى في هاتين الآيتين أن المشركين إذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم لا يتخذونه إلا هزوًا، متسائلين سؤالًا فيه عدم تقدير، أهذا الذي بعث الله رسولًا، ثم يتمادون في قلة أدبهم، وبشاعة ألفاظهم، وزيادة تعديهم على حدود الإنسانية، بقولهم: لقد كاد محمد صلى الله عليه وسلم أن يصرفنا عن طريق الحق، وعن عبادتنا، ولكننا حبسنا أنفسنا على عبادتها، ويبين الله تعالى أنهم سوف يعلمون حين يرون العذاب -وكانت يوم بدر-من أضل دينًا؟ أهم أم محمد صلى الله عليه وسلم 111، ويجوز أن يكون العذاب في الآخرة عند الله تعالى 112.
وقد ورد ذلك في حق نبي الله تعالى موسى صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} [الشعراء: 20] .
أي: «قال موسى لفرعون: فعلت تلك الفعلة التي فعلت، أي: قتلت تلك النفس التي قتلت إذًا وأنا من الضالين. يقول: وأنا من الجاهلين قبل أن يأتيني من الله وحي بتحريم قتله علي» 113.
ولا شك أن هذا المصطلح يحمل بين جنباته تأدبًا عظيمًا من النبي موسى صلى الله عليه وسلم؛ إذ إنه حسم النقاش بكونه فعل تلك الفعلة، وكان من الجاهلين عن معرفة ذلك الحكم، فهو يبين أن عذره فيما فعل كونه جاهلًا، ولم تأته الرسالة بعد.
وقد ورد في القرآن الكريم ما يبين أن العبد الصالح الذي انتصر للرسل الثلاثة الذين كذبهم قومهم، قال لقومه: إن اتخذت آلهةً من دون الله تعالى إني إذًا لمن المنحرفين عن المنهج، والكافرين بالله، حيث قال تعالى: {إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يس: 24] .
إن الضلال بكل جوانب معناه الشامل تتحدد له مظاهر، يحكم من خلالها على أن هذا المظهر دالٌ على الضلال، وسيتم هنا -إن شاء الله تعالى- توضيح لكل مظهرٍ على حدة، من خلال الآتي:
أولًا: الشرك بالله تعالى:
إن الشرك بالله تعالى من الأمور التي يصل من خلالها الإنسان إلى الضلال الكبير، ويمكن توضيح هذه الظاهرة من خلال ما يأتي:
1.تفضيل الحياة الدنيا على الآخرة، والصد عن سبيل الله يؤدي إلى الضلال.
قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [إبراهيم: 30] .
إن كفار قريش وأمثالهم ممن هم على طريقتهم نفسها قد جعلوا لله تعالى أمثالًا في العبادة، أو في التسمية، وكل هذا لأجل الإضلال عن طريق الحق 114.
وإن الإضلال عن سبيل الله يعني الإضلال عن التوحيد، حيث يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم على سبيل التوبيخ بأن يتمتعوا بشهواتهم وعبادة الأوثان، والأمر يحمل معنى التهديد أيضًا إيذانًا بأن المهدد عليه كالمطلوب للإفضاء إلى المهدد به، وأن الأمرين كائنان لا محالة، ولذلك علله بقوله: {فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} ، وأن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من أمر المطاع 115.
2.الإشراك بالله تعالى ضلالٌ بعيد.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 116] .
هذه الآية تعقيب على الآية السابقة؛ للإشارة إلى أن المراد باتباع غير سبيل المؤمنين اتباع سبيل الكفر، من شرك وغيره، فعقبه بالتحذير من الشرك 116.
ومعنى الآية إذًا: فقد سلك غير طريق الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدارين 117، وإن كل ذنبٍ قابلٌ للغفران إلا الإشراك بالله تعالى، وعبادة غيره، ومعاندة رسول الله الحق، فإن الله تعالى من شأنه المغفرة إلا أن يشرك في عبادته، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء 118.
ثانيًا: عبادة الأصنام والأوثان:
وقد برز ذلك واضحًا في آياتٍ، منها:
قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74] .
أي: اذكر أيها الرسول لهؤلاء المشركين الذين تبين لك بالحجج بطلان شركهم، حين قال إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر منكرًا عليه وعلى قومه شركهم وعائبًا عليهم جميعًا عبادة الأصنام دون الله تعالى، ثم قال له: إني أراك وقومك الذين يعبدون هذه الأصنام في ضلال عن الصراط المستقيم؛ فهو ضلالٌ بينٌ لا شبهة فيه للهدى 119.
وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [إبراهيم: 35، 36] .
وهذا دعاءٌ من نبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم لله تعالى أن يجعل مكة المكرمة بلدًا آمنًا، وأن يباعده الله تعالى وبنيه عن عبادة الأصنام، ثم تعلل الآية الثانية بأن هذه الأصنام أضلت عن الطريق المستقيم كثيرًا من الناس، وتأتي الفاصلة القرآنية لتدلل على تأدب نبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم في الطلب من الله تعالى لصالح بنيه، حيث يقول: من اتبع منهجي التوحيدي لله فهو مني، ومن عصاني بضلاله أو إضلاله عن الدين فيما دون الشرك فإنك غفور رحيم 120.
وقال تعالى: {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء: 54] .
أي: في ضلال بين واضحٍ، وأي ضلال أبلغ من ضلالهم في الشرك وترك التوحيد، أي: فليس ما قلتم يصلح للتمسك به، وقد اشتركتم وإياهم في الضلال الواضح البين لأي أحد 121.
ثالثًا: الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم:
ورد في القرآن الكريم ما يبين أن الكفار بلغوا من ضلالهم ما جعلهم يستهزئون برسلهم، وهناك نموذجان من هذا الاستهزاء:
1.الاستهزاء بنبي الله نوح صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأعراف: 60] .
حيث رد الكفار - وهم أشراف القوم ورؤساؤهم، حيث سموا بالملأ؛ لما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي؛ أو لأنهم يملؤون العيون أبهة- على نبيهم نوح صلى الله عليه وسلم، حينما دعاهم إلى عبادة الله تعالى وحده، وبين لهم خوفه وشفقته عليهم من العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي؛ لاستكبارهم وعدم انقيادهم له، وقدحهم فيه أعظم قدحٍ، ونسبوه إلى الضلال الذي هو عدول عن الطريق، ولم يكتفوا بمجرد الضلال، حتى جعلوه ضلالًا مبينًا واضحًا لكل أحد 122.
2.دفع شبهة الضلال والإغواء عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 2] .
فبعد أن أقسم الله تعالى بالقرآن الذي نزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وعبر عنه بالنجم يبين في هذه الآية أن النبي محمدًا الذي أنزل عليه القرآن، والذي هو من قريش التي تعرف نسبه، وشرفه فهو ليس بضالٍ ولا بمجنون، وليس بغويٍ يعتقد باطلًا، بل هو رشيد مرشد، دالٌ على الله تعالى، لم يتكلم بالقرآن عن هوى نفسه، ولا عن رأيه أصلًا، فما القرآن إلا وحيٌ من الله تعالى، يجدد إيحاؤه إليه صلى الله عليه وسلم وقتًا بعد وقت 123.
ولا شك أنهم قصدوا الاستهزاء بالرسول صلى الله عليه وسلم، لكن هذه الآية جاءت لتدفع هذا الاستهزاء.
وقد سبقت الإشارة إلى آية أخرى، وهي قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 41، 42] .
حيث يقول المشركون إذا رأوك رأي العين فيتخذونك مهزوءًا به: هل هذا الذي بعثه الله رسولًا؟! فقد قارب أن يضلنا عن عبادة الله، ولو لم نصبر عليها لصرفنا عنها، ثم تأتي الفاصلة القرآنية لتبين أنه سوف يعلم المشركون حين يأتيهم عذاب الله تعالى من أخطأ طريقًا 124.
رابعًا: تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله:
وقد ورد ذلك جليًا في قوله تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 37] .
فبعد أن بينت الآيات السابقة بعض أحكام الأشهر الحرم، وأنها أربعة، يوم خلق الله تعالى السماوات والأرض، وأن الله تعالى معيته مع المتقين، تبين هذه الآية الكريمة بأسلوب الحصر أن تأخير المحرم إلى صفر زيادة مبالغة في الكفر والإثم 125؛ فإن هذا التأخير عدولٌ عن المنهج الحق، من قبل الكافرين، حيث يحلونه إذا قاتلوا فيه، ويحرموا مكانه صفرًا، وأما إذا لم يقاتلوا فيه حرموه 126.
وكأنهم يستهزئون بهذه الأشهر الحرم؛ فإن الذي التزموا به فقط هو موافقة عدة هذه الأشهر، وهي أنها أربعة خلال العام، فالمصيبة أنهم أحلوا ما حرم الله تعالى، وقد زين لهم عملهم السيئ، ثم تأتي الفاصلة لتقرير أن الله تعالى لا يكتب الهداية التوفيقية للقوم الذين وصلوا إلى مرحلة الكفر الخارج عن الملة، والمقصود هنا كفار قريش، رغم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
خامسًا: القتل:
لقد برز ضلال القتل واضحًا في قوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] .