فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 2431

المدح

أولًا: المعنى اللغوي:

لفظ المدح في اللغة العربية مأخوذ من مادة الفعل (م د ح) و «الميم والدال والحاء أصل صحيح يدل على وصف محاسن بكلام جميل، ومَدَحَهُ يَمْدَحُهُ مَدْحًا: أحسن عليه الثناء، والأمدوحة: المدح» 1، قال الجوهري: «المدح: الثناء الحسن. وقد مَدَحَهُ وامْتَدَحَهُ بمعنًى، وتَمَدَّحَ الرجل: تكلف أن يمدح. ورجلٌ مُمَدحٌ، أي: ممدوح جدًّا» 2.

ومن المعاني الحسية للمدح الاتساع، يقال: «تمدحت خواصر الماشية، أي اتسعت شبعًا» 3، ومن هذا يبدو أن المعنى المعنوي للمدح متطور من المعنى الحسي؛ لأن الاتساع بذكر الخصال الحميدة في الممدوح والثناء عليه ملحوظ فيه، وعليه، فالمدح: هو حسن الثناء.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

«المدح هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري قصدًا» 4، فلا يكون إلا على صفة في الممدوح كالتقوى والإيثار، ويخرج منه ما كان خارجًا عن إرادته كحسن المنظر، «والمدح بمعنى عدَّ المآثر والمناقب يقابله الهجو بمعنى عدَّ المثالب، والمدح بالوصف الجميل يقابله الذم» 5. وعليه، فللمدح معنيان: أحدهما: عدُّ المآثر والمناقب، والآخر: الثناء بالوصف الجميل، فإذا كان بمعنى عدَّ المآثر والمناقب فهو يقابله الهجو بمعنى عد المثالب، وإذا كان بمعنى الثناء بالوصف الجميل فهو يقابله الذم.

وبهذا يمكن أن نخرج بتعريف اصطلاحي للمدح بأنه: الإخبار عن محاسن الغير والثناء باللسان على الممدوح بما يبديه من المآثر والخصال الحميدة المؤثرة من قول أو فعل أو صفة.

ولم يرد لفظ (المدح) في القرآن، ولم يرد جذره (مدح) .

الثناء:

الثناء لغة:

ذكر ما يشعر بالتعظيم 6، وهو الذكر بالخير والكلام الجميل، ويستعمل في الوصف بمدح أو ذم، فيقال أثنى عليه خيرًا أو أثنى عليه شرًّا، لكن غلب استعماله في الخير، وقد طار ثناء فلان، أي: ذهب وانتشر بين الناس 7.

الثناء اصطلاحًا:

«هو الإتيان بما يشعر التعظيم مطلقًا، سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان؛ وسواء كان في مقابلة شيء أو لا» 8.

الصلة بين الثناء والمدح:

«أن الثناء مدح مكرر، مأخوذ من الثني ورد الشيء بعضه على بعض، من قولك: ثنيت الخيط، إذا جعلته طاقين، وثنَّيته بالتشديد إذا أضفت إليه خيطًا آخر، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر:87] ؛ يعني: سورة الحمد؛ لأنها تكرر في كل ركعة» 9 قال ابن منظور: «وأثنيت عليه في حياته إذا مدحته دفعة بعد دفعة» 10.

التمجيد:

التمجيد لغة:

نيل الشرف والمجد، من قولهم: رجل ماجد، وقد مجد الرجل بالضم، فهو مجيد وماجد.

التمجيد اصطلاحًا:

بلوغ النهاية في عظم الشأن الجامع بين شرف الذات وحسن الفعال 11.

الصلة بين التمجيد والمدح:

أن التمجيد تعظيم وشرف، والمدح ثناء بهذا الشرف.

التعظيم:

التعظيم لغة:

التبجيل، يقال: عظم الأمر عظامة، وعَظَّمَهُ يُعَظَّمُهُ تعظيمًا، أي: كَبَّرَهُ، واستعظمت الشيء: أخذت أعظمه، واستعظمته: أنكرته، وعظم الشيء: أعظمه وأكبره، وعظم الرجل عظامة فهو عظيم في الرأي والمجد، وإن لفلان عظمة عند الناس، أي: حرمة يعظم لها 12.

التعظيم اصطلاحًا:

هو التوقير والإجلال والتفخيم والمكانة في النفوس والعظمة في الرأي 13.

الصلة بين التعظيم والمدح:

أن التعظيم فيه معنى التبجيل والتوقير والاحترام والهيبة في النفوس، فهو أعلى من المدح.

الحمد:

الحمد لغة:

هو نقيض الذم 14.

الحمد اصطلاحًا:

الإخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه 15.

الصلة بين الحمد والمدح:

الحمد أخص من المدح، فالمدح يقال فيما يكون من الإنسان باختياره، وما يكون فيه بالتسخير، فقد يُمْدَحُ الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يُمْدَحُ ببذل ماله وسخائه وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، وكل حمد مدح وليس كل مدح حمدًا 16.

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: «الحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه؛ ولهذا كان خبرًا يتضمن الإنشاء بخلاف المدح فإنه خبر مجرد» 17.

الشكر:

الشكر لغة:

هو عرفان الإحسان ونشره 18. وقال الرازي: الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف 19.

الشكر اصطلاحًا:

هو عرفان الإحسان، والاعتراف بالنعمة، وأداء ما يترتب عليه، والقيام بحق مسديها 20.

قال ابن قيم الجوزية: «الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا وعلى قلبه شهودًا ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة» 21.

الصلة بين الشكر والمدح:

المدح أعم من الشكر باعتبار المتعلق، فإن متعلقه النعمة وغيرها، ومتعلق الشكر النعمة فقط؛ والشكر أعم من المدح باعتبار المورد، فإن مورد الشكر اللسان والجنان والأركان، ومورد المدح هو اللسان فقط، فكان بينهما عموم وخصوص من وجه.

الذم:

الذم لغة:

الذم نقيض المدح، «يقال: ذَمَمْتُهُ أَذُمُّهُ ذَمًّا فهو مذموم وذميم» 22، «ورجل مُذَمَّمٌ: أي: مذموم جدًّا، وشيء مذم: أي: معيب» 23.

الذم اصطلاحًا:

هو الإخبار بمساوئ المذموم مع بغضه.

الصلة بين الذم والمدح:

إن المدح إخبار بمحاسن المحمود، والذم إخبار بمساوئ المذموم، وجماع المساوئ فعل الشر، كما أن جماع المحاسن فعل الخير 24.

الهجاء:

الهجاء لغة:

الشتم بالشعر، يقال: هَجا يَهْجُو هِجاءً: وهو الوقيعة في الأشعار، وهو الشتم بالشعر، وهو خلاف المدح، والمرأة تهجو زوجها، أي: تذم صحبته 25، وأصل الهجاء في العربية: الهدم؛ تقول: هجوت البيت إذا هدمته 26.

الهجاء اصطلاحًا:

هو ما يوصف به في الشعر من الأخلاق الذميمة 27.

الصلة بين الهجاء والمدح:

الهجو نقيض المدح، وهو يدل على الفعل والصفة فيتناول الفاعل والموصوف دون الفعل والصفة، فتقول هجوته بالبخل وقبح الوجه، ولا تقول هجوت قبحه وبخله 28.

اشتمل القرآن الكريم على آيات عديدة تتضمن ثناءً على الله عز وجل، وإذا كان من الثناء ما يشعر بتعظيم من يثنى عليه، فإن حمد الله عز وجل وتسبيحه وتكبيره تدخل كلها في باب المدح والثناء.

أولًا: مدح الله تعالى لنفسه:

مدح الله تعالى نفسه بأساليب من المدح؛ منها:

1.المدح بصفة الحمد.

المطالع لفواتح السور يجد أن الله تعالى استفتح خمس سور بـ (الحمد للَّه) هي سور: الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر، وكذلك اختتم بها ثلاث سور هي سور: الإسراء، والنمل، والزمر، وهو سبحانه «يخبر أن المستحق للحمد هو الله تعالى، ومعناه: الأمر، أي: قولوا الحمد لله، وفيه تعليم الخلق كيف يحمدونه، والحمد والمدح أخوان» 29.

يقول الإمام البقاعي: «الحمد: المدح الكامل الذي يحيط بجميع الأفعال والأوصاف، على أن جميعها إنما هو من الله سبحانه تعالى، وأنه كله مدح لا يتطرق إليه ذم، فإذا اضمحل ازدواج المدح بالذم، وعلم سريان المدح في الكل استحق عند ذلك ظهور اسم الحمد مكملًا معرفًا بكلمة «ال» وهي كلمة دالة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله» 30.

2.المدح بالتوحيد.

يقول تعالى: (اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ? لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ? لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ? يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ? وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ? وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ? وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ? وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ?255?) [البقرة:255] .

فهذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، حيث اشتملت على اسمان لله تعالى يدلان على سائر الأسماء الحسنى هما: (الْحَيُّ الْقَيُّومُہ) فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، وآية كهذه احتوت على أجل المعاني، يحق أن تكون أعظم آيات القرآن، ويحق لمن قرأها متدبرًا متفهمًا أن يمتلئ قلبه من اليقين والعرفان والإيمان، وأن يكون محفوظًا بذلك من شرور الشيطان 31.

3.المدح بالأسماء الحسنى.

وهي جامعة لمعاني المدح والثناء كله في القران الكريم.

قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ? هُوَ الرَّحْمَ?نُ الرَّحِيمُ ?22?هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ? سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ?23?هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ? لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? ? يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ?24?) [الحشر:22 - 24] .

جاءت هذه الآيات الثلاث في خاتمة سورة الحشر، والتي تضمنت ذكر عدد من أسماء الله وصفاته الحسنى بصورة متتابعة لم تذكر في مثلها من آيات القرآن الكريم. وقد بين الطاهر بن عاشور السبب في ذلك بقوله: «لما تكرر في هذه السورة ذكر اسم الله وضمائره وصفاته أربعين مرة، منها أربع وعشرون بذكر اسم الجلالة، وست عشرة مرة بذكر ضميره الظاهر أو صفاته العلية، وكان ما تضمنته السورة دلائل على عظيم قدرة الله وبديع تصرفه وحكمته، وكان مما حوته السورة الاعتبار بعظيم قدرة الله إذ أيد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ونصرهم على بني النضير ذلك النصر الخارق للعادة، وذكر ما حل بالمنافقين أنصارهم، وقوبل ذلك بالثناء على المؤمنين بالله ورسوله الذين نصروا الدين، ثم الأمر بطاعة الله والاستعداد ليوم الجزاء والتحذير من الذين أعرضوا عن كتاب الله ومن سوء عاقبتهم، وختم ذلك بالتذكير بالقرآن الدال على الخير، والمعرف بعظمة الله المقتضية شدة خشيته عقب ذلك بذكر طائفة من عظيم صفات الله ذات الآثار العديدة في تصرفاته المناسبة لغرض السورة؛ زيادة في تعريف المؤمنين بعظمته المقتضية للمزيد من خشيته، وبالصفات الحسنى الموجبة لمحبته، وزيادة في إرهاب المعاندين المعرضين من صفات بطشه وجبروته» 32.

4.المدح ببديع ما صنع الله تعالى وأوجد.

قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ?47?وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ?48? [الذاريات:47 - 48] .

ففي هذه الآية «ذكر الله تعالى ما يدل على تمام قدرته على البعث بقوله: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا) أي: بما لنا من العظمة (بِأَيْدٍ) أي: بقوة وشدة عظيمة لا يقدر قدرها (وَإِنَّا) على عظمتنا بعد ذلك (لَمُوسِعُونَ) أي: أغنياء وقادرون ذوو سعة لا تتناهى، ولذلك أوسعنا بقدر جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها، فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا تصح معها الشركة أصلًا، فلسنا كمن تعرفون من الملوك؛ لأنهم إذا فعلوا شيئًا لم يقدروا على أعظم منه وإن قدروا كان ذلك منهم بكلفة ومشقة، وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى ما ترون في جنبه ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من الأمور الخارقة للعوائد (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا) أي: بسطناها ومهدناها بما لنا من العظمة، فصارت ممهدة جديرة بأن تستقر عليها الأشياء، وهي آية على تمهيد أرض الجنة، وسقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها (نِعْمَ) أي: فتسبب عن ذلك أن يقال: في وصفنا نِعْمَ (الْمَاهِدُونَ) أي: نحن لكمال قدرتنا، فما نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا واختيارنا وتقديرنا من الأزل؛ لأنا إذا صنعنا شيئًا علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إفنائه، ولا يكون شيء منه إلا بتقديرنا، وذلك تذكير بالجنة والنار، فما فيها من خير فهو آية على الجنة، وما فيها من شر فهو آية على النار، والمخصوص بالمدح محذوف لفهم المعنى» 33.

والله تعالى يحب المدح من عباده، وهو سبحانه جدير بالمدح، فالكون كونه والملك ملكه، ولا إله غيره، وهو سبحانه أهل الثناء والمجد، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه) 34.

فهذا الحديث يدل على حب الله للمدح والحمد والثناء من عباده.

ولذلك أرشد الله تعالى عباده إلى مدحه، وحثهم عليه، وجعل مدحه بالثناء والتعظيم عبادة من أجل العبادات وأعظمها عنده.

قال تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) [النمل:59] .

وجعله سبب الفلاح فقال تعالى: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأعراف:69] .

وجعل مدحه بشكر نعمه غاية من الخلق، فقال سبحانه: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ? لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل:78] .

وفي مدح الله تعالى والثناء الحسن عليه بما هو أهله مصلحة للعباد في معاشهم ومعادهم، قال الإمام بدر الدين العيني: «وحب الله المدح ليس من جنس ما يعقل من حب المدح، وإنما الرب أحب الطاعات ومن جملتها مدحه ليثيب على ذلك، فينتفع المكلف لا لينتفع هو بالمدح، ونحن نحب المدح لننتفع ويرتفع قدرنا في قومنا، فظهر من غلط العامة قولهم: إذا أحب الله المدح فكيف لا نحبه نحن؟» 35.

ثانيًا: مدح الخلق لله تعالى:

مَدْحُ الله تعالى واجب على عباده، وهو حقٌّ من حقوقه تعالى عليهم، وحينما يثني العبد على ربه ويشكره على نعمه فهو بذلك يتعرض لمزيد فضل الله تعالى.

يقول سبحانه: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ? وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) [لقمان:12] .

قال ابن كثير: « (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) أي: الفهم والعلم والتعبير (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) أي: أمرناه أن يشكر الله عز وجل على ما أتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل، الذي خصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، ثم قال تعالى: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين، لقوله تعالى: (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) [الروم:44] .

وقوله: (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) أي: غني عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا، فإنه الغني عمن سواه؛ فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه» 36.

إن الأنبياء والمرسلين كانوا أكرم العباد في الثناء والمدح لله تعالى بما يليق به عز وجل، فإبراهيم عليه السلام يتوجه إلى الله تعالى بالثناء والمدح على ما أعطاه من نعم قائلًا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ? إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ?39?) [إبراهيم:39] .

وقال سليمان وداود عليهما السلام: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى? كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) [النمل:15] .

وأهل الطاعة يحمدون الله تعالى على نعمة الهداية وتوفيقهم للطاعة فيقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَ?ذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ?) [الأعراف:43] .

وأهل الجنة يقولون: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ? إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر:34] .

وفي مدح الله تعالى والثناء عليه فوائد؛ منها:

للمدح أسباب؛ منها:

أولًا: الأعمال الصالحة:

إن الأعمال الصالحة تزكي النفس وتصلحها، وتطهر القلب من أرجاس المعاصي، وهي وسيلة التقرب إلى الله تعالى، وبها يمحى تأثير الأعمال السيئة؛ لذا يجب على المسلم أن يتحلى بها، ومن هذه الأعمال:

الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها، بل لا تسمى أعمالًا صالحة إلا بالإيمان، والإيمان مقتضٍ لها، فإنه التصديق الجازم المثمر لأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات، فمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح عاش حياة طيبة، وذلك بطمأنينة قلبه وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقًا حلالًا طيبًا من حيث لا يحتسب.

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ? وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97] .

ولأن الإيمان أساس لكل خير يوجد، ومركز لدائرته، ومسك خاتمته، مدح الله تعالى به من هم من كبار الرسل إظهارًا لفضل الإيمان ومزيته، فمدح الله تعالى نوحًا عليه السلام في قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات:81] .

وإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات:111] .

وموسى وهارون عليهما السلام في قوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [الصافات:122] .

وإلياس عليه السلام في قوله تعالى (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [الصافات:132] .

والمقصود مدح صفة الإيمان نفسها، لا مدح موصوفها 40.

ولشرف الإيمان جعله الله عز وجل شرطًا لانتفاع العبد بعمله الصالح في الآخرة، فقال عز وجل: (:وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى? لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَ?ئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) [الإسراء:19] .

ومدح الله عباده المؤمنين أن ليس للشيطان عليهم سلطان، فقال عز وجل: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) ?إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (100 ) ) [النحل:99 - 100] .

وقد عدد الله تعالى صفات أهل الإيمان، ورتب على الالتزام بها مغفرة السيئات وبلوغ أعلى الدرجات، فقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ?2?الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ?3?أُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ? لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ?4?) [الأنفال: 2 - 4] .

فالموصوفون بهذه الصفات الخمس هم المؤمنون حقًّا وصدقًا لهم درجات عند ربهم ومنازل عالية متفاوتة العلو والارتفاع في الجنة، ولهم قبل ذلك مغفرة كاملة لذنوبهم ورزق كريم طيب واسع لا تنقيص فيه ولا تكدير، وذلك في الجنة دار المتقين.

عبادة الله تعالى من أهم الصفات التي مدح بها عباده المؤمنين، فهي توصلهم إلى مرضاته سبحانه، يقول تعالى على لسان عيسى عليه السلام: (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ? هَ?ذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(51 ) ) [آل عمران:51] .

ومفهوم العبادة في الإسلام أعم وأشمل مما يعتقده كثير من الناس، من مجرد الصلاة والزكاة والصيام والحج فقط، فالعبادة التي خلقنا الله من أجلها هي تعظيم الله عز وجل والخضوع والتذلل له وإفراده بالطاعة المطلقة.

قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ? لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?30?) [الروم:30] .

والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد؛ لانتسابه إلى جناب الله تعالى، وقد سمى الله رسوله بعبده في أشرف مقاماته فقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) [الكهف:1] .

(وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) [الجن:19] .

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ) [الإسراء:1] .

فسماه عبدًا عند إنزاله عليه وقيامه في الدعوة وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين له، حيث يقول: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى? يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: 97 - 99] » 41.

وكما وصف الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بصفة العبودية، وصف بها بعض أنبيائه ورسله.

قال تعالى عن زكريا عليه السلام: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) [مريم:2] .

وقال عن سليمان عليه السلام: (نِعْمَ الْعَبْدُ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ ?30?) [ص:30] .

وقال عن أيوب عليه السلام: (نِعْمَ الْعَبْدُ ? إِنَّهُ أَوَّابٌ ?44?) [ص:44] .

وقال عن إبراهيم ولوطًا وإسحاق ويعقوب (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ? وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) [الأنبياء:73] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت