قيل: هو أمر وجوب لهن «أمر خصصن به وهو وجوب ملازمتهن بيوتهن توقيرًا لهن، وتقوية في حرمتهن، فقرارهن في بيوتهن عبادة، وأن نزول الوحي فيها وتردد النبي صلى الله عليه وسلم في خلالها يكسبها حرمة ... وهذا الحكم وجوب على أمهات المؤمنين وهو كمال لسائر النساء» 148.
وكأني بالآية تشير إلى أمرين اثنين يجب أن تتحلى بهما المرأة المسلمة:
الأول: الوقار والاحترام، فلا تتميع ولا تتسكع كما تفعل المستهترة.
الثاني: أن المهمة الأساسية للمرأة المسلمة هي بيتها، فيلزمها الاعتناء به أولًا، وهي مهمة شاقة ليست بالهينة، فهو مصنع الرجال.
يقول صاحب الظلال: «وليس معنى هذا الأمر ملازمة البيوت فلا يبرحنها إطلاقًا، إنما هي إيماءة لطيفة إلى أن يكون البيت هو الأصل في حياتهن، وهو المقر، وما عداه استثناء طارئًا لا يثقلن فيه ولا يستقررن، إنما هي الحاجة تقضى، وبقدرها. والبيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة» 149.
وإذا خرجت المرأة من بيتها لحاجة من حوائجها فيجب عليها أن لا تتلبس بما يدعو للفتنة، ولا تزاحم الرجال، كما فعلت ابنتا شعيب عليه السلام، وهذا يدفعنا إلى مسألة:
••الحجاب والزينة.
فإنه لما كان للمرأة أن تخرج بشرط أن تتلبس بما لا يدعو للفتنة، وكان من أعظم دواعي الفتنة إبداء المرأة لزينتها، لذا جاء الأمر الإلهي للمرأة المسلمة بالحجاب في قوله تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور:31] .
ويأتي هذا التوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر أزواجه وبناته وجميع المؤمنات بستر العورة {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب:59] .
ومن المعلوم أن ارتداء المرأة المسلمة للحجاب فريضة عليها لا تقل في وجوبها عن الصلاة والصيام، وإن كان هناك خلاف بين العلماء في القدر الواجب ستره من بدنها، والخلاف مشهور في عورة المرأة، ولسنا بصدد الحديث عنه، وإنما يعنينا القول بوجوب ستر العورة، وتحريم إبداء الزينة إلا لمن أباح الله تعالى إبداءها له، وهم المذكورون في آية سورة النور، على تفصيل عند العلماء في القدر الذي يجوز إظهاره أمام كل واحد منهم.
رابعًا: أحكام متعلقة بالجهاد:
الجهاد من أفضل الأعمال، وهو من الأعمال الشاقة، وقد طلب الصحابيات من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهن في الجهاد، وذلك حتى يحصلن على الثواب الجزيل الذي أعده الله تعالى للمجاهدين في سبيله.
فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل؛ أفلا نجاهد؟ قال:(لا، لكن أفضل الجهاد حجٌ مبرورٌ) 150.
وقد ضبطت في بعض النسخ (لكن) وهو أظهر في المقصود.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (يا رسول الله، هل على النساء جهادٌ؟ قال:(نعم، جهادٌ لا قتال فيه، الحج والعمرة جهادهن) 151.
وعن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت: (بأبي أنت وأمي، إني وافدة النساء إليك، وأعلم نفسي لك الفداء، أما إنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا أو لم تسمع إلا و هي على مثل رأيي، أن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء، فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى وشهود الجنائز والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإن الرجل منكم إذا أخرج حاجًّا أو معتمرًا ومرابطًا حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابًا، وربينا لكم أولادكم، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال:(هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه) ؟! فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن المرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها، ثم قال لها: (انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته تعدل ذلك كله) . فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشارًا 152.
خلاصة الأمر أن المرأة لا يجب عليها الجهاد، وإنما تحصل على ثواب الجهاد بحسن القيام على بيتها ورعايتها له، فهذه مهمتها الأولى، وأما الجهاد فطبيعته تنافي طبيعة المرأة، وهي لا تستطيعه.
تقدم القول بأن الله تعالى خلق في كل واحدٍ من الجنسين ميلًا فطريًّا للآخر لقصد الإبقاء على النوع الإنساني، وهذا الميل من أقوى شهوات الإنسان، مما قد يدفع البعض إلى قضاء هذه الشهوة دون نظرٍ لحل أو حرمة، لذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) 153.
وهن لسن فتنة بذاتهن، ولكن باعتبار ما قد يحدث بسببهن، لذا فإن الشرع الحنيف لكي يسد باب الفتنة بهن ويقصر قضاء الشهوة على الغرض المقصود شرعًا شرع أمورًا تمنع هذه الفتنة، ومن هذه الأمور ما يأتي:
أولًا: الزواج:
شرع الزواج، فحث عليه بقوله سبحانه {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} [النور:32] .
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} [النساء:3] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) 154.
وقال (تزوجوا النساء فإنهن يأتينكم بالمال) 155.
فحب النساء والميل إليهن «ليس شرًا؛ لأن الله جعل المرأة رحمة للرجل، إنما يكون الشر في الإسراف في الطلب حتى يكون النساء خلب كبده 156، وفي طلب الحرام، وفي طلب الجمال من غير ملاحظة الدين» 157.
ونهى عن منع المرأة من الزواج، فقال سبحانه: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:232] .
ونهى الرجل عن التبتل، فقد أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم 158.
ويسر في أمر الزواج، فلم يضع قيودًا وعراقيل أمامه، فيكفي أن يكون الرجل قادرًا على الإنفاق على البيت، وجعل الشرط الوحيد هو الدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض و فساد عريض) 159.
ثانيًا: الحجاب:
أمر الله تعالى النساء بالحجاب بقوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب:59] .
وبقوله: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31] .
ومن المعلوم أن ارتداء المرأة المسلمة للحجاب فريضة عليها، لا تقل في وجوبها عن الصلاة والصيام.
وفي آية سورة الأحزاب ينادي المولى عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم آمرًا إياه أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن «يرخين على وجوههن من جلابيبهن فيغطين بها وجوههن. والجلباب: كل ما يستر الكل، مثل الملحفة.
والمعنى: قل للحرائر يرخين أرديتهن وملاحفهن ويغطين بها وجوههن ورؤوسهن، ليعلم أنهن حرائر فلا يؤذين. {ذَلِكَ أَدْنَى} أي: أقرب وأجدر {أَنْ يُعْرَفْنَ} من الإماء {فَلَا يُؤْذَيْنَ} .
قال ابن عباس رضي الله عنه: أمر الله تعالى نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة» 160.
«وابتدئ بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته لأنهن أكمل النساء» 161.
وعندما نزلت الآية سارع النساء وقت نزولها إلى الامتثال، فعن أم سلمة قالت: لما نزلت {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية 162.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شققن مروطهن فاختمرن بها 163.
وفي آية سورة النور يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يأمر المؤمنات بغض البصر وحفظ الفرج، وأن يرخين خمرهن على الفتحة التي في أعلى الثوب عند الرقبة، وذلك لستر العورة.
ثالثًا: النهي عن التبرج:
نهاهن عن التبرج وعن كل ما يثير غرائز الرجال، والتبرج أصله التباعد والظهور، فـ «البرج: تباعد ما بين الحاجبين، وكل ظاهر مرتفع فقد برج ... والتبرج: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال. وتبرجت المرأة: أظهرت وجهها. وإذا أبدت المرأة محاسن جيدها ووجهها قيل: تبرجت، وترى مع ذلك في عينيها حسن نظرٍ» 164.
وقد نهى الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهن القدوة عن التبرج فقال: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب:33] ، أي: لا تظهرن زينتكن. والجاهلية وصف لحالة معينة، وليست فترة زمنية بعينها، وإن كان الميل إلى أن هذا الوصف متحقق في الفترة التي سبقت الإسلام مباشرة.
ثم نهى المؤمنين عامة فقال: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور:31] .
فزاد في هذه الآية النهي عن إظهار زينتهن إلا لطائفة محدودة من الرجال، وهم المذكورون في الآية الكريمة، والنهي عن أن تضرب المرأة برجلها لتحدث صوتًا يسمعه الرجال فيعلموا زينتها الخفية.
يقول الشيخ الغزالي عند حديثه عن هذه الآية: «والواقع أن هذا تشريع تقرر في الأديان السابقة ولكن الإسلام فصله، وتحدث عن الزينات الظاهرة المعفو عنها كالكحل في العين والحمرة في الخد والخاتم في اليد، وعن الزينات الباطنة التي لابد من إخفائها .. والغرب الذي يدعي المسيحية يصدر للعالمين تقاليد العري والتبرج وانتهاك الحرمات، وما أظن تاريخ الدنيا شهد مثل هذا الدنس الذي ينشره هؤلاء الناس، لقد سميتها في بعض كتبي حضارة البغي والبغاء!!. ووسائل الإعلام المختلفة تتسابق إلى بث الفتنة داخل البيوت، وتعرض صورًا للرقص الغربي المزدوج والرقص الشرقي المفرد، يفرح بها الشيطان، وتزلزل الطهر المنشود. إن الإسلام اعتبر الزواج عبادة، وألزم الطبيعة البشرية أن تكتفي بالحلال، وأن تبتعد عن الحرام» 165.
رحم الله شيخنا الغزالي، لم ير مما فعلته وسائل الإعلام غير ما ذكره، ولا أدري ما كان قوله لو رأى ما أحدثه شياطين الإنس في عصرنا، مما تعجز عن وصفه الكلمات، نسأل الله السلامة والحفظ لنا ولسائر المسلمين.
رابعًا: ملازمة المرأة لبيتها:
أمرهن بملازمة البيوت وعدم الخروج منها إلا لحاجة، ثم يأتي هذا الأمر الإلهي لهن بالقرار في البيوت {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33] .
وقد قرئت بفتح القاف وكسرها «فمن كسر جعله من الوقار، ومن فتح جعله من الاستقرار» 166.
فهو «من وقر يقر وقارًا في المكان: إذا ثبت فيه، وقيل: هو من قررت في المكان أقر، والأصل واقررن، حذفت الراء الأولى وألقيت حركتها على القاف فصار وقرن. قال النحاس: يجوز أن يكون {وَقَرْنَ} من قررت به عينًا أقر، فيكون المعنى: واقررن به عينًا في بيوتكن» 167.
قال ابن فارس: «الواو والقاف والراء: أصلٌ يدل على ثقل في الشيء، منه الوقر: الثقل في الأذن، يقال منه: وقرت أذنه توقر وقرًا. والوقر: الحمل، ويقال: نخلةٌ موقرةٌ وموقرٌ، أي: ذات حملٍ كثير» 168.
وأيًّا كان أصله فإن المقصود الأمر لهن بملازمة البيت إشارة إلى أن البيت هو المهمة الأولى للمرأة، وليس المراد نهيهن عن الخروج من البيوت على الإطلاق. فـ «البيت هو مثابة المرأة التي تجد فيها نفسها على حقيقتها كما أرادها الله تعالى غير مشوهة ولا منحرفة ولا ملوثة، ولا مكدودة في غير وظيفتها التي هيأها الله لها بالفطرة» 169.
خامسًا: الأمر بغض الأبصار:
أمر الله تعالى كل واحد من الجنسين بغض البصر، فقال للرجال: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور:30] .
وقال للنساء: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} [النور:31] .
الغض: «النقصان من الطرف والصوت» 170.
والمراد: «ينقصوا أبصارهم عما حرم عليهم، فقد أطلق لهم سوى ذلك» 171.
ودخلت (من) التبعيضية على غض البصر دون حفظ الفرج «لأن حكم النظر أخف من حكم الفرج، إذ يحل النظر إلى بعض أعضاء المحارم، ولا يحل شيء من فروجهن» 172.
ثم إن الأصل في حكم النظر الإباحة إلا ما حرم، بخلاف الفروج فإن الأصل فيها الحظر إلا ما استثني، «وقدم غض البصر على حفظ الفرج لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور، والبلوى فيه أشد وأكثر، لا يكاد يقدر على الاحتراز منه، وهو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه، ويكثر السقوط من جهته. وقال بعض الأدباء: وما الحب إلا نظرة إثر نظرة، تزيد نموًا إن تزده لجاجًا .. ثم ذكر تعالى حكم المؤمنات في تساويهن مع الرجال في الغض من الأبصار وفي الحفظ للفروج» 173.
وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على غض البصر، فجعله من حقوق الطريق، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إياكم والجلوس في الطرقات) فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها. قال: (فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها) . قالوا: وما حق الطريق؟ قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر) 174.
وعن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة، قالت: (فبينا نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه -وذلك بعدما أمرنا بالحجاب- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(احتجبا منه) . فقلت: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟!) 175
أعداء الإسلام لا يألون جهدًا للطعن في هذا الدين، وفي منهجه وتشريعاته، في كافة المجالات، ومن ذلك ما يصدعون به رؤوسنا ليلًا ونهارًا من حديث عن المرأة، وكيف أن الإسلام -من وجهة نظرهم- أضاع حقوقها، وحبسها، ... وقد تقدم ذكر بعض هذه الشبهات بما أغنى عن إعادته هنا، فتقدم الحديث عن القوامة، وأنها حق للمرأة، وهي تكليف للرجل، وليست تسلطًا وتشريفًا، وتقدم الحديث عن المساواة، وبيان أن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة، مساواة حقيقية، وليست مساواة مزعومة، فساوى بينهما في الثواب والعقاب، وساوى بينهما في الحقوق والواجبات، وساوى بينهما بأن شرع لكل واحد منهما ما يناسب طبيعته التي خلقه الله تعالى عليها. وتقدم القول بأن تعدد الزوجات إنما هو من باب تكريم المرأة، وذكرنا حكمة الشرع فيه، وهناك شبهات أخرى يبثونها حول المرأة نعرض منها:
أولًا: حرية المرأة:
فهم يدعون أن الإسلام سلب من المرأة حريتها، فأي حرية يريدون؟! إنها مسرحية هزلية مفادها خلع المرأة لحجابها، فهم يعنون بالحرية أن تنطلق المرأة تفعل ما تشاء دون رقيب عليها، فتصاحب من تشاء وتخادن من تشاء، وتعرض جسدها كيف تشاء.
إنهم بذلك لا يحررونها، بل يصيرونها أمة لشهواتها، ويجعلونها أداة لمتعة الرجل. يقول الشيخ الغزالي: «إن تعرية المرأة حينًا وحشرها في ملابس ضيقة حينًا آخر عمل لم يشرف عليه علماء الأخلاق، وإنما قام به تجار الرقيق، ولكي نوفر تربية شريفة للجنسين يجب أن نعترض هذا الموكب الساخر من الكاسيات العاريات، وقد قلنا: إن من حق المرأة أن تتجمل ولكن ليس من حقها أن تتبرج، ولا أن ترتدي ثوب سهرة، تختال فيه وتستلفت الأنظار، بل إن الإسلام رفض ذلك من الرجال والنساء جميعًا ... وإنها لطفولة عقلية سخيفة أن يرى امرؤ مكانته في حذاء لامع أو رداء مطرز بالحرير أو الذهب إذا لم يتحصن المرء في نصاب كبير من العلم أو الخلق» 176.
إن التحرير الحقيقي للمرأة جاء به الإسلام الحنيف، فقد حررها من شهواتها، وحررها من بطش الباطشين وعبث العابثين ولهو اللاهين، جاء الإسلام والمرأة لا مكان لها ولا قول يطاع، فأعطاها مكانة لم ولن تجدها في غيره، فإذ بهذه المرأة تراجع نبي الإسلام وتشير عليه في الأمور العظام، كما فعلت السيدة أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (قوموا فانحروا ثم احلقوا) فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله، أتحب ذلك؟ اخرج لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيلحقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل غمًّا 177.
بل كان نساؤه صلى الله عليه وسلم يراجعنه ويهجرنه الليالي، وذكر الله تعالى في القرآن الكريم قصة المرأة التي كانت تجادل النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها.
إن العرب قبل الإسلام فهموا الحرية حق الفهم، وأدركوا أن العري والزنا والفجور يتناقض مع الحرية، لذلك فإن هند زوج أبي سفيان لما أتت لتبايع النبي صلى الله عليه وسلم فبايعها على ما ذكره الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) } [الممتحنة:12] .
فعندما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تزنين) . قالت: وهل تزني الحرة؟! 178.