فهرس الكتاب

الصفحة 2210 من 2431

وقوله: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 49] .

وقوله: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67] .

وقوله: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] .

وقوله: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} [الروم: 33] 46.

كل هذه الآيات تشير إلى لجوء الإنسان وقت الضر إلى إله واحد، أحد صمد، ولعلمهم أنه لا يكشف الضر إلا هو. حتى المشركون الذين عبدوا من دون الله أصنامًا، يتوجهون إليها وقت الرخاء، إذا أصابهم الضر نسوا ما كانوا يعبدون من قبل، ورجعوا إلى الفطرة السليمة، وتضرعوا إليه تعالى؛ لعلمهم أنها لا تنفع ولا تضر، حتى فرعون الذي طغى وتجبر حين توسط البحر وعلم أن لا ملجأ من الله إلا إليه كما في قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] .

وكان من قبل يقول: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [القصص: 38] .

وقال تعالى عنه: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس: 83] .

فوجب على الإنسان أن يكون مشغولًا بالمنعم وقت النعمة، وملتجئًا إليه في كل أوقاته.

قال القرطبي: «وهذه الحالة التي ذكرها الله تعالى لا تختص بأهل الكفر، بل تتفق لكثير من المسلمين، تلين ألسنتهم بالدعاء وقلوبهم بالخشوع والتذلل، عند نزول ما يكرهون، وتضرعوا لرفع ما نزل بهم من الضر ودفع ما أصابهم من المكروه، ومما يدل على أن الآية تعم المسلم والكافر، كما يشعر به لفظ الناس ولفظ الإنسان» 47.

وقوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 67] .

نموذجًا للالتجاء إلى الله وقت الشدة والضر، أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة، فذهب هاربًا فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني منكم إلا أن تدعو الله وحده، فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك علي عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن، فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رءوفًا رحيمًا، فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه 48، وهكذا الإنسان حتى الكافر، إذا ضاقت به الحيل، ولم يجد منفذًا، لجأ إلى المنفذ الحقيقي، الذي لا ينسد.

ثانيًا: اتخاذ الأسباب الواقية:

من وسائل دفع الضر:

1.اتخاذ الأسباب الواقية قبل وقوع الضرر.

فالوقاية خير من العلاج، فكل من رزقه الله تعالى الهداية والسداد والتوفيق والرشاد، فإنه مستثنى من قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] .

هذه الآية في وصف حال غير المؤمن، أما فالمؤمن فإنه يعرف الله في السراء والضراء، ولا تنقطع صلته بالله على أي حال كان، كما قال صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن) 49.

فمن كان في وقت النعمة مشغولًا بالمنعم، لزم أن يكون وقت البلاء مشغولًا بالمبتلي. وإذا كان المنعم والمبتلي واحدًا كان نظره أبدًا على مطلوب واحد، وكان مطلوبه منزهًا عن التغيير مقدسًا عن التبدل، ومن كان كذلك وقت البلاء، وفي وقت النعماء، غرقًا في بحر السعادات، واصلًا إلى أقصى الكمالات 50.

ومن شأنه أن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية، حتى يكون مجاب الدعوة وقت المحنة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء عند الرخاء) 51.

2.التقوى والصبر والتوكل.

قال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] .

وقوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .

في الآية الأولى يرشدهم الله تعالى إلى السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل على الله كفاه، ثم شرع في ذكر قصة غزوة أحد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين، والتميز بين المؤمنين والمنافقين وبيان الصابرين 52.

وقيل: فإذا أتيتم بالأسباب التي وعد الله عليها النصر -وهي الصبر والتقوى- فلن يضركم مكرهم، بل يجعل الله مكرهم في نحورهم؛ لأن محيط بهم علمه وقدرته، فلا منفذ لهم، ولا يخفى عليهم منهم شيء 53.

3.الرضا بقضاء الله وقدره.

ومثاله: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] .

وقوله: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 44] .

فجعلوه أسوة وقدوة عندما يصيبهم الضر 54.

إلا أن هناك من يرى أن الشكوى تقدح في الصبر، فبين العلماء أن الشكوى مع الرضا بقضاء الله لا تقدح في الصبر، وفي ذلك قيل: أليس أن الشكوى تقدح في كون أيوب صابرًا؛ لأنه قال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ} الآية؟.

الجواب: قال سفيان بن عيينه رحمه الله: «من شكا إلى الله تعالى فإنه لا يعد جزعًا إذا كان في شكواه راضيًا بقضاء الله؛ إذ ليس من شرط الصبر استحلاء البلاء، ألم تسمع قول يعقوب عليه السلام {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يوسف: 86] » 55.

واعلم أن المؤمن إذا ابتلي ببلية ومحنة وجب عليه أن يكون راضيًا بقضاء الله غير معترض بالقلب واللسان عليه، وإنما وجب عليه ذلك؛ لأن الله تعالى مالك على الإطلاق، وملك بالاستحقاق، فله أن يفعل في ملكه ما يشاء، كما يشاء، ولأنه تعالى حكيم على الإطلاق منزه عن فعل الباطل والعبث، فكل ما فعله فهو حكمة وصواب، وإذا كان كذلك فحينئذ يعلم أنه تعالى إن أبقى عليه تلك المحبة فهو عدل، وإن أزالها فهو فضل، فحينئذ عليه الصبر والسكوت وترك الغلق والاضطراب 56.

4.إصلاح النفوس.

بفعل الخيرات ولزوم الشرع بما فيه من جهاد وأمر بمعروف ونهي عن المنكر، والاستقامة على الدين، وطاعة الله وغيرها.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة: 105] .

ذكر السمرقندي: من أسباب دفع الضر، ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: سئل عن هذه الآية فقال: إذا رأيتم شحًا مطاعًا وهوىً متبعًا ودنيا مؤثرةً وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليكم بخويصة أنفسكم. وروى عمر بن جابر اللخمي عن أبي أمية قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية فقال: لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أبا ثعلبة ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحًا مطاعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك، فإن من بعدكم أياما الصابر المتمسك يومئذ بمثل الذي أنتم عليه له كأجر خمسين عاملًا. قالوا يا رسول الله: كأجر خمسين عاملًا منهم؟ قال: لا بل كأجر خمسين عاملًا منكم) 57.

وقيل: حفظ النفس من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب 58.

وقيل: اجتهدوا في إصلاحها وكمالها وإلزامها سلوك الصراط المستقيم، فإنكم إذا أصلحتم لا يضركم من ضل عن الصراط، ولم يهتد إلى الدين القويم، إنما يضر نفسه، ولا يتم هدى الإنسان إلا بالإتيان بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 59.

وقال ابن زيد: معنى الآية {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} في الاستقامة على الدين ولا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم 60.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} يقول: إذا ما أطاعني العبد فيما أمرته من الحلال والحرام فلا يضره من ضل إذا عمل بما أمرته به. وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس الآية: ما لم يكن سيفًا أو سوطًا 61.

ثالثًا: المصالحة والتفاهم:

وذلك بمصانعة أهل الدنيا لدنياهم، وتحب أهل الأخرة لآخرتهم، وتخفي ذنبك بينك وبين ربك فإنك إن فعلت ذلك فلا يضرك من ضل إذا اهتديت. وذلك بأن تحب من أحب الله من أحمر وأبيض، وأن تجتنب الغيب 62.

وقيل: اشتغال الإنسان بخاصة نفسه وتركه العرض لمعائب الناس والبحث عن أحوالهم، فإنهم لا يسألون عن حاله، فلا يسأل عن حالهم، كقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] .

وقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164] .

وقوله تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الاسراء: 15] .

وقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر: 18] 63.

ومن صور المصالحة والتفاهم في الإسلام، والتي كانت سببًا لدفع الضر ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما وصل المدينة بالمصالحة مع اليهود وإبرام العهود، حتى يأمن المسلمين شرهم، واستطاع بذلك دفع ضرهم وأذاهم عن المسلمين.

لحوق الضرر بالإنسان له آثار ونتائج، منها:

أولًا: الإخلاص لله تعالى عند اشتداد الضر:

عند اشتداد الضر على الإنسان مسلمًا كان أو كافر، فإنه يعود إلى الله وحده كاشف الضر، فينيب ويتضرع إلى الله تعالى، وقد بين الله ذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الاسراء: 67] .

وقوله: {ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة، فذهب هاربًا، فركب في البحر ليدخل الحبشة، فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعو الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك علي عهد، لئن أخرجتني منه لأذهبن فأضعن يدي في يديه، فلأجدنه رءوفًا رحيمًا. فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه، رضي الله عنه وأرضاه 64.

ومعنى الآية: أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم وسائر معبوداتهم أنها نافعة لهم في غير هذه الحالة، فأما في هذه الحالة فإن كل واحد منهم يعلم بالفطرة علمًا لا يقدر على مدافعته أن الأصنام ونحوها لا فعل لها 65.

وفي معنى هذه الآية جاءت آيات كثيرة، منها: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] .

{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 63] .

إلى غير ذلك من الآيات 66.

وقصة فرعون مع شدة كفره يعترف بالله ساعة الضر والهلاك ويرجع إلى فطرته، فالرجوع إلى الله تعالى من سائر الناس ساعة الكرب والشدة دليل على ما هو كامن في نفوسهم من الفطرة التي فطرهم الله عليها 67.

وخص الله الشدة في البحر بالذكر؛ لأن اليأس عند وقوع الشدة فيه أغلب. وهذه الحالة عند اشتداد الضر يستدل بها في إثبات وجود الله تعالى، ونفي الشركاء عنه تعالى، وقد ذكر الإمام الألوسي في تفسيره: «من اللطائف أن بعض الناس قال لبعض الأئمة: أثبت لي وجود الله تعالى ولا تذكر لي الجوهر والعرض. فقال: هل ركبت البحر؟ قال نعم، قال: فهل عصفت الريح؟ قال: نعم، قال: هل أشرفت بك السفينة على الغرق؟ قال: نعم، قال: يئست من نفع من في السفينة ونحوهم من المخلوقين لك وإنجائهم مما أنت فيه إياك، قال: نعم، قال: ذلك هو الله عز وجل فاستحسن ذلك» 68.

ثانيًا: بيان عجز الآلهة المزعومة عند اللجوء إليها حال الضر:

إن ما تم ذكره -سابقًا- من أن الكفار حينما يشتد عليهم الضر ينسوا آلهتهم ولا يرجعون إليها بل يرجعون إلى الإله الحق، الذي يملك النفع والضر، دليل واضح في إثبات عجز الآلهة المزعومة عن دفع ضر أو جلب نفع. وقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك:

منها: ما ذكر مقارنة بين القادر الذي يخلق من العدم ثم يعيد الخلق من بعد فنائه، وبين العاجز وهو الآلهة التي يعبدونها، قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [يونس: 34] .

ومنها: ما وضح الله فيه ثلاث احتمالات لإثبات عجز الآلهة.

قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: 35 - 37] .

والاحتمال الرابع هو أن يكون هناك خالق غير هذه المخلوقات وأن يتصف هذا الخالق بصفات لا تشبه صفات المخلوق وهو الاحتمال الصحيح.

وكذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام استطاع أن يثبت قدرة الله تعالى بإثبات عجز غيره ممن أدعى الألوهية، في ذلك يقول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] .

وغيرها من الآيات الكثيرة التي تدل على عجز الآلهة عند اللجوء إليها في كشف الضر وبيان حقيقتها، وبطلان ألوهيتها 69.

فصفات الآلهة الضعف والعجز، وهي غير قادرة على الخلق، ولا تستطيع نصر نفسها ولا عابديها، لا تجيب ولا تستجيب، ولا تضر ولا تنفع، فاقدة كل الحواس، لا تملك من أمر نفسها شيئًا، كما صورها لنا سيدنا إبراهيم عليه السلام.

قال تعالى: {فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ} [الصافات: 91 - 93] .

وقوله: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 63 - 76] .

انظر كيف استطاع سيدنا إبراهيم عليه السلام إثبات عجز الآلهة وإقامة الحجة على عابديها. كما ستتبرأ من عابديها يوم القيامة، {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] .

وقوله: {إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] .

فتستحيل الألوهية لمن يتصف بهذه الصفات.

ثالثًا: المشرك يزداد طغيانًا بعد كشف الضر عنه، والمؤمن يزداد إيمانًا:

هذا إخبار عن طبيعة الإنسان، وأنه إذا مسه ضر من مرض أو مصيبة اجتهد في الدعاء، وسأل الله في جميع أحواله، ألح ليكشف الله عنه ضره. فلما كشف الضر عنه استمر في غفلته معرضًا عن ربه وكأنه ما جاءه ضر، فكشفه الله عنه 70.

قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12] .

مر طاغيًا على ترك الشكر؛ لنسيانه ما دعا الله فيه وما صنع به، كما زين لهذا الكافر الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء 71.

ذم الله تعالى من هذه صفته وطريقته فقال: {مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .

وهذه صفات الكافر في الغالب، كما ذكر ابن الجوزي: «الكافر يدعو عند البلاء ويعرض عند الرخاء، كذلك المسرفون وهم المجاوزون الحد في الكفر والمعصية في عملهم» 72.

وقيل: يراد به المشركون الذين يرون أن للأصنام أفعالًا من الشفاء وجلب الخير ودفع الضر، فهم إذا شفاهم الله عظموا أصنامهم وأضافوا ذلك الشفاء لها 73.

إلا أن الله استثنى من هذه الصفات الذميمة من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد من عباده المؤمنين بقوله: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 10 - 11] 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت