فهرس الكتاب

الصفحة 606 من 2431

وقوله: (وَمَحيايَ وَمَماتي) أي: ما يفعل الإنسان في حياته، وما يجريه الله علي، وما يقدر علي في مماتي، الجميع (لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ ? لا شَريكَ لَهُ) في العبادة، كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير، وليس هذا الإخلاص لله ابتداعًا مني، وبدعًا أتيته من تلقاء نفسي، بل (وَبِذلِكَ أُمِرتُ) أمرًا حتمًا، لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله (وَأَنا أَوَّلُ المُسلِمينَ) من هذه الأمة 41.

الدعاء صورة من صور الإخلاص لله تعالى، ومن أسباب استجابة الدعاء الإخلاص.

قال تعالى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ? وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ? كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ?29?) [الأعراف:29] .

يقول السعدي في تفسيره: « (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) أي: بالعدل في العبادات والمعاملات، لا بالظلم والجور، (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) أي: توجهوا لله، واجتهدوا في تكميل العبادات، خصوصًا «الصلاة» أقيموها، ظاهرًا وباطنًا، ونقوها من كل نقص ومفسد، (وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) أي: قاصدين بذلك وجهه وحده لا شريك له. والدعاء يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة، أي: لا تراءوا ولا تقصدوا من الأغراض في دعائكم سوى عبودية الله ورضاه» 42.

و قال تعالى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) [غافر:14] .

هذا خطاب للموحدين يأمرهم تعالى بالاستمرار على توحيد الله في عباداته والإخلاص لله تعالى في كل أعمالهم، ولو كره الكافرون ذلك منهم فإنه غير ضائرهم 43.

قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى? ? إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا) [مريم:51] .

هذا أمر من الله عز وجل بذكر موسى بن عمران عليه السلام على جهة التشريف له، وأعلمه بأنه كان مخلصًا في دعوته وعبادته، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «مخلصًا» بكسر اللام وهي قراءة الجمهور أي: أخلص نفسه لله، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «مخلصًا» بفتح اللام وهي قراءة أبي رزين ويحيى وقتادة، أي: أخلصه الله للنبوءة والعبادة 44.

قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا ? وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى? كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) [النمل:15] .

ولقد آتينا داود وسليمان علمًا أي: أعطينا كل واحد منهما طائفة خاصة به من علم الشرائع والأحكام، وغير ذلك مما يختص به كل واحد منهما، كصنعة الدروع، ومنطق الطير. أو: علمًا لدنيا، وقالا أي: كل واحد منهما، شكرًا لما أوتيه من العلم: الحمد لله الذي فضلنا بما آتانا من العلم على كثيرٍ من عباده المؤمنين. قال النسفي: وهنا محذوف، ليصلح عطف الواو عليه، ولولا تقدير المحذوف لكان الوجه: الفاء، كقولك: أعطيته فشكر، وتقديره: آتيناهما علمًا، فعملا به، وعرفنا حق النعمة فيه، وقالا: الحمد لله الذي فضلنا على كثيرٍ، والكثير المفضل عليه: من لم يؤت علمًا، أو: من لم يؤت مثل علمهما، وفيه: أنهما فضلا على كثير، وفضل عليهما كثير، وفي الآية دليلٌ على شرف العلم، وتقدم حملته وأهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلًا على كثير من عباده، وما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورثة الأنبياء إلا لمداناتهم في الشرف والمنزلة؛ لأنهم القوامون بما بعثوا من أجله، وفيها: أنه يلزمهم لهذه النعمة الفاضلة أن يحمدوا الله تعالى على ما أوتوه 45.

والإخلاص في الدعوة إلى الله هو تجريد القصد لله تعالى، وطلب مرضاته دون سواه، وهو روح الأعمال وأساس قبولها عند الله، ولا يتحقق الإخلاص في الدعوة إلا عندما يتأكد الداعية أن قصده رضا الله تعالى، ويتجرد من الانقياد وراء حظوظ النفس ونوازع الهوى ومطالب الذات، ويحرر نفسه من قيود الرياء، وطلب الشهرة أو المدح أو الظهور أو السمعة، أو حب التصدر والرئاسة والجاه، ويتخلص من السعي خلف شهوة المال والجاه، وطلب المنزلة في قلوب الناس واستقطابهم، أو السعي وراء أي متاع من متع الدنيا وجعل الدعوة وسيلة له.

قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) } [آل عمران:104] .

والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصديةٌ لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فردٍ من الأمة بحسبه 46.

كما ثبت في صحيح مسلمٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) 47.

ولابد للمسلم أن يحرص على أن يبتغي من عمله هذا وجه الله، وأن يكون مخلصًا لربه حتى يكون من الفائزين عند رب العاملين.

قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [النساء:114] .

لا خير في كثير من نجوى الناس جميعًا إلا من أمر بصدقة أو معروف، والمعروف: هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير، أو إصلاح بين الناس، وهو الإصلاح بين المختصمين، بما أباح الله الإصلاح بينهما، ليتراجعا إلى ما فيه الألفة واجتماع الكلمة، على ما أذن الله وأمر به، ثم أخبر جل ثناؤه بما وعد من فعل ذلك فقال: «ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا» ، يقول: ومن يأمر بصدقة أو معروف من الأمر، أو يصلح بين الناس «ابتغاء مرضاة الله» ، يعني: طلب رضى الله بفعله ذلك «فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا» 48، أي: في الدنيا والآخرة.

المؤمن بحاجة ماسة لوسائل عديدة لتحقيق الإخلاص، فقد ذكر الله في كتابه وسائل من خلالها يتحقق الإخلاص عند المؤمن في عبادته وطاعته، ومنها تعظيم الله سبحانه وتعالى، والدعاء في السر والعلن، ومحاربة الهوى، والعبادات السرية، ومخالفة الشيطان.

إن تعظيم الله سبحانه أساس الفلاح، وكيف يفلح ويسعد قلب لا يعظم ربه وخالقه وسيده ومولاه، ومن عظم الله عرف أحقية الله عز وجل بالذل والخضوع والخشوع والانكسار، وعظم شرعه، وعظم دينه، وعرف مكانة رسله، ومن عظم الله سبحانه وقدره حق قدره تحقق فلاحه ونجاحه وسعادته في دنياه وأخراه، وهذا التعظيم لله سبحانه يعد أساسا متينا يقوم عليه دين الإسلام، بل إن أصل العبادة في الإسلام هو التعظيم.

قال تعالى: (ذَ?لِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج:32] .

بعد أمر الله تعالى إبراهيم الخليل بالنداء للحج، أوضح الله ثواب تعظيم أحكام الله ومناسك الحج، وذلك هو المأمور به من الطاعات في أداء مناسك الحج، وتعظيم حرمات الله: وهي كل ما لا يحل هتكه، ومن يعظم أحكام الله بتعلمها واجتناب المعاصي والمحرمات، والتزام المأمورات فله الثواب الجزيل، الشامل أمرين: فعل الطاعة في حد ذاتها، واجتناب المحظور الحرام. وتعظيم شرائع الله خير محض للإنسان 49.

ومن أسماء ربنا وخالقنا ومولانا الحسنى «العظيم «، وهو جل وعلا عظيم في أسمائه، وعظيم في صفاته، وعظيم في أفعاله، وعظيم في كلامه، وعظيم في وحيه وشرعه وتنزيله، بل لا يستحق أحدٌ التعظيم والتكبير والإجلال والتمجيد غيره، فيستحق على العباد أن يعظموه بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته ومحبته والذل له والخوف منه، ومن تعظيمه سبحانه أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ومن تعظيمه وإجلاله أن يخضع لأوامره وشرعه وحكمه، وأن لا يعترض على شيء من شرعه.

وهو جل وعلا عظيم مستحق من عباده أن يعظموه جل وعلا حق تعظيمه، وأن يقدروه جل وعلا حق قدره، قال الله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ? سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر:67] .

يقول ابن كثير في تفسيره: وما قدر المشركون الله حق قدره، حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيءٍ، المالك لكل شيءٍ، وكل شيءٍ تحت قهره وقدرته 50.

وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعودٍ، قال: «جاء حبرٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد أو يا أبا القاسم إن الله تعالى يمسك السماوات يوم القيامة على إصبعٍ، والأرضين على إصبعٍ، والجبال والشجر على إصبعٍ، والماء والثرى على إصبعٍ، وسائر الخلق على إصبعٍ، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبًا مما قال الحبر، تصديقًا له، ثم قرأ: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ? سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يُشْرِكُونَ) » 51.

فقد ذهبت عقول هؤلاء المشركين حين صرفوا ذلهم وخضوعهم وانكسارهم ورجاءهم وخوفهم ورغبهم ورهبهم وحبهم وطمعهم إلى مخلوقات ضئيلة، وكائنات ذليلة، لا تملك لنفسها شيئًا من النفع والضر، فضلًا عن أن تملكه لغيرها، وتركوا الخضوع والذل للرب العظيم والكبير المتعال، والخالق الجليل تعالى الله عما يصفون، وسبحان الله عما يشركون، وهو وحده المستحق للتعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل، وهذا خالص حقه.

فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره، أو يشرك بينه وبين غيره فيه، ومن اتخذ الشركاء والأنداد له ما قدر الله حق قدره، ولا عظمه حق تعظيمه، سبحانه وتعالى الذي عنت له الوجوه، وخشعت له الأصوات، ووجلت القلوب من خشيته، وذلت له الرقاب، تبارك الله رب العالمين، وإن من أعظم ما يعين العبد على تحقيق عبودية التعظيم للرب: أن يتفكر في مخلوقات الله العظيمة وآياته - جل شأنه - الجسيمة الدالة على عظمة مبدعها وكمال خالقها وموجدها.

يقول جل شأنه: (مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ?13? وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ?14? أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ?15? وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ?16? وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ?17? ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ?18? وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ?19? لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ?20? قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) [نوح:13 - 21] .

يقول النسفي في تفسيره: ما لكم لا ترجون لله وقارًا، أي: لا تخافون لله عظمة 52.

وإن تفكر المؤمن وتأمله في آيات الله العظيمة ومخلوقاته الباهرة تهدي قلبه وتسوقه إلى تعظيم خالقه، تفكر في هذه الأرض التي تمشي عليها والجبال المحيطة بك، إن نظرة منك متجردة إلى هذه الأرض متفكرًا فيها تجد أنها مخلوقات عظيمة؛ عظمة تبهر القلوب، فإذا ما وسعت النظر ونظرت فيما هو أعظم من ذلك.

وتأملت في السماء المحيطة بالأرض تتضاءل عندك هذه العظمة؛ عظمة الأرض بالنسبة إلى عظمة السماء، ثم إذا تأملت فيما هو أعظم وهو السماوات السبع المحيطة بهذه الأرض يزداد الأمر عظمة.

ثم إذا تأملت في ذلكم المخلوق العظيم الذي قال الله عنه في أعظم آية في كتاب الله.

قال جل شأنه: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ? وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ? وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة:255] .

يقول السعدي: وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فحول الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب، فلهذا قال: (وَلَا يَئُودُهُ) أي: يثقله (حِفْظُهُمَا ? وَهُوَ الْعَلِيُّ) بذاته فوق عرشه، العلي بقهره لجميع المخلوقات، العلي بقدره لكمال صفاته (الْعَظِيمُ) الذي يتضاءل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصغر في جانب جلاله أنوف الملوك القاهرة، فسبحان من له العظمة العظيمة والكبرياء الجسيمة والقهر والغلبة لكل شيء 53.

وإن تعظيم الله جل شأنه فرع عن المعرفة بالله جل وعلا؛ فكلما كان العبد أعظم معرفة بالله كان أشد لله تعظيمًا وأشد له إجلالًا وأعظم له مخافة وتحقيقًا لتقواه جل شأنه، وإذا عظم القلب ربه خضع له سبحانه وانقاد لحكمه وامتثل أمره وخضع له جل شأنه، وجميع صنوف الانحرافات وأنواع الأباطيل والضلالات في جميع الناس منشؤها من ضعف التعظيم لله أو انعدامه في القلوب، وسيندم جميع هؤلاء يوم لقاء الله، فهو يوم عصيب لمن كان لا يؤمن بالله العظيم.

قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ?25? وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ?26? يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ?27? مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ?28? هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ?29? خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ?30? ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ?31? ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ?32?) [الحاقة:25 - 32] .

وسبب سوء العاقبة والهلاك والعذاب عدم إيمانه بعظمة الله.

قال تعالى: (إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ) [الحاقة:33] .

الدعاء أحد الوسائل المعينة على تحقيق الإخلاص، حيث يتوجه العبد إلى ربه طلبًا للعون والمساعدة والنصرة، وقد جاء الدعاء على لسان كثير من الأنبياء والرسل عليهم السلام، فهذا نبي الله زكريا توجه لربه وأخلص في دعائه فسرعان ما ا الاستجابة.

قال الله تعالى حكاية عنه: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى? وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ? وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90] .

فاستجبنا له، أي: دعاء زكريا عليه السلام، ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه، أي: أصلحناها للولادة بعد عقرها، معجزة وكرامة له، وقوله تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) تعليل لما فصل من فنون إحسانه تعالى، المتعلقة بالأنبياء المذكورين، أي: كانوا يبادرون في كل باب من الخير. وإيثار (في) على (إلى) للإشارة إلى ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير. لأن (إلى) تدل على الخروج عن الشيء والتوجه إليه ويدعوننا رغبًا ورهبًا، أي: ذوي رغب ورهب، أو راغبين في الثواب راجين للإجابة. وكانوا لنا خاشعين، أي: مخبتين متضرعين 54.

يقول تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ? وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ) [لقمان:32] .

وذكر تعالى حال الناس، عند ركوبهم البحر، وغشيان الأمواج كالظل فوقهم، أنهم يخلصون الدعاء لله والعبادة: (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ) انقسموا فريقين:

فرقة مقتصدة، أي: لم تقم بشكر الله على وجه الكمال، بل هم مذنبون ظالمون لأنفسهم.

وفرقة كافرة بنعمة الله، جاحدة لها، ولهذا قال: (وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ) أي: غدار، ومن غدره، أنه عاهد ربه، لئن أنجيتنا من البحر وشدته، لنكونن من الشاكرين، فغدر ولم يف بذلك، (كَفُورٍ) بنعم الله، فهل يليق بمن نجاهم الله من هذه الشدة، إلا القيام التام بشكر نعم الله 55.

في هذا الموقف والسفينة تشرف على الغرق يكون الإنسان في حالة من الإخلاص التام لله عز وجل، وتأمل معنى هذه الآية التي تلخص لنا الأحاسيس التي يمر بها من يركب السفينة منذ أول لحظة وحتى اللحظة التي تسبق الغرق: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ? حَتَّى? إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ? دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَ?ذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [يونس:22] .

(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ) يجريكم ويحملكم، وقرأ أبو جعفرٍ وابن عامرٍ: «ينشركم» بالنون والشين من النشر وهو البسط والبث، (فِي الْبَرِّ) ، على ظهور الدواب، (وَالْبَحْرِ) على الفلك، (حَتَّى? إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) أي: في السفن، تكون واحدًا وجمعًا (وَجَرَيْنَ بِهِمْ) يعني: جرت السفن بالناس، رجع من الخطاب إلى الخبر، (بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ) لينةٍ، (وَفَرِحُوا بِهَا) أي: بالريح، (جَاءَتْهَا رِيحٌ) أي: جاءت الفلك ريحٌ، (عَاصِفٌ) شديدة الهبوب، ولم يقل ريحٌ عاصفةٌ، لاختصاص الريح بالعصوف. وقيل: الريح تذكر وتؤنث. (وَجَاءَهُمُ) يعني: ركبان السفينة، (الْمَوْجُ) وهو حركة الماء واختلاطه، (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا) أيقنوا (انَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ) دنوا من الهلكة، أي: أحاط بهم الهلاك، (دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَڑ) أي: أخلصوا في الدعاء لله ولم يدعوا أحدًا سوى الله. وقالوا: (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا) يا ربنا، (مِنْ هَ?ذِهِ) الريح العاصف، (لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) لك بالإيمان 56.

وإذا أراد المؤمن أن يستجيب الله دعاءه فلا بد أن يخلص في الدعاء، وإذا أراد أن يتقبل عبادته فليخلص هذه العبادة لله، هكذا أمر الله نبيه بقوله: (نَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ) [الزمر:2] .

تعتبر مخالفة الهوى وسيلة من وسائل تحقيق الإخلاص، والمتأمل في كتاب ربنا يجد أن الله سبحانه وتعالى لم يذكر الهوى إلا مذمومًا، فاتباع الهوى سبيل المضلين، ومخالفة الهوى درب المخلصين.

قال تعالى: (لَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) [ص:26] .

فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله، وهو هداه الذي بعث به رسوله، وهو السبيل إليه.

وقد حذر الله سبحانه وتعالى أنبياءه من اتباع الهوى.

قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه) [ص:26] .

وقال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) [القصص:50] .

فإن أصل الهوى محبة النفس، ويتبع ذلك بغضها، ونفس الهوى وهو الحب والبغض الذي في النفس لا يلام عليه؛ فإن ذلك قد لا يملك، وإنما يلام على اتباعه.

وقال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى? عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ? أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية:23] .

يقول السعدي: «يقول تعالى: (أَفَرَأَيْتَ) الرجل الضال الذي (مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ) فما هويه سلكه سواء كان يرضي الله أو يسخطه. (وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى? عِلْمٍ) من الله تعالى أنه لا تليق به الهداية ولا يزكو عليها. (وَخَتَمَ عَلَى? سَمْعِهِ) فلا يسمع ما ينفعه، (وَقَلْبِهِ) فلا يعي الخير (وَجَعَلَ عَلَى? بَصَرِهِ غِشَاوَةً) تمنعه من نظر الحق، (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ) أي: لا أحد يهديه وقد سد الله عليه أبواب الهداية وفتح له أبواب الغواية، وما ظلمه الله ولكن هو الذي ظلم نفسه وتسبب لمنع رحمة الله عليه (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ما ينفعكم فتسلكونه وما يضركم فتجتنبونه» 57.

والحب والبغض يتبعه ذوق عند وجود المحبوب والمبغض، ووجد وإرادة، وغير ذلك، فمن اتبع ذلك بغير أمر الله ورسوله فهو ممن اتبع هواه 58، فلهذا يجب على المؤمن أن يستعين بالله، ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا يزيغه، ويثبته على الهدى والتقوى، ولا يتبع الهوى، كما قال تعالى: (لِذَ?لِكَ فَادْعُ ? وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ? وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ? وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ? وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ? اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) [الشورى:15] .

وقد بين سبحانه وتعالى أن مخالفة الهوى سبب من أسباب الفوز والفلاح.

قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى?(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى?) [النازعات:40 - 41] .

فالغفلة والشهوة أصل الشر.

قال تعالى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) [الكهف:28] .

والهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل، وإلا فصاحب الهوى إذا علم قطعًا أن ذلك يضره ضررًا راجحًا، انصرفت نفسه عنه بالطبع؛ فإن الله تعالى جعل في النفس حبًا لما ينفعها، وبغضًا لما يضرها، فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضررًا راجحًا، بل متى فعلته كان لضعف العقل 59.

يقول ابن القيم: «من سار مع العقل، وخالف طريق الهوى، ونظر إلى العواقب، أمكنه أن يتمتع من الدنيا أضعاف ما تمتع من استعمل الشهوات؛ فأما المستعجل فيفوت على نفسه حظ الدنيا والذكر الجميل، ويكون ذلك سببًا لفوات مراده من اللذات» 60.

إن انقياد الإنسان واتباعه للشهوة يجعله في مصاف الحيوانات، ويجلب له الخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة، إذا تمكنت الشهوة من الإنسان وملكته وانقاد لها كان بالبهائم أشبه منه بالناس؛ لأن أغراضه ومطلوباته وهمته تصير أبدًا مصروفة إلى الشهوات واللذات فقط، وهذه هي عادة البهائم، ومن يكون بهذه الصفة يقل حياؤه، ويكثر خرقه، ويستوحش من أهل الفضل، ويبغض أهل العلم، ويود أصحاب الفجور، ويستحب الفواحش، ويسر بمعاشرة السخفاء، ويغلب عليه الهزل وكثرة اللهو، وقد يصير من هذه الحالة إلى الفجور، وارتكاب الفواحش، والتعرض للمحظورات، وربما دعته محبة اللذات إلى اكتساب الأموال من أقبح وجوهها، وربما حملته على الغضب والتلصص والخيانة وأخذ ما ليس له بحق؛ فإن اللذات لا تتم إلا بالأموال والأعراض، فمحب اللذة إذا تعذرت عليه الأموال من وجوهها، جسرته شهوته إلى اكتسابها من غير وجوهها، ومن تنتهي به شهواته إلى هذا الحد، فهو أسوأ الناس حالًا، ويصبح من الأشرار الذين يخاف خبثهم، ويصير واجبًا على متولي السياسات تقويمهم وتأديبهم، وإبعادهم ونفيهم 61.

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: صاحب الهوى يعميه الهوى ويصمه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في الأمر ولا يطلبه أصلًا، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه، فليس قصده أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العلياء، بل قصده الحمية لنفسه وطائفته أو الرياء، ليعظم هو ويثنى عليه، أو لغرض من الدنيا، فلم يكن لله غضبه، ولم يكن مجاهدًا في سبيل الله، بل إن أصحاب الهوى يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهدًا معذورًا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمن يوافقهم، وإن كان جاهلًا سيء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذموا من لم يذمه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله 62.

تعتبر العبادات السرية أحد الوسائل لتحقيق الإخلاص، فالله سبحانه وتعالى فرض علينا العبادات من صلاة وزكاة وصيام وقيام وصدقة إلى غير ذلك من العبادات، ورتب سبحانه وتعالى الأجر والثواب على من أخلص في عبادته لربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت