فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 2431

ومما يرجح أن الإفضاء هنا المراد به الجماع: أن الكلام كناية بلا شبهة، والعرب إنما تستعملها فيما يستحى من ذكره كالجماع، والخلوة لا يستحى من ذكرها فلا تحتاج إلى الكناية، و أيضًا في تعدية الإفضاء بـ (إلى) ما يدل على معنى الوصول والاتصال، وذلك أنسب بالجماع، ومن ذهب إلى الثاني قال: إنما سميت الخلوة إفضاءً لوصول الرجل بها إلى مكان الوطء، ولا يسلم أن الخلوة لا يستحى من ذكرها 90.

والآية تنهى عن أخذ شيء من الزوجة بعد هذا الإفضاء، أي: على أي حال أو في أي حال تأخذونه، والحال أنه قد جرى بينكم وبينهن أحوال منافية له من الخلوة، وتقرر المهر، وثبوت حق خدمتهن لكم وغير ذلك 91.

والمقصود أن المراد بالميثاق الغليظ في قوله: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20 - 21] .

هو عقد النكاح، وأطلق عليه ذلك لأنه عهد مؤكد، وقد سماه الله في آية أخرى بعقدة النكاح، في قوله: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] .

يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة.

أو يكون الميثاق الغليظ هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج، وهي قول الولي عند العقد: زوجتكها على ما أخذ للنساء على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان. مأخوذ من قوله تعالى: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] .

وكان يقال للناكح في صدر الإسلام: عليكم لتمسكن بمعروف، أو لتسرحن بإحسان. وقد أشار إليه في حديث: (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله) 92 وقيل: كلمة الله هي التشهد في الخطبة 93.

أو يكون: المراد بالميثاق الغليظ هو: إفضاء بعضهم إلى بعض، وصفه بالغلظة لعظمة ما يحدث بين الزوجين من الاتحاد والألفة والامتزاج 94.

وقال قوم: الميثاق الولد؛ إذ به تتأكد أسباب الحرمة، وتقوى دواعي الألفة، أو هو: ما شرط في العقد من أن على كل واحد منهما تقوى الله، وحسن الصحبة، والمعاشرة بالمعروف، وما جرى مجرى ذلك 95.

ووصفه بالغلظ لقوته وعظمه، فقد قالوا: صحبة عشرين يومًا قرابة، فكيف بما يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج؟! 96.

والغليظ: صفة مشبهة من (غلظ) -بضم اللام- إذا صلب، والغلظة في الحقيقة صلابة الذوات، ثم استعيرت إلى صعوبة المعاني وشدتها في أنواعها.

قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123] 97.

والضمير في قوله: {وَأَخَذْنَ} للنساء، والآخذ في الحقيقة إنما هو الله تعالى، إلا أنه سبحانه نسبه إليهن؛ للمبالغة في المحافظة على حقوقهن، حتى جعلن كأنهن الآخذات له، قال بعضهم: وهذا الإسناد مجاز عقلي؛ أي: وقد أخذ الله عليكم العهد لأجلهن وبسبيهن، فهو مجاز عقلي من الإسناد إلى السبب 98.

وفي هذه الآية فوائد، منها:

-تكريم الإسلام للمرأة، فقد كانت في الجاهلية مهضومة الحق، يعتدى عليها بأنواع من الاعتداء، فرفعها الله تعالى بما شرعه من تعاليم إسلامية من تلك الهوة التي كانت فيها، وقرر لها حقوقها، ونهى عن الاعتداء عليها. ومن مظاهر ذلك أنه حرم أن تكون موروثة كما يورث المال، وكذلك حرم عضلها، وأخذ شيء من صداقها، إلا إذا أتت بفاحشة مبينة، وأمر الرجال بأن يعاشروا النساء بالمعروف، وأن يصبروا على أخطائهن رحمة بهن.

-أن الرجل إذا أراد فراق امرأته فلا يحل له أن يأخذ منها شيئًا، ما دام الفراق بسببه ومن جانبه، كما أنه لا ينبغي له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاه إياها إذا كان الفراق بسببها ومن جانبها 99. وبيان ذلك: أن الزوجة قبل عقد النكاح محرمة على الزوج، ولم ترض بحلها له إلا بذلك المهر الذي يدفعه لها، فإذا دخل بها، وأفضى إليها، وباشرها المباشرة التي كانت حرامًا قبل ذلك، والتي لم ترض ببذلها إلا بذلك العوض، فإنه قد استوفى المعوض فثبت عليه العوض تامًا، فكيف يستوفي المعوض ثم يرجع على العوض؟ لا ريب أن هذا من المنكرات القبيحة شرعًا وعقلًا وفطرةً، وهو من أعظم الظلم والجور؛ ولهذا أخذ الله على الأزواج ميثاقًا غليظًا بالعقد والقيام بحقوقه.

بين القرآن الكريم صور من النكاح محظورة لحكم إلهية ومنافع إنسانية، وسوف نتناولها فيما يأتي:

أولًا: نكاح زوجة الأب:

حرم الله على الابن وإن نزل أن يتزوج زوجة أبيه أو جده وإن علا؛ وذلك لقوله تعالى: (ولَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ? إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا) [النساء: 22] .

فقد نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب، هل هو العقد أو الوطء؟ ولكنه بين في موضع آخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده، وإن لم يحصل مسيس؛ وذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) [الأحزاب: 49] .

فصرح بأنه نكاح، وأنه لا مسيس فيه.

وقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه، وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعًا، وإن لم يمسها 100.

وإنما خص هذا النكاح بالنهي، ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات الآتية بعدها في الآيات مبالغة في الزجر عنه، حيث كان ذلك ديدنًا لهم في الجاهلية.

وعدل عن أن يقال: لا تنكحوا نساء آبائكم؛ ليدل بلفظ: (نكح) على أن عقد الأب على المرأة كافٍ في حرمة تزوج ابنه إياها 101. ولفظة: (آباؤكم) في الآية تعم كل من له أبوة، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، وسواء كانت من جهة الأب أو من جهة الأم.

فيحرم أصوله وفصوله، وزوجتهما، يعني: أنه يحرم على الشخص أن يتزوج امرأة تزوجها أحد من آبائه وإن علوا، أو بنيه وإن سفلوا. وإن لم يدخل بها الأب، فالتحريم بمجرد كتابة العقد.

والآية تسمي هذا النكاح: فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا، وقد كان زواج الأبناء بزوجات الآباء بعد موتهم فاشيًا في الجاهلية، فانزل الله هذه الآية 102. وصار نكاح المقت أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها.

والعلة في تحريم زوجات الآباء تكريمًا لهم واحترامًا، ووفاء بحقهم في البر، وعدم انتهاك حرمتهم، ومعنى: (ولَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ?) أي: لكن ما سلف قبل التحريم، فلا جناح عليكم فيه، ونظيره قوله تعالى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ?) [النساء 23] .

وقال في الصيد قبل التحريم: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) [المائدة: 95] الآية 103.

وليس معنى: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) أنه وافقهم على ما تم قبل ذلك ولا زال ساريًا من نكاح الأبناء لزوجات الآباء، بل أمر الإسلام بفسخه، وإنما المعنى: أنه رفع الجناح عليهم، فلا إثم عليهم قبل التحريم، ولا يؤاخذون به.

قال في الفواكه الدواني: (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) أي: ما وقع قبل الإسلام، وفسخه الإسلام، فلا يؤاخذ فاعله به؛ لأنه يغفر بالإسلام؛ لأنه يجب ما قبله.

قال تعالى: إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) [الأنفال: 38] .

والاستثناء في الآية منقطع، والمعنى: لكن ما قد سلف لا إثم فيه 104.

خاصة ما تعذر تداركه في عهد الجاهلية لموت الزوجين، من حيث إنه يترتب عليه ثبوت أنساب، وحقوق مهور ومواريث، و أيضًا بيان تصحيح أنساب الذين ولدوا من ذلك النكاح، وأن المسلمين انتدبوا للإقلاع عن ذلك اختيارًا منهم 105.

فإن كان نكاح الأب نكاحًا فاسدًا حرم على الابن العقد عليها أيضًا، كما يحرم بالصحيح؛ فإن زنى رجل بامرأة فالراجح أنه يحرم تزوجها على أولاده لهذه الآية؛ لأن النكاح فيها محمول على الوطء، وقال من أجازه: إن الآية لا تتناوله؛ إذ النكاح فيها بمعنى العقد 106. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الرجل إذا وطئ نكاحًا فاسدًا أنها تحرم على ابنه وأبيه وعلى أجداده، وولد ولده 107. يعني: إلى الأبد، ما تناسلوا؛ لهذه الآية الكريمة.

حكم من تزوج زوجة أبيه أو إحدى محارمه:

من تزوج بإحدى محارمه، إما أن يكون جاهلًا بالحرمة، كمن يكون حديث عهد بإسلام، فهذا لا إثم عليه ولا حد، وإما أن يقع على ذوات محارمه عالمًا بالتحريم لكنه غير مستحل، فلا يكفر مع أنه يقتل حدًا، وإما أن يكون مستحلًا له فيقتل ردة، ويخمس ماله لأجل الكفر؛ لحديث أبي بردة بن نيار لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى من تزوج امرأة أبيه، فأمره أن يضرب عنقه، ويخمس ماله 108، فإن تخميس المال دال على أنه كان كافرًا لا فاسقًا، وكفره بأنه لم يحرم ما حرم الله ورسوله.

واعتبر شيخ الإسلام ابن تيمية قرينة تخميس المال في الحديث دليلًا على أنه فعل ذلك مستحلًا، وأنه كان كافرًا 109.

فيحمل هذا الحديث على المستحل، والباقي يبقى على الأصل، وهو معاملته معاملة الزاني بكرًا كان أو ثيبًا، عقد عليها أو زنا بها بدون عقد.

ثانيًا: النكاح المحرم بسبب النسب:

بعد أن ذكر الله تعالى حرمة نكاح ما نكح الآباء بقوله: (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ) [النساء: 22] .

ذكر المحرمات بسبب النسب، وغير أسلوب النهي فيه؛ لأن (لا تفعل) نهي عن المضارع الدال على زمن الحال، فيؤذن بالتلبس به، بخلاف (حرمت) فيدل على أن تحريمه أمر مقرر؛ ولذلك قال ابن عباس: «كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم الإسلام إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين» .

فمن أجل هذا أيضًا نجد حكم الجمع بين الأختين عبر فيه بلفظ الفعل المضارع، فقال: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [النساء: 23] 110.

والمحرمات بسبب النسب: هن النساء اللاتي حرم نكاحهن من هذه الجهة.

والنسب: أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أم، قرب ذلك أو بعد.

وقد ذكر الله المحرمات من النساء، فقال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ?23?) [النساء: 23] .

فحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعًا بنسب، وسبعًا بسبب، فأما النسب: فقال: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) فبني الفعل للمجهول للعلم به؛ لأن المحرم والمحلل هو الله، فهو فاعل هذا التحريم وحده.

ومعنى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) المراد: تحريم نكاحهن؛ لقوله: (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ) [النساء: 22] .

ولأن تحريم نكاحهن هو الذي يفهم من تحريمهن، كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها، ومن تحريم لحم الخنزير تحريم أكله 111. ولأن من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن المراد منه تحريم نكاحهن، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف، فإذا قيل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ) فهم كل أحد أن المراد تحريم نكاحهن 112.

فليس المراد بقوله: (حُرِّمَتْ) تحريم ذاتهن؛ لأن الحرمة لا تتعلق بالذوات، وإنما تتعلق بأفعال المكلفين، فالكلام على حذف مضاف، أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم وبناتكم.

ويدخل في قوله: (أُمَّهَاتُكُمْ) الجدات من جهة الأب أو الأم وإن سفلن. والأم هي: كل امرأةٍ يرجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك، أو من جهة أمك بدرجة أو درجات، سواء رجعت إليها بذكور، أو بإناث فهي أمك 113.

ولفظ الأم إن أريد به ههنا الأم الأصلية فتحريم نكاحها هنا مستفادٌ بالنص، وأما تحريم نكاح الجدات فمستفادٌ من الإجماع 114.

وحرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم عليه السلام إلى زماننا، ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الشرائع الإلهة ... ، وأما نكاح الأخوات فقد نقل: إنه كان مباحًا في زمن آدم عليه السلام، وإنما أباحه الله للضرورة، وأنكر بعضهم ذلك، وقال: إنه تعالى كان يبعث الجواري من الجنة ليتزوج بهن أبناء آدم عليه السلام، ويبعث أيضًا لبنات آدم من يتزوج بهن من الحور، وهذا بعيد؛ لأنه إذا كان زوجات أبنائه، وأزواج بناته من الجنة فحينئذٍ لا يكون هذا النسل من أولاد آدم فقط، وذلك باطل بالإجماع 115.

والمراد من (الأمهات) وما عطف عليها الدنيا وما فوقها، وهؤلاء هن المحرمات من النسب، وقد أثبت الله تعالى تحريم من ذكرهن، وقد كن محرمات عند العرب في جاهليتها تأكيدًا لذلك التحريم، وتغلظًا له؛ إذ قد استقر ذلك في الناس من قبل 116 وقد روى ابن عطية في تفسيره عن ابن عباس: أن المحرمات المذكورات هنا كانت محرمة في الجاهلية إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين 117.

وذكر العلماء أن سبب تحريم نكاح هؤلاء المذكورات أن الوطء إذلالٌ وإهانةٌ، فإن الإنسان يستحي من ذكره، ولا يقدم عليه إلا في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذا كان الأمر كذلك وجب صون الأمهات عنه؛ لأن إنعام الأم على الولد أعظم وجوه الإنعام؛ فوجب صونها عن هذا الإذلال، والبنت بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه السلام: (فاطمة بضعةٌ مني) 118 فيجب صونها عن هذا الإذلال، وكذا القول في البقية 119.

فشريعة الإسلام قد نوهت ببيان القرابة القريبة، فغرست لها في النفوس وقارًا، ينزه عن شوائب الاستعمال في اللهو والرفث؛ إذ الزواج وإن كان غرضًا صالحًا باعتبار غايته إلا أنه لا يفارق الخاطر الأول الباعث عليه، وهو خاطر اللهو والتلذذ، فوقار الولادة أصلًا وفرعًا مانع من محاولة اللهو بالوالدة أو المولودة؛ ولذلك اتفقت الشرائع على تحريمه، ثم تلاحق ذلك في بنات الأخوة، وبنات الأخوات، وكيف يسري الوقار إلى فروع الأخوات، ولا يثبت للأصل، وكذلك سرى وقار الآباء إلى أخوات الآباء وهن العمات، ووقار الأمهات إلى أخواتهن وهن الخالات، فمرجع تحريم هؤلاء المحرمات إلى قاعدة المروءة التابعة لكلية حفظ العرض من قسم المناسب الضروري، وذلك من أوائل مظاهر الرقي البشري 120.

والصنف الثاني: من المحرمات بسبب النسب البنات؛ قال تعالى: (وَبَنَاتُكُمْ) والبنات: جمع البنت؛ فلفظ البنات شامل للبنات، ولبنات البنات، وبنات بناتهن، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء 121.

والبنت: هي كل امرأة لك عليها ولادة، سواء أكانت بنتًا مباشرة أم بواسطة، فتشمل حرمة النكاح البنات وبنات الأبناء وبنات البنات وإن نزلن، وقد انعقد الإجمال على تحريم الفروع من النساء مهما تكن طبقتهن 122.

قال العلماء: فلما حرم الله البنات فحرمت بذلك بنت البنت بإجماع، علم أنها بنت، ووجب أن تدخل في حبس أبيها إذا حبس على ولده، أو عقبه 123.

والمراد بهن: البنات للأصلاب ليس المراد بنات التبني، فإذا تبنيت طفلة وألحقتها بك يحل لك أن تتزوجها، فالتبني لا يحرم، إنما المحرم هنا البنت للصلب.

ويلحق بالبنت هنا مسألةٌ، وهي مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني، يعني رجلٌ زنى بامرأة فولدت له بنتًا، هذه بنت الزنا هل يحل للزاني أن يتزوجها؟ فالجمهور قالوا: بالمنع، فيحرم عليه أن يتزوجها، والإمام الشافعي رحمه الله يرى جواز ذلك 124.

وقد احتج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للمنع بما حاصله: ليست كل من لا ترث يحل الزواج بها؛ فأمك من الرضاعة لا ترث، ولا يحل لك أن تتزوج بها، وابنتك من الرضاعة لا ترث ولا يحل لك الزواج بها، وأطال النفس في تعقباته على هذا الرأي 125.

وقد قال ابن كثير: «وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: (وَبَنَاتُكُمْ) فإنها بنت فتدخل في العموم، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها؛ لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ?) فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، والله أعلم» 126.

والصنف الثالث: من المحرمات بسبب النسب الأخوات.

قال تعالى: (وَأَخَوَاتُكُمْ) يعني: من النسب، من الأوجه الثلاثة، وكذلك الباقيات، فيشمل: الشقيقات، أو لأب، أو لأم.

والأخت: هي عبارة عن كل امرأة شاركتك في أصلك، فتدخل فيه الأخوات من الأب والأم، والأخوات من الأب، والأخوات من الأم.

والرابع والخامس: من المحرمات بسبب النسب العمات والخالات.

قال تعالى: (وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ) فالعمات والخالات: جمع العمة والخالة، والعمة: كل أنثى وَلَدَها مَنْ وَلَدَ ذكرًا وَلَدَكَ.

ويمكن القول- أن العمة: هي كل امرأة شاركت أباك في أصله، وهن جميع أخوات الأب، وأخوات آبائه، وإن علون، وقد تكون العمة من جهة الأم أيضًا، وهي أخت أبي الأم 127.

والخالة: كل أنثى ولدها من ولد أنثى ولدتك قريبًا أو بعيدًا 128. ويمكن القول- أن الخالة: هي كل امرأة شاركت الأم في أصلها، فيدخل فيه جميع أخوات الأم وأخوات أمهاتها، وقد تكون الخالة من جهة الأب أيضًا، وهي أخت أم الأب 129. فيكون معنى: (وَعَمَّاتُكُمْ) أي: أخوات آبائكم وأجدادكم (وَخَالَاتُكُمْ) أي: أخوات أمهاتكم وجداتكم 130.

والصنف السادس والسابع: من المحرمات بسبب النسب بنات الأخ وبنات الأخت.

قال تعالى: (وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) بنات الأخ الشقيق أو للأب، وما تناسل منهم، و (بنات الأخت) فيدخل كل ما تناسل من الأخت الشقيقة، أو للأب، أو للأم.

وهي عبارة عن كل امرأة لأخيك أو لأختك، عليها ولادة يرجع نسبها إلى الأخ أو الأخت، فيدخل فيهن جميع بنات أولاد الأخ والأخت، وإن سفلن 131. و (ال) في قوله: (وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) عوض عن المضاف إليه، أي: بنات أخيكم، وبنات أختكم.

فهؤلاء هن المحرمات من النسب، ثم ذكر بعدها المحرمات بسبب الرضاع، والمحرمات بالصهر، فقال تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) [النساء: 23] .

وسيأتي ذكرهن إن شاء الله.

ثالثًا: النكاح المحرم من الرضاع:

ذكر الله تعالى هنا ما يحرم بسبب الرضاع، فقال: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) [النساء: 23] .

فذكر القرآن صنفين، وحرمت السنة من الرضاع كل ما يحرم من النسب، قال صلى الله عليه وسلم: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) 132 فيدخل الأصناف السبعة، وهي الأم من الرضاع، والبنت، والأخت، والعمة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت 133. فكل أنثى انتسبت باللبن إليها فهي أمك، وبنتها أختك، وإنما نص الله على ذكر الأم والأخت ليدل بذلك على جميع الأصول والفروع، فنبه بذلك أنه تعالى أجرى الرضاع مجرى النسب 134.

وفي قوله: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) سمى المراضع أمهات؛ جريًا على لغة العرب، وما هن بأمهات حقيقة، ولكنهن تنزلن منزلة الأمهات؛ لأن بلبانهن تغذت الأطفال؛ ولما في فطرة الأطفال من محبة لمرضعاتهم محبة أمهاتهم الوالدات؛ ولزيادة تقرير هذا الإطلاق الذي اعتبره العرب، ثم ألحق ذلك بقوله: (اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) ؛ دفعًا لتوهم أن المراد أمهات النسب؛ إذ لولا قصد إرادة المرضعات لما كان لهذا الوصف جدوى.

وقد أجملت هنا صفة الإرضاع ومدته وعدده إيكالًا للناس إلى متعارفهم، وملاك القول في ذلك: أن الرضاع إنما اعتبرت له هذه الحرمة لمعنى فيه، وهو أنه الغذاء الذي لا غذاء للطفل يعيش به، فكان له من الأثر في دوام حياة الطفل ما يماثل أثر الأم في أصل حياة طفلها، فلا يعتبر الرضاع سببًا في حرمة المرضع على رضيعها إلا ما استوفى هذا المعنى من حصول تغذية الطفل، وهو ما كان في مدة عدم استغناء الطفل عنه؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الرضاعة من المجاعة) 135136.

ولما حرم الله تعالى الأم من الرضاعة من غير تعرض لما به يحصل الرضاع من مقدار الرضاع ومدته، فيكون التعلق بهذه الآية في إثبات التحريم بالرضعة الواحدة تعلق بالعموم الذي سيق لغرض آخر غير غرض التعميم 137. فالصحيح من أقوال أهل العلم أن عدد الرضعات المحرمة خمس رضعات؛ لما ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن) 138.

ولا يصح الاستدلال بعموم الآية على أنه يحرم مجرد الرضاع، كما ذهب إليه البعض.

فمن رضع من امرأة خمس رضعات، وهو في سن الحولين تحرم عليه، ويحرم عليه أمهاتها، وبناتها، وأخواتها، وكذا بنات زوجها، وأمهاته 139.

لأن الله أنزل المرضعة منزلة النسب، حتى سمى المرضعة أما، والمرضعة أختًا، وأمرها على قياس النسب، باعتبار المرضعة والدة الطفل الذي در عليه اللبن 140.

وقد قال بعض الفقهاء: كما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع إلا في أربع صور، أو ست صور، مذكورة في كتب الفروع، والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلًا ألبتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت