فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (وح د) تدل على الانفراد 1.

والوَحْدة: الانفراد 2.

و (أحد) اسم الله جل ثناؤه، لا يوصف شيء بالأحدية غيره؛ لأن أحدًا صفة من صفات الله التي استأثر بها، فلا يشركه فيها شيء، وليس كقولك: (الله واحد) ، و (هذا شيء واحد) ، لأنه لا يقال: شيء أحد 3.

والتوحيد: الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحيّ:

عرف الجرجاني التوحيد بأنه: معرفة الله تعالى بالربوبية، والإقرار بالوحدانية، ونفي الأنداد عنه جملة 5.

وعرفه السعدي بأنه: العلم والاعتراف بتفرد الرب بصفات الكمال والإقرار بتوحده بصفات العظمة والجلال , وإفراده وحده بالعبادة 6.

ولم تأت مفردة (التوحيد) بهذه الصيغة في القرآن الكريم، وإنما استعمل القرآن الكريم جذرها (و ح د) في معانٍ أخرى، لا صلة لها بموضوع البحث.

الشرك:

الشرك لغة:

مأخوذ من شرك، ومنه: (أشرك بالله: كفر أي: جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن ذلك) 7، وقد يأتي بمعنى المخالطة والنصيب، لكن المراد هنا هو الكفر.

الشرك اصطلاحًا:

تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه 8.

الصلة بين الشرك والتوحيد:

الشرك هو الظلم العظيم، ولا يغفره الله لصاحبه -إن مات عليه-؛ لأنه يناقض أصل التوحيد، ويخرج صاحبه عن الملة، ويحبط عمله ويخلّده في النار.

الإلحاد:

الإلحاد لغة:

مادة (ل ح د) تدل على معنى ميل عن استقامة، فيقال: (لحد السهم عن الهدف) ، أي: عدل عنه، ولحد الرجل في الدين: طعن وحاد عنه وعدل وجادل ومارى. ولحد، أي: مال عن طريق القصد، وجار وظلم 9.

والملحد: «الطاعن في الدين المائل عنه» 10.

الإلحاد اصطلاحًا:

هو: «الميل، والجور، والانحراف عن الإسلام، أو الإيمان» 11.

الإلحاد المعاصر: الإلحاد المصطلح عليه في هذا العصر يعني: إنكار وجود الله، والقول بأن الكون وجد بلا خالق، وأن المادة أزلية أبدية، واعتبار تغيرات الكون قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار ظاهرة الحياة، وما تستتبع من شعور وفكر عند الإنسان، من أثر التطور الذاتي في المادة 12.

الصلة بين الإلحاد والتوحيد:

العلاقة بينهما علاقة تضاد، فالملحد انحرف عن التوحيد والدين القويم.

العبادة:

العبادة لغةً:

من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحّده وأطاعه، وانقاد وخضع وذلّ له، والتزم شرائع دينه، وأدّى فرائضه 13.

العبادة اصطلاحًا:

قال المناوي: «العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصّت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل» 14.

وقال الراغب: «العبودية: إظهار التّذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التّذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى» 15.

الصلة بين العبادة والتوحيد:

وعلاقة العبادة بالتوحيد علاقة واضحةٌ، فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة دون سواه، وتفريده جل وعلا بالعبادة على اختلاف صورها هو حقيقة التوحيد (توحيد الإلهية) وهو مضمون شهادة: لا إله إلا الله.

القلوب مفطورة على حب خالقها وتأليهه:

إن الإيمان بوجود الله جل وعلا والإيمان بوحدانيّته تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، له دلائله الكثيرة، وشواهده المتعددة، وفي مقدّمة هذه الدلائل والشواهد (الفطرة) ، إن التوحيد حقيقةٌ فطريّةٌ قبل أن يكون معرفةً نظريّةً جدليّةً، وإنّ أرقّ أساليب الإقناع وأبلغ أساليب الإذعان بأصول الإيمان: إحالة المخاطبين إلى فطرهم وغرائزهم 16، وكذلك كان منهج القرآن الكريم في اعتماده دليل (الفطرة) في معالجة قضايا التوحيد.

لقد جاءت كلمة (الفطرة) بلفظها مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .

وقد فسّر العلماء (الفطرة) بمعانٍ مختلفةٍ متقاربةٍ، وأنسبها في هذا المقام أنّ المقصود بـ (الفطرة) : هو الشعور المغروس في النفس الإنسانية بوجوده سبحانه، وبتوحيده سبحانه وتعالى بربوبيته وألوهيته، إن هذه الغريزة الدينية المركوزة في داخل كل إنسان منذ بداية خلقه، هي البوصلة التي توجّه قلبه وعقله إلى توحيد الله تعالى قبل أيّ دليلٍ آخر 17.

والسنة النبوية أيضًا تؤكد ذلك: أن الله تعالى قد خلق الإنسان مؤمنًا بربه، متّجهًا إليه بفطرته بالطاعة والعبادة، وأنّ غايته هي تحقيق العبودية والتوحيد، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (كلّ مولودٍ يولد على الفطرة) ، وفي روايةٍ: (على هذه الملّة) ، (فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه) ، وفي رواية: (ويشرّكانه) ، (كما تولد البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسّون فيها من جدعاء؟!، حتّى تكونوا أنتم تجدعونها) قالوا: يا رسول الله؛ أفرأيت من يموت منهم وهو صغيرٌ؟، قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) ، ثمّ يقول أبو هريرة رضي الله عنه: واقرءوا إن شئتم: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] 18.

فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث: (يسلمانه) ؛ لأنّ الإسلام موافقٌ للفطرة 19.

بل هو الفطرة المركوزة في النفس الإنسانية، وهو الوضع الطبيعي لها، فلا يحتاج إذًا لتأثير الأبوين، أما باقي المذاهب الإلحادية فهي تغطي الفطرة، وتنكّسها وتصادمها؛ لذلك فهي لا تأتي على النفس من داخلها، إنما تأتي بمؤثر خارجي 20.

ويضرب الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك مثلًا محسوسًا، وهو ولادة البهيمة سالمةً من العيب، ثم يطرأ عليها العيب بعد ذلك بجناية الإنسان.

يقول ابن القيم رحمه الله: «فجمع عليه الصلاة والسلام بين الأمرين: تغيير الفطرة بالتّهويد والتّنصير، وتغيير الخلقة بالجدع، وهما الأمران اللذان أخبر إبليس أنه لابدّ أن يغيّرهما، فغيّر فطرة الله بالكفر، وهو تغيير الخلقة التي خلقوا عليها، وغيّر الصورة بالجدع والبتك، فغيّر الفطرة إلى الشّرك، والخلقة إلى البتك والقطع، فهذا تغيير خلقة الرّوح، وهذا تغيير خلقة الصورة» .

ويقول كذلك: «فالقلوب مفطورةٌ على حبّ إلهها وفاطرها وتأليهه، فصرف ذلك التألّه والمحبّة إلى غيره تغييرٌ للفطرة» 21.

وبما أن معرفة الله وتوحيده فطرةٌ في النفوس؛ لذلك لمّا شك الأقوام المكذبون لرسلهم في الدعوة لتوحيد الله، استغرب الرسل هذا الشك فقالوا: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} ؟! [إبراهيم: 10] .

الفطرة السليمة والعقل الصحيح ينطقان الإنسان بتوحيد الخالق:

والمخاطبون حين نزول القرآن يعرفون ربهم الذي خلقهم، وتنطق فطرهم بالحق عندما تسأل، ويؤازر هذه الفطرة العقل الصحيح؛ إذ جعله الله تعالى نورًا للإنسان.

قال تعالى: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنون: 84 - 89] .

ويقول تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت: 61] .

وقد أدرك الأعرابيّ بفطرته السليمة وعقله الصحيح أنّ هذه المخلوقات العظيمة، من أرض وسماء، وليل ونهار، وشمس وقمر، وإنسان وحيوان، ونبات وكواكب، ورياح وسحاب، وغيرها، تدل على الخالق تبارك وتعالى، حيث قال: «البعرة تدلّ على البعير، والأثر يدلّ على المسير، ليلٌ داجٍ، ونهارٌ ساجٍ، وسماءٌ ذات أبراجٍ، أفلا تدلّ على الصانع الخبير؟!» 22.

الفطرة تنطق الحيوان والجمادات أيضًا بالتوحيد:

وهذه الغريزة الفطرية لم تكن مقتصرة على النفوس البشرية وحدها، بل حتى الطير والجمادات وغيرها، قد فطرها ربّها وخالقها على تسبيحه وتحميده وتنزيهه، نطقًا لا يفهمه إلاّ الذي أنطقها.

قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] .

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] .

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والمقصود إذا كانت هذه الجمادات قد فطرت على معرفة ربها وتسبيحه وتنزيهه، والإنسان أشرف منها، فلأن يفطر على معرفته بربه بطريق الأولى والأحرى؛ لما ركّب فيه من العقل والتمييز والفطنة» ، إلى أن يقول: «وهذا الهدهد طير من الطيور، وفي نظرنا عديم العقل، يصيح كغيره من الطيور، قد خاطب سليمان بأعظم التوحيد، وأعلمه بغير ذلك، فقال: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22] .

إلى قوله: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] .

هذا كله كلام الهدهد، كما اتفق على ذلك المفسرون» ا هـ 23.

منهج القرآن في الدعوة إلى التوحيد بتحريك الفطرة وإيقاظها:

وحيث إن القرآن الكريم يعتبر هذه القضية -قضية معرفة وجود الله والإيمان به وتوحيده- أمرًا فطريًا في النفوس البشرية السليمة، وحقيقة بدهية لا تحتاج إلى جدال أو نقاش، فكل إنسان عاقل يدرك بنفسه هذه الحقيقة، بما أودعه الله تعالى فيه من فطرة يحس بها، دون الحاجة إلى منهج إضافي يسلكه لمعرفة ربه خالقه ورازقه؛ لذلك فإنّ منهج القرآن الكريم ومسلكه في هذه القضية، البدء بالفطرة يوقظها، ويذكّرها بما هو مغروس في أعماقها؛ ليجد أنها معترفة ومقرة بوجود الخالق العظيم، وأنها في ذلك لا تحتاج إلى دليل.

والدلائل التي تحرّك هذه الفطرة، وتشير إلى وجود الله تعالى أكثر من أن تحصى، إنها تنبعث من كل شيء على وجه الأرض، بل ومن كل شيء في السماء، أضف إلى ذلك النظام البديع، والدقة المتناهية في صنع هذه المخلوقات، والترتيب في سيرها وحركتها، فيدرك الإنسان بعقله وبصيرته أنّ هذا النظام وذلك الإبداع، لا يمكن أن يحدث من غير محدث، أو يوجد من غير موجد؛ لأنّ تلك المخلوقات عاجزة عن إيجاد ذلك النظام الدقيق، والترتيب المحكم من تلقاء نفسها 24.

قيمة التزام التوحيد والتديّن الصحيح في إرواء الفطرة:

ولأن عقيدة التوحيد ليست غريبةً عن الفطرة أو مغايرة لها، بل هي تلائم الفطرة وتنميها ولا تصادمها، فهي العقيدة الوحيدة التي تستطيع أن تشبع الجوعة الفطرية التي لا تشبعها النظم الفلسفية، ولا المذاهب الوثنية، ولا السلطان السياسي، ولا الثراء المالي 25.

فمهما استعلنت المذاهب المادية الإلحادية وتزخرفت، ومهما تعددت الأفكار والنظريات، فلن تغني الأفراد والمجتمعات عن الدين الصحيح، ولن تستطيع أن تلبي متطلبات الروح والجسد، بل كلما توغل الفرد فيها أيقن تمام اليقين أنها لا تمنحه أمنًا، ولا تروي له ظمأ، وألا مهرب منها إلا إلى الدين الصحيح.

فالتدين الحق -الذي يعتمد على إفراد الله بالتوحيد، والتعبد له وفق ما شرع- هو عنصر ضروري للحياة؛ ليحقق المرء من خلاله عبوديته لله رب العالمين، ولتحصيل سعادته وسلامته من العطب والنصب والشقاء في الدارين، وهو ضروري لتكتمل القوة النظرية في الإنسان، فبه وحده يجد العقل ما يشبع نهمته، ومن دونه لا يحقق مطامحه العليا، وهو عنصر ضروري لتزكية الروح وتهذيب قوة الوجدان؛ إذ العواطف النبيلة تجد في الدين مجالًا ثرًّا، ومنهلًا لا ينفد معينه تدرك فيه غايتها 26.

انحراف الفطرة وتشوّهها بجناية الإنسان والشيطان:

وقد يقال هنا: لو كان التوجّه إلى الله أمرًا فطريًّا حقًّا، لما عبد النّاس في مختلف العصور آلهةً شتى، فهذا واقعٌ مسلّمٌ به يخالف المدّعى.

والجواب: أنّ الفطرة -كما سبق- تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق، لكنّ الإنسان تحيط به مؤثرات كثيرة تجعله ينحرف، ففيما يغرسه الآباء في نفوس الأبناء، وفيما يلقيه الكتّاب والمعلمون والباحثون في أفكار الناشئة ما يبدّل هذه الفطرة ويقذرها، ويلقي عليها غشاوة، فلا تتجه إلى الحقيقة.

وقد يقال: إذا تركنا الطفل من غير أن نؤثّر في فطرته، هل يخرج موحدًا عارفًا بربّه؟!، فنقول: إذا ترك شياطين الإنس البشر، ولم يدّنسوا فطرهم، فإنّ شياطين الجنّ لن يتركوهم، فقد أخذ الشيطان على نفسه العهد بإضلال بني آدم.

قال تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82 - 83] 27.

وأعطي الشيطان القدرة على أن يصل إلى قلب الإنسان، كما في الحديث الصحيح: (إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا) أو قال: (شيئًا) 28.

والقرآن الكريم وصف الشيطان المطلوب الاستعاذة منه بأنه: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ} [الناس: 5] .

وقد صحّ أيضًا أنّ لكل إنسان قرينًا من الجنّ، يأمره بالشرّ، ويحثه عليه، وفي القرآن الكريم: {قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [ق: 27] .

وكما أمدّ الله الإنسان بملكٍ يهديه ويؤيده، فإنه كذلك يمدّه بشيطانٍ يوسوس له، ويزيّن له السّوء، ويغريه بالمنكر، ويدعوه إلى الفتنة، يستوي في ذلك الأنبياء وغيرهم.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] 29.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبيّ صلى الله عليه وسلم من عندي ليلًا، فغرت عليه، فجاء فرأى ما أصنع، -وفي روايةٍ: فأدخلت يدي في شعره-، فقال: (ما لك يا عائشة، أغرت؟) ، قلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال: (أقد جاءك شيطانك؟) ، قلت: يا رسول الله، أو معي شيطانٌ؟ قال: (نعم) ، قلت: ومع كلّ إنسانٍ شيطانٌ؟ قال: (نعم) ، قلت: ومعك يا رسول الله؟، قال: (نعم، ولكن ربّي أعانني عليه حتّى أسلم) 30.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحدٍ إلا وقد وكّل به قرينه من الجنّ) قالوا: وإيّاك يا رسول اللّه؟ قال: (وإيّاي، إلاّ أنّ اللّه أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلاّ بخيرٍ) 31.

وشياطين الجنّ يقومون بدورٍ كبيرٍ في إفساد الفطرة وتدنيسها؛ لأنّ أعمالهم تتّجه دائمًا إلى التمرّد على الله، وإلى التفريق والتمزيق والتخريب والتدمير، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يقطع، فما من شر في الأرض ولا فساد في الوجود، إلا ولهم به صلة.

وهم الذين زيّنوا للأمم السابقة سوء العمل، وحسّنوا لهم الكفر والمعاصي، ودعوهم إلى تكذيب الرّسل ومخالفة أوامر الله، ولا تزال هذه أعمالهم 32.

قال تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل: 63] .

وعن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: (ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا، كلّ مالٍ نحلته عبدًا حلالٌ، وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم، وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا ... ) إلى آخر الحديث 33.

فالشياطين هي التي دعت إلى تحريف الدّين، والخروج على الفطرة، وإلى الإشراك بالله، وحرّمت الحلال، وأحلّت الحرام، ولا تزال الشياطين تقعد للإنسان بكلّ طريقٍ صادّةً عن سبيل الله، ومحاولةً صرفه عن جلائل الأعمال.

ففي حديث سبرة بن فاكهٍ (أو: أبي فاكهٍ) رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ الشّيطان قعد لابن آدم بأطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: تسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء أبيك؟!، فعصاه فأسلم، ثمّ قعد له بطريق الهجرة، فقال: تهاجر وتدع أرضك وسماءك؟!، وإنّما مثل المهاجر كمثل الفرس في الطّول، فعصاه فهاجر، ثمّ قعد له بطريق الجهاد، فقال: تجاهد فهو جهد النّفس والمال، فتقاتل فتقتل، فتنكح المرأة، ويقسم المال، فعصاه فجاهد) ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (فمن فعل ذلك كان حقًّا على اللّه عز وجل أن يدخله الجنّة، ومن قتل كان حقًّا على اللّه عز وجل أن يدخله الجنّة، وإن غرق كان حقًّا على اللّه أن يدخله الجنّة، أو وقصته دابّته كان حقًّا على اللّه أن يدخله الجنّة) 34.

والشيطان هو الذي قام بدور رئيس في محاولة القضاء على دعوة الإسلام في أول صدام له مع أعدائه.

قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] .

وهذا الشيطان هو الذي يزين لكل فرد ما تهفو إليه نفسه، ويميل إليه هواه من حب للجنس، أو طمع في المال، أو حرصٍ على المنصب، أو تطلّع إلى الجاه، أو إيثار للاستبداد، أو ميل إلى الطغيان، بل إنه ليتسلط على المتدينين أنفسهم؛ ليزيدوا في شرع الله، أو ينقصوا منه؛ ليطوّعوا الدين لأهوائهم، ويخضعوه لشهواتهم.

وهو الذي يغري العداوة والبغضاء بين الناس، فيفرّق بين الأخ وأخيه، وبين الزوج والزوجة، وبين طوائف الأمة وجماعاتها، وهو الذي يوقد نيران الحروب بين الأمم والشعوب، وينفخ فيها لتهلك الحرث والنسل، وتأتي على الأخضر واليابس.

وكلما كان الشيطان أقدر على الشر، كان أقرب منزلة وأعلى قدرًا لدى رئيسه إبليس لعنه الله.

عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثمّ يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنةً .. يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، قال: ثمّ يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتّى فرّقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت) 35.

إن كل ما يعانيه الإنسان من فتن وويلات، إنما هو من نتاج إبليس وجنوده الأشرار 36.

وعودٌ على بدءٍ، فلأجل كلّ هذا الانحراف الناشئ عن الدّخائل المبطلة من جنايات الإنسان والشيطان في تلويث الفطرة، فقد جاء تمام الآية الكريمة في الفطرة قوله تعالى: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .

فكثيرٌ من الناس قد فقدوا الاعتقاد والمعرفة والإدراك لتلك الحقيقة العظيمة المرتبطة بحياة البشر ودينهم وأعمالهم 37.

المصائب قد تجلو الفطرة وتصحّح مسارها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت