أولًا: اسمه ونسبه:
هو نبي الله زكريا، أبو نبي الله يحيى عليهما السلام، من بني إسرائيل، وينتسب لنبي الله يعقوب عليه السلام كما يفهم من قوله تعالى: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) } [مريم:6] .
وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) } [الأنعام: 84 - 85]
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق أنه من ذرية سليمان بن داود عليهما السلام 1.
وفي كتاب البدء والتاريخ: أنه من ولد داود وكان يعمل نجارًا وكانت تحته أخت مريم بنت عمران أم عيسى وكان يحيى وعيسى ابني خالة، وكفل زكريا مريم 2.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (كان زكريّا نجَّارًا) 3.
ثانيًا: زمانه عليه السلام:
عاش نبي الله زكريا عليه السلام قبل ميلاد عيسى عليه السلام، حيث عاصر ميلاد مريم وكفلها، واستجاب الله دعاءه ورزقه بيحيى عليهما السلام.
قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) } [آل عمران: 37] .
ثالثًا: قرابته لمريم وعيسى عليهما السلام:
قيل: هو زوج أخت مريم عليها السلام.
وقيل: زوج خالتها.
قال ابن كثير: «وإنّما المحفوظ في بعض ألفاظ الصّحيح في حديث الإسراء: (فمررت بابني الخالة يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة) 4. فجاء على قول الجمهور، كما هو ظاهر الحديث، فإنّ أمّ يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران.
وقيل: بل أشياع وهي امرأة زكريّا أمّ يحيى هي أخت حنّة امرأة عمران أمّ مريم، فيكون يحيى ابن خالة مريم، فاللّه أعلم» 5.
رابعًا: وفاته عليه السلام:
قتل عليه السلام بتحريضٍ من قتلة يحيى عليه السلام 6، وقتل اليهود للأنبياء من أشنع ما ارتكبوه من جرائم.
قال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) } [آل عمران: 112] .
وقال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) } [آل عمران: 181] .
ورد ذكر زكريا عليه السلام في القرآن الكريم (7) مرات، في (4) سورة.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة ... الآيات
آل عمران ... 37 - 41
مريم ... 7 - 11
الأنبياء ... 89 - 90
قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) } [آل عمران: 37] .
تبدأ قصة زكريا عليه السلام كما في سورة آل عمران وهي سورة مدنية نزل صدرها بمناسبة قدوم وفد من نصارى نجران، وحوارهم مع النبي صلى الله عليه وسلم الذي دار محوره حول المسيح عليه السلام، ويبدأ الحديث عن زكريا بهذا العمل العظيم الذي حرص على القيام به ووفق إليه، كفالة اليتيمة مريم، تلك الطفلة التي تقبلها المولى عز وجل وأنبتها نباتًا حسنًا، فكان كفالته لها نعمة من الله ورحمة.
أولًا: كيف تمت تلك الكفالة؟
تم هذا الأمر بتوفيق من الله عز وجل بعد أن تنافسوا وتنازعوا على كفالة مريم، كلٌّ يرجو لنفسه أن ينال هذا الشرف، فمريم بنت إمامهم ومعلمهم عمران عليه السلام الرجل الصالح الذي مات دون أن تكتحل عيناه برؤيتها، وحرصا على هذا الشرف ووفاء لمعلمهم وإمامهم كان تنافسهم وتسابقهم على كفالتها، ولما لم تجتمع لهم كلمة ولم يتفق لهم رأي وطال جدالهم حول من يستأثر بهذه المكرمة: اتفقوا على أن يقترعوا فيما بينهم. قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} .
قال ابن عبّاسٍ: اقترعوا فجرت الأقلام مع الجرية وعال قلم زكريّا الجرية فكفلها زكريّا 7.
قال ابن حجر: (( وعال قلم زكريا) أي: ارتفع على الماء وفي إحدى الروايات وعلا، و (الجرية) بكسر الجيم والمعنى: أنهم اقترعوا على كفالة مريم أيهم يكفلها فأخرج كل واحد منهم قلما وألقوها كلها في الماء فجرت أقلامهم الجميع مع الجرية إلى أسفل وارتفع قلم زكريا فأخذها) 8.
وفاز زكريا عليه السلام بالقرعة وتولى كفالة مريم رضي الله عنها.
قرئ: (وَكَفَلَهَا) ، بالفاء المفتوحة المخففة على إسناد الفعل إلى زكريا عليه السلام: إخبار من الله بأنه هو الذي تولى كفالتها، بدليل قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} .
وقرئ بالتشديد {وَكَفَّلَهَا} أي: جعل الله زكريا لها كافلًا.
والقراءتان صحيحتان، لا تعارض بينهما في المعنى، فالمولى عز وجل قد أكرم مريم رضي الله عنها بأن جعل زكريا لها كافلا، ولقد توجه زكريا وقصد كفالة مريم تقربًا إلى الله عز وجل ووفاءً وعرفانًا وبرًّا وإحسانًا، وزكريا عليه السلام وإن كان قد أقبل على كفالتها، وأصاب سهمه فإن الذي هداه إلى ذلك ووفقه ويسّر له ذلك الأمر هو الله عز وجل 9.
ثانيًا: كرامة لمريم عليها السلام:
قال تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37] .
قام نبي الله زكريا عليه السلام بكفالة مريم، وجعل مقامها في بيت المقدس، في موضعٍ تخلو فيه للعبادة وهو المحراب.
ولابد أن هذا المكان بمعزل عن الاختلاط بالرجال والظهور لهم، فهو خلوة لمريم تتعبّد لربها بصفاء ذهن وإقبال قلب.
{وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} لم يحمله إليها، ولا هو مما يعهد في هذا الوقت من الزمن، وهو يعلم أنه لا يدخل عليها غيره؛ فهو القائم على كفالتها، حتى أثار ذلك الأمر دهشته وعجبه.
قال ابن كثير: «قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وغيرهم: وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وعن مجاهد قال: {وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} أي: علمًا، أو قال: صحفًا فيها علم. والأول أصح. وفيه دلالة على كرامات الأولياء، وفي السنة لهذا نظائر كثيرة» 10.
هذا الرزق كرامة من جملة الكرامات التي أظهرها الله لمريم تمهيدا وتهيئة للآية العجيبة التي تنتظرها.
موقف زكريا عليه السلام من هذه الكرامة: سأل زكريا مريم متعجبًا من أين لك هذا؟ كيف وصل إليك قالت هو من عند الله؛ فعطاؤه ممدود، وفضله عظيم وخزائنه زاخرة. كما قال تعالى: {وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 3] .
فالله سبحانه يعطي العباد من حيث لا يحتسبون، بدون تقدير منهم ولا تدبير، وفي الحديث (يمين الله ملأى لا يغيضها شيء، سحّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه) 11.
قال تعالى في سورة آل عمران: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) } [آل عمران: 38] .
وفي سورة مريم: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) } [مريم:2 - 6] .
وفي سورة الأنبياء: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) } [الأنبياء:89] .
لقد أكرم المولى عز وجل زكريا عليه السلام بإكرامه لمريم تلك اليتيمة ذات المكانة العظيمة، وكانت تلك الكرامة التي حدثت لمريم سببًا مباشرًا في توجّه زكريا عليه السلام إلى الله ودعائه بأن يرزقه ذرية طيبة.
ومن هنا تبدأ القصة، ولذا قال سبحانه: {هُنَالِكَ} أي: في ذلك الوقت وفي نفس المكان، وزكريا عليه السلام يشهد هذه الكرامة، ويرى تلك العجيبة، في المحراب مكان العبادة والطاعة، والرحمات والبركات والنفحات، يتوجه زكريا بالدعاء راجيًا من المولى عز وجل أن يرزقه ذرية طيبة، معلقا رجاءه بقدرة الله ورحمته ولطفه أن يرزقه الولد في غير حينه كما رأى الفاكهة في غير حينها.
قال القشيري: «لما رأى كرامة الله سبحانه مع مريم ازداد يقينا على يقين ورجاء على رجاء فسأل الولد على كبر سنه، وإجابته إلى ذلك كانت نقضا للعادة» 12.
لما رأى كرامة لمريم تدل على صلاحها وقربها من الله تمنى أن يكون له ولد صالح تقرّ به عينه، وينشرح له صدره.
وجاء الطلب بلفظ الهبة: «لأن الهبة إحسان محض، ليس في مقابلة شيء وهو يناسب ما لا دخل فيه للوالد، لكبر سنه، ولا للوالدة؛ لكونها عاقرا لا تلد» 13.
ومنح الولد مع اجتماع موانعه من كبر السن والعقم أمر خارق للعادة، مظهر لعظيم قدرة الله وجليل صنعه ولطيف إرادته. لذلك كان التفسير بـ (لدن) التي هي أخص من (عند) لأن هبة الولد لزكريا مع كبر سنه وعقم زوجته فيه منحة وخصوصية من المولى القدير جل وعلا.
قال الرازي: «لأن حصول الولد في العرف والعادة له أسباب مخصوصة، فلما طلب الولد مع فقدان تلك الأسباب كان المعنى: أريد منك إلهي أن تعزل الأسباب في هذه الواقعة، وأن تحدث هذا الولد بمحض قدرتك من غير توسط شيء من الأسباب 14.
والذرية الطيبة الولد الصالح الذي تطيب به النفس، ويبتهج الفؤاد وتقر به العين، فيوافق ما يتمناه أبواه ويرجوانه له من الصلاح.
«لما كان الباعث عليه ما شاهد من أمر مريم وخصوص كرامتها على الله، وامتلاء قلبه من شأنها لم يملك من نفسه إلا أن يسأل ربه أن يهبه مثلها كرامة ومكانة عند الله؛ ولذلك استجيب في عين ما سأل من الله، ووهب له يحيى وهو أشبه الأنبياء بعيسى عليه السلام، وأجمع الناس لما عند عيسى وأمه مريم الصديقة من صفات الكمال والكرامة ... » 15 {إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} : قابله ومجيبه.
قال النبيّ المستجاب دعاؤه
ما كنت ربّي بالدّعاء شقيّا
هب لي بفضلك وارثًا متعبّدًا
واجعله يا ربّ العباد رضيّا
فأجاب دعوته وأنجز وعده
بفتاه أعني عبده زكريّا 16
وفي سورة مريم قال تعالى في مستهل السورة عن دعاء زكريا عليه السلام: {ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) } [مريم:1 - 15]
{ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} : تذكير للنبي صلى الله عليه وسلم ولسائر المخاطبين برحمة الله عز وجل بعبده ونبيه زكريا عليه السلام.
{إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} : دعا ربه خفية، ومن المعلوم أن إخفاء الدعاء أو الجهر به عند الله سواء فهو سبحانه لا يخفى عليه شيء، وللدعاء في السر مزية فهو أدعى للخضوع والخشوع والإخلاص، وأقرب للإجابة، يقول قتادة: إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي 17.
وفي الحديث: (أربعوا على أنفسكم فإنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم) 18.
{قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} : ضعفت عظامي وخارت قواي، «فالعظم عماد البدن ودعام الجسد فإذا أصابه الضعف والرخاوة تداعى ما وراءه وتساقط قواه )) 19.
{وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا} : وشاب شعر الرأس كناية عن كبر سنه، فالشيب يسري في الرأس وينتشر فيها، كما تسري النار وتشتعل في الهشيم. والمراد من هذا: «الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة» 20. وفي هذا إشارة إلى ضعفه، وفقره إلى رحمة الله عز وجل.
حسن الرجاء:
{وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا} : لم أعهد منك ربي إلا إجابتي في دعوتي فأنت رجائي وغايتي، وأنت قصدي ووجهتي، عودتني على الكرم والإحسان.
ولم أكن بدعائي إياك خائبا في وقت من أوقات هذا العمر الطويل، بل كلما دعوتك استجبت لي، وهذا توسل منه بما سلف من الاستجابة عند كل دعوة إثر تمهيد ما يستدعي الرحمة ويستجلب الرأفة من كبر السن، وضعف الحال، فإنه تعالى بعدما عود عبده بالإجابة دهرا طويلا لا يخيبه أبدا لا سيما عند الاضطرار وشدة الافتقار، روي أن محتاجا قال لبعضهم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا، فقال: مرحبا بمن توسل بنا إلينا، وقضى حاجته ... يقال: سعد بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب 21.
إخلاص النية والحرص على الخير:
{وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} يخبر زكريا عليه السلام عن أسباب طلبه للولد فقد وهن منه العظم وشاب الشعر وتقدم به العمر، وهو خائف من أن يموت دون وارث له، يرث عنه النبوة والصلاح. قال الإمام القاسمي: « {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} ، أي: الذين يلون أمر رهطي من بعد موتي، لعدم صلاحية أحد منهم لأن يخلفني في القيام بما كنت أقوم به، من الإرشاد ووعظ العباد، وحفظ آداب الدين والتمسك بهديه المتين» 22.
{وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} : «و في الإخبار عنه بلفظ الماضي (وكان) : إعلام بتقادم العهد في ذلك، وغرض زكريا من هذا الكلام بيان استبعاد حصول الولد، فكان إيراده بلفظ الماضي أقوى» 23 في الدلالة، فهي لا تلد منذ شبابها، فكيف بها الآن؛ وقد بلغت من الكبر عتيا،!
{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} :هب لي من لدنك من يلي أمري، {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} : المقصود هنا ليس ميراث الملك أو المال، وإنما ميراث النبوة والحكمة، فالأنبياء لا يورثون دينارا ولا درهما، وإنما يورثون الحكمة والهدى والصلاح، والميراث يكون في المال أو في الملك أو في العلم والحكمة أو في النبوة والصلاح، والأول مستبعدٌ لأنه لم يطلب الولد ليرث ماله فالأنبياء لا يورّثون مالا. وليس ميراث ملك لأن زكريا لم يكن ملكا وآل يعقوب لم يتوارثوا ملكا ويحيى عليه السلام لم يصبح ملكا. ومن هنا فإن الميراث الحقيقي الذي سيرثه عن أبيه هو الصلاح والعلم والحكمة.
قال الراغب: « {وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} يعني وراثة النبوة والعلم والفضيلة دون المال، فالمال لا قدر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه، بل قلما يقتنون المال ويملكونه» 24.
سؤال الصلاح للولد:
{وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} : مرضيًّا عندك في جميع أحواله. قال ابن كثير: «مرضيا عندك وعند خلقك تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه» 25، كما قال عز وجل في ختام سورة مريم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) } [مريم:96] .
أي: سيجعل لهم في قلوب العباد محبة ومودة.
قال الماوردي «فيها وجهان: أحدهما: حبا في الدنيا مع الأبرار، وهيبة عند الفجار، الثاني: يحبهم الله ويحبهم الناس ... ويحتمل ثالثًا: أن يجعل ثناء حسنا ... » 26.
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه قال: فيحبه جبريل، ثم ينادى في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول إني أبغض فلانا فأبغضه، قال فيبغضه جبريل، ثم ينادى في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه ثم توضع له البغضاء في الأرض) 27.
دعاء زكريا في سورة الأنبياء، قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) } [الأنبياء:89] .
وهذا هو الموضع الثالث الذي يتحدث فيه القرآن الكريم عن دعاء زكريا عليه السلام، وسياق الآيات هنا في بيان رحمة الله بأنبيائه واستجابته لدعواتهم، ونلاحظ أن مضمون الدعاء في السور الثلاث واحد والهدف منه واحد، وإن تنوعت الأساليب، فإن تنوعها يكشف عن حقائق هذا الدعاء ومقاصده، ومن المرجّح أن الدعاء تكرر من زكريا عليه السلام.
وفي موضع سورة الأنبياء يخبر الله تعالى في سياق إنعامه على أنبيائه واستجابته لدعائهم، كيف يطلب زكريا عليه السلام من المولى عز وجل أن لا يتركه وحيدا لا ولد له؛ يقوم بوراثة الصلاح والنبوة من بعده، قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) } [الأنبياء:89]
فالوارث الحقيقي هو الله سبحانه وهو الباقي بعد فناء خلقه. قال ابن كثيرفي قوله {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} : «دعاء وثناء مناسب للمسألة» 28.
وقال الألوسي في معنى {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} : «وفيه مدح له تعالى بالبقاء وإشارة إلى فناء من سواه من الأحياء، وفي ذلك استمطار لسحائب لطفه عز وجل» 29.
استجابة الله تعالى لدعاء زكريا عليه السلام: